مختارات

المفاهيم المؤسِسة لظاهرة التطرف الإسلامي

يتفق المختصون بدراسة ظاهرة التطرف الإسلامي على أنها متعددة الأوجه ولا يمكن أن تعزى لسبب واحد، حيث تساهم في تشكيلها العديد من الأسباب النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بدرجات متفاوتة، ولكن العامل الأهم هو سلسلة الأفكار، أو ما يمكن أن نطلق عليه الأيديولوجيا التي يمكن من خلالها السيطرة على عقول الأفراد بطريقة كلية بحيث يصبحون مستعدين للقتل ولو أدى ذلك للتضحية بأرواحهم.

في إطار التأثير الكبير الذي تلعبه الأفكار على عقول المنتمين للجماعات المتطرفة، خصوصا فئة الشباب، تبرز أربعة مفاهيم رئيسة، بالإضافة لعدد من الآليات الثانوية التي يتم استخدامها لتحقيق تلك المفاهيم، وذلك عبر الاستعانة بأسانيد من القرآن والسنة وفتاوى الفقهاء لتبرير اللجوء لتلك الآليات.

يأتي في مقدمة تلك المفاهيم، مفهوم «الأمة الإسلامية»، حيث أن الولاء المرتبط بالعقيدة ومشروع الخلافة لا يمكن إشباعه بالانتماء لدول قُطرية رسم حدودها المستعمر، فأصبحت في نظر الجماعات العنيفة هوية مصطنعة مفتعلة، لا تساوي شيئا أمام الهوية الإسلامية والانتماء الديني، وهذا الفقر في الهوية رغم أنه مدفون في الوجدان، إلا أنه يمثل أقوى الدوافع في التوجهات الجهادية بسبب ضخامة معنى الانتماء في الإسلام.

في هذا الإطار يقول سيد قطب إن «وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست أرضا كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوما كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي، وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا. ولا بد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى».

المفهوم الثاني هو «الحاكمية»، التي هي حكم الله في الأرض، وما عداها هو حكم الجاهلية أو الطاغوت، حيث يتعدى البشر على أخص خصوصيات الله، وهو التشريع. وبالنسبة لتلك الجماعات فإن الأمة الإسلامية قد فُرض عليها حكم الجاهلية المسنود بالدول الكافرة خصوصا الغربية.

يقول سيد قطب إن «الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. تسند الحاكمية إلى البشر في صورة ادِّعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن الله به».

أما محمد فخري الخباص، الشاب البريطاني ذو الأصل الفلسطيني الذي قام بتجنيد نحو 16 طالبا وطالبة سودانيين يدرسون بكلية الطب بجامعة العلوم والتكنولوجيا بالخرطوم ويحملون الجنسية البريطانية، وأقنعهم بالسفر إلى سوريا للانضمام لتنظيم «داعش»، فقد كتب رسالة بعنوان «الهجرة للدولة الإسلامية» قال فيها:

«الحاكمية تعني أن شريعة الله هي أساس التشريع. هي أعلى سلطة حكومية وقانونية. إن النظام الفوضوي الذي يطلق عليه «تشريع الإنسان لنفسه» لا يستفيد منه إلا أولئك الذين يسعون للدمار والفساد في الأرض. هذا هو نظام الجاهلية الذي يتعارض في كل شيء مع النظام الذي منحنا له الله. لسوء الحظ أن نظام الجاهلية هذا هو الذي تم فرضه على الأمة المسلمة في العقود الأخيرة. لذلك فمن المعروف أنه ليس هناك دولة عربية أو أية دولة ذات أغلبية مسلمة يوجد بها نظام حكم يطبق شريعة الله».

المفهوم الثالث، الذي يُستخدم في الاستقطاب للجماعات العنيفة، ويُعتبر من أكثر المفاهيم جاذبية وتجسيدا لمفهوم الأمة الإسلامية على الأرض هو مفهوم «الخلافة الإسلامية»، وهو الأمر الذي انتبه إليه «داعش» أكثر من جميع الحركات الجهادية العنيفة التي سبقته بما فيها تنظيم «القاعدة».

فالخلافة هي السلطة المسؤولة عن تنفيذ الشرع «حكم الشريعة»، وهي الكيان الذي يفتح الفتوح كمقدمة لعودة الحلم الإسلامي الكبير. هذا الطرح البسيط والمُباشر يستهوي كثيرا من الشباب المُفتقر لإشباع الرغبة بالانتماء الكامل للهويّة الإسلامية الاستعلائية حيث أن غالب الشباب لا يُحبِّون التأصيل المُعَّقد في التدرج في الانتقال للخلافة وتستهويهم هذه اللغة البسيطة والمباشرة، فيشعرون بانجذاب قويِّ تجاهها.

لكن هذه الخلافة لا تقوم إلا عبر تطبيق المفهوم الرابع، الجهاد، حيث يتم إقناع الكادر بأنه ماضٍ إلى قيام الساعة، وهذه هي النقطة الحاسمة التي يُصبح معها الشاب المؤمن في يدِ من يقومون بالاستقطاب كالميت بين يدي غاسله، فهو إذ يرغب في عودة الخلافة في أسرع وقت حتى تصبح كلمة الله هي العُليا فإنه يكون مُستعدا لبذل التضحية القصوى، المتمثلة في بيع الرُّوح رخيصة في سبيل بلوغ تلك الغاية.

هذه المفاهيم الأربعة تمثل القاسم المشترك بين مختلف جماعات الإسلام السياسي، سواء كانت تلك المتطرفة مثل «داعش» و«القاعدة» أو ما يطلق عليها مسمى المعتدلة مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي يعلم كل من درس أدبياتها خصوصا التي خطها يراع المرشد المؤسس حسن البنا، وزعيمها المنظِّر سيد قطب، أنها، أي هذه المفاهيم، تشكل حجر الزاوية في دعوة الجماعة وأن الكثير من الحركات المتطرفة قد خرجت من عباءتها.

نقلا عن: ميدل إيست أونلاين

الوسوم

بابكر فيصل

كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

إغلاق