منوعات

مقاومة الاحتلال بالموسيقى.. المسرح الغنائي عند سيد درويش وكامل الخلعي

 كيف بدأ المسرح الغنائي فى مصر؟ وكيف كان لكامل الخلعي وسيد درويش دورا مؤثرا وحقيقي في نشأة ونهوض هذا المسرح الذى أسهم في حركة النضال الوطني ومقاومة المستعمر والدعوة لنهضة المجتمع المصري؟.. تساؤلات عدة طرحها المؤرخ الموسيقي الراحل الأستاذ فرج العنتري عبر كتابه الموسوعي «في النقد والتذوق الموسيقي» الصادر عن دار الكلمة سنة 2000.

تطور تاريخي

استهل العنتري حديثه عن نشأة «المسرح الغنائي» في مصر بإستعراض لمحة سريعة عن النشأة الأولى لفن الأوبرا مشيرا إلى ان جذور فن الأوبرا تعود إلى فترة الإغريق القدامى حيث كانوا يقدمون مسرحيات مثل «أنتيجونا» و«أجاممنون» مصحوبة بالغناء والتمثيل ومن ثم يعهدون إلى طاقم الكورس بأداء مواقف الذروة في الدراما، ومع ظهور المسيحية وحرص رجال الإكليروس على استخدام الموسيقى في طقوسهم لإجتذاب جماعات العابدين، ظهرت مسرحيات دينية غنائية قامت على نصوص المزامير وقصص الكتاب المقدس وعرفها تاريخ الفن بمسمى «مسرحيات الأخلاقيات» أو «الأسرار» أو «المعجزات».

ومع بداية القرن السادس عشر ظهرت نماذج من المسرحيات باهظة التكاليف أطلق عليها تاريخ الفن مسمى «مسرحيات الأقنعة» وهى أعمال يصفها العنتري بكونها تضمنت الأشعار والغناء الروحي والعزف الموسيقي وكان يجري أداؤها على مسرح كامل التجهيز بالمناظر والملابس وبالممثلين ذوي الأقنعة التنكرية، لكنها لم تكن نموذج الأوبرا المرتقب بعد، وإنما كانت بمثابة فجر إرهاص ميلاد الأوبرا.

أما القرن السابع عشر فقد شهد الميلاد الحقيقي لفن الأوبرا وذلك على يد «جمعية الكاميراتا» بفلورنسا بإيطاليا والتي ضمت نخبة من الموسيقيين والشعراء وعلماء نظرية الموسيقى الذين عمدوا إلى إحياء فن المسرح الإغريقي القديم، ومن ثم وضعت هذه المجموعة أول أوبرا كاملة في تاريخ الفن ومازال عرضها يجري في إيطاليا وهى أوبرا «أوريدتشي» التي كتب حوارها الشاعر رينوتشيني بمناسبة زواج ملك فرنسا هنري الرابع من الإيطالية ماريا دي ميدتشي وتم عرض هذه الأوبرا لأول مرة بأحد قصور فلورنسا في السادس من أكتوبر سنة 1600م.. ليتوالى تطور هذا الفن العظيم.

أما فيما يخص المسرح الغنائي في مصر فقد أكد العنتري على أن نشأته كانت بمثابة محاولة أولى من قبل رواده الأوائل لمحاكاة فن الأوبرا فهل نجح هؤلاء الرواد في مهمتهم تلك؟ وما هى طبيعة الصعوبات التي واجهتهم وكيف تعاملوا معها؟.

كامل الخلعي.. رحلة موسيقية

بعد إنطفاء جذوة الثورة العرابية ومحاكمة قادتها وفدت إلى مصر من الشام فرقة «أحمد أبو خليل القباني» سنة 1884م التي غرست بذور «المسرح التطريبي» في مصر ومعها نشطت فرق الشيخ سلامة حجازي وأولاد عكاشة ومنيرة المهدية وتألقت نجومية الملحن المسرحي محمد كامل الخلعي، فمن يا تُرى كامل الخلعي، كيف تأهل وأنتج وأصبح ذا تأثير في مجال التلحين المسرحي؟

يشير العنتري إلى أن هناك تضاربا فيما يتعلق بتاريخ ميلاد الخلعي إلا أنه في النهاية توافق على أنه قد ولد بالأسكندرية سنة 1870م، وأن والده كان ضابطا كبيرا بقوات عرابي وقد تم تسريحه من الجيش لمشاركته بالثورة العرابية، وأن عائلته تنتمي إلى العارف بالله «سيدي أبي الحسن الخلعي» صاحب الضريح الشهير بمدينة رشيد.

بعد طرد والد محمد كامل الخلعي من الجيش عانت الأسرة معاناة مادية شديدة نزحت على أثرها من الأسكندرية إلى القاهرة، كان الخلعي لم يزل مجرد غلاما صغيرا، تعرض للقسوة الشديدة من قبل زوجة أبيه بعد وفاة والدته ما اضطره إلى هجر أسرته والسكن بمفرده بحي الجمالية والعمل في مجال تجهيز “اللافتات” التجارية حيث كان يجيد فن «الخط العربي» ومن كتابة «لافتات» المحلات التجارية إلى كتابة «أفيشات» فرقة الشيخ سلامة حجازي، وصولا إلى لقائه بالفنان الدمشقي أحمد أبو خليل القباني بدار السيد توفيق البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية آنذاك الذي أهتم بتزكية مواهبه المتعددة لدى القباني.. بدأت الرحلة.

إلتحق محمد كامل الخلعي بفرقة القباني ومن ثم طاف معه بجولاته الفنية من الشام للأستانة ومن بغداد للموصل لمدة ثلاثة أعوام متتالية تعلم خلالها العزف على العود والغناء ومن ثم مشاركة أستاذه الأول القباني في تلحين مسرحية «عفيفة» التي تضمنت عددا من الموشحات والأغنيات مثل «موشح يا راعي الظبا في حيك غزال» و«موشح جاءك الغيث إذا الغيث همى» وغيرها.

عاد الخلعي بعد إنتهاء الرحلة مع القباني فسارع إلى الإلتحاق بفرقة سلامة حجازي كعضو بفريق الكورال لمدة عام كامل سنة 1905 ومن ثم سافر إلى فرنسا وإيطاليا سنة 1906 لدراسة الموسيقى ما سهل عليه التعرف على عروض المسرح الغنائي بشطريه الأوبرات والأوبريتات المختلفة فكانت تلك الرحلة بمثابة «تفتيح لبصر وبصيرة الخلعي على أصول وحضارة التمسرح الغنائي بأوروبا وعلى العناية بتأهيل فنانيه منذ الصغر» على حد وصف العنتري.

بادر محمد الخلعي عقب عودته ببدء إستخدام وتفعيل «التدوين النغمي« أي إستخدام «النوتة الموسيقية» بدلا من التلقين وبإستخدام الأوركسترا لتنفيذ موسيقى المسرح الغنائي بدلا من قصور التخت التقليدي، وكانت بداية إستخدامه للنوتة الموسيقية مع ألحان فريق أروكسترا دار التمثيل العربي، وتدوين جميع موشحات موسوعة «السفينة الكمالية» التي جهزها باسمه كذلك حرص الخلعي على دعوة أصحاب الفرق المسرحية في مصر إلى وجوب التدوين الموسيقي إلى جانب الإستعانة بالطاقم الأوركسترالي بديلا عن التخت التقليدي، غير أن دعوته تلك لم تلق أي إستجابة في حينها من قبل مختلف الفرق المسرحية بمصر.

أختتم العنتري حديثه عن محمد  كامل الخلعي مشيرا إلى قيامه بالتلحين للعديد من الفرق المسرحية مثل: فرقة منيرة المهدية، فرقة أولاد عكاشة، فرقة جورج أبيض، وفرقة على الكسار ومحمد بهجت وأمين صدقي ودعا العنتري إلى ضرورة العمل على ترميم أصول تلك الأعمال الفنية ووضعها في متناول مختلف الباحثين والدارسين والمؤرخين المهتمين بتوثيق تاريخ الفن بمصر.

سيد درويش رائد المسرح الغنائي

هل يمكن فهم دور سيد درويش في بعث المسرح الغنائي المصري دون الإحاطة بالسياق الإجتماعي والسياسي الذي كانت تعيش فيه مصر؟ .. يجيب على ذلك التساؤل الأستاذ فرج العنتري مشيرا إلى أنه كي يتضح دور وقيمة سيد درويش في تطوير المسرح الغنائي لابد من التعرف على تلك اللحظة التاريخية التي انتقل فيها سيد درويش من الأسكندرية إلى القاهرة سنة 1917 حيث كانت القاهرة تعاني مما وصفه العنتري «بأمراض المسرح الخليع» الذي استشرى بصالات عماد الدين خلال سنوات الحرب العالمية الأولى (1914-1918) التي كانت بمثابة فترة السماح بتلك العروض التي أتسمت «بالإبتذال المقزز» على حد وصف العنتري وقد برر البعض تلك الحالة بما كان مفروضا من قيود على رواد المسرح من قبل سلطات الإحتلال إلى جانب الإرهاق الإقتصادي الذي كبل الجميع ما جعل «الإبتذال» سيد المشهد.

كانت لحظة إلتقاء فنان الشعب سيد درويش بالكاتب المسرحي محمد تيمور خلال عملهما على أوبريت «العشرة الطيبة» بمثابة نقلة نوعية عظيمة في مجال المسرح الغنائي المصري حيث أصبح المسرح الغنائي بهذا العمل «بديلا عن مستودع البارود لثورة 1919 ومنبرا فنيا للتعبير الوطني».

مع نهاية الحرب العالمية الأولى وفي ذروة رواج «المسرح الخليع» قام سيد درويش بتلحين رواية «فيروز شاه» لفرقة جورج أبيض، وجاء فيها بأسلوب جديد «لا خلاعة فيه ولا تطريب» على حد وصف العنتري فكان محتما عليها الفشل لخروجها على ما كان سائدا، إلا أنها لفتت إنتباه مديري الفرق المسرحية إلى الأسلوب الجديد الذي استخدمه سيد درويش، وما يتسم به من قدرات تعبيرية واعدة فأقبلوا تباعا على تكليفه بالتلحين لهم.

إلتزم سيد درويش في مجمل أعماله بإستخدام الطابع المصري الشعبي وصدق التعبير ما جعله يحرص على تتبع الباعة الجائلين كي يستلهم لهجات النغم في نداءاتهم، كما تتبع أصحاب المهن المختلفة في محاولة منه أن تصبح ألحانه تعبيرا خالصا عن الشارع المصري بكل دفقاته وحركته وروحه.

حرص سيد درويش في مسرحه على الإستعانة بفريق الأوركسترا الذي يعزف إعتمادا على نوتة موسيقية مجهزة وذلك تلافيا لشطط الإرتجال، وقد عاون درويش على الإرتقاء بالمسرح الغنائي آنذاك وجود زمرة من الشخصيات المهتمة بفن المسرح  كان منهم بديع خيري وبيرم التونسي ومحمد تيمور ومحمود مراد ومن ثم بات مسرح سيد درويش يلعب دورا وطنيا بارزا تجلى في الدعوة للوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط   في مواجهة المستعمر متغنيا بالوطن وأبنائه.

أختتم العنتري تناوله لدور سيد درويش في إحياء المسرح الغنائي بالإشارة إلى ان الباحثين والنقاد قد عمدوا على تمييز إنتاج سيد درويش المسرحي بأوبريتات «العشرة الطيبة» و«شهر زاد» و«الباروكة» معتبرين أنها تمثل قمة التطور في مجال المسرح الغنائي المصري من حيث الموضوع والتجهيز والقالب الفني، إلا أن العنتري يرى أنه يجب الإشادة بكل ما أنجزه سيد درويش خاصة خلال فترة وجوده بالقاهرة حتى وفاته سنة 1923 وهى وفقا للمصادر الموثوق بها تمثل 26 عملا غنائيا مسرحيا.

إجمالا لعب كل من محمد كامل الخلعي وسيد درويش دورا بارزا في الحركة الوطنية المصرية عبر جعل المسرح الغنائي أداة مقاومة ضد سلطة الإحتلال والإقطاع وسلطة القصر الملكي إضافة للدعوة للنهوض بالمجتمع المصري بكل المجالات.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: