منوعات

الانتحار.. قتل الألم وألم القتل

لا أحد يرغب في أن يقتل نفسه، ولكن إذا أتيحت لنا الفرصة لنقتل ألمنا وعجزنا وأحزاننا لفعلناها دون تردد.. هكذا يشعر من يُقدم على الانتحار، أنه وأخيرًا سيتحرر من نفسه بكل ما فيها من ثقل وألم، فيصدمنا مثلا ذلك الشاب اليافع الذكي التي تبدو حياته مثالية بالقفز من أعلى برج.

غالبًا ما يتصور المنتحر فكرة رومانسية عن نشوة تلك اللحظة الخالصة من التحرر، لكن واقعيًا وبعد بضع ثوان من القفز الحر، تتهشم عظام الجسم بالكامل، فتخترق بدورها الأعضاء الحيوية، ثم يصل إلى نهاية حياته بشكل لم يكن يدرك كم سيكون مروعًا له ولعائلته ولكل من حوله.

القرار المؤجل

رغم الصدمة التي يبديها الجميع بعد سماع خبر انتحار شخص ما، دائمًا ما تكون هناك مقدمات لهذه النتيجة المؤسفة، حيث لا يقرر الإنسان الانتحار بين ليلة وضحاها، وإنما يكون قرارًا مؤجلًا حتى استنفاد جميع الفرص. لكن المشكلة الرئيسية هنا هي كيف يفصح أحدهم عن ميوله الانتحارية؟ وهل سيأخذه من حوله على محمل الجد؟ أم سيعتبرونها مجرد موجة اكتئاب عابرة حتمًا ستذهب بممارسة الرياضة أو القراءة أو السفر أو حتى الصلاة؟!

يقول علماء النفس والأطباء النفسيون إن الانتحار لا ينشأ بسبب عامل واحد وإنما عدة عوامل، وهذا هو سبب انتحار شخصيات عامة كانت تملك الشهرة والثراء والشباب، لكن كل ذلك لم يمنعهم من إنهاء حياتهم بهذه الطريقة المفجعة، مثل الممثلة  الجميلة «مارلين مونرو» والمغنية «داليدا» والممثل الكوميدي الشهير «روبي ويليامز»، فما فائدة كل تلك النعم إذا لم تكن لدى الإنسان القدرة على الاستمتاع بها؟

ويشير  الأطباء النفسيون إلى أن المنتحرين يشتركون في ثلاثة أمور وهي: اليأس من العالم، والاعتقاد بأنه لم يعد هناك مجال على الأرض سوى للظلم والألم فقط، وهو ما يولد شعورًا بالعجز بأنه مهما بذل الإنسان من مجهود فلن تتغير الأوضاع أبدًا، وبالتالي ينسحب هذا الشخص من حياته الاجتماعية ويفقد رغبته في الاستمرار في الحياة.

الوحش الكامن

تعتبر الأمراض النفسية من أهم دوافع الانتحار، فعلى عكس من يصاب بمرض عضوي خطير كالسرطان، عادة ما لا يجد المريض النفسي الاهتمام أو حتى الرعاية الطبية اللازمة، حيث يفضل المريض النفسي أن يحتفظ  لنفسه بما يشعربه، خوفًا من أن يوصم بأنه فقد عقله أو أن يتعرض لأحكام قاسية، وحتى إذا تكلم مع عائلته وأصدقائه عن الأمر، فغالبًا ما تنتابهم حالة من عدم الارتياح، ويحاولون الهروب من مناقشة الأمر من خلال النصائح الروتينية، بأن يطرد تلك الأفكار من رأسه ويحاول أن يشتت نفسه عنها بما يحب.

في حين أن ما يحتاجه من يفكر في الانتحار ليس كلاما، وإنما إنصاتا دون لوم أو عتاب أو حتى إخباره أنك تعلم ما يشعر به، لأنك بساطة لا تعلم. كما يحتاج أيضًا إلى إشراف نفسي من طبيب مختص ليبدأ معه جلسات علاج أو إعادة تأهيل نفسي ويصف له دواء إذا كانت هناك حاجة إليه، المرض النفسي ليس ضعف شخصية، وإنما وحش كامن داخل المريض يؤثر على حالته المزاجية والنفسية ورؤيته للحياة ولنفسه، لذا إهماله يعرض حياة المريض للخطر.

بعد فوات الآوان

معظم من نجوا من محاولة انتحار شعروا بأنهم محظوظون، لأنهم حصلوا على فرصة ثانية، واعترفوا بأنهم أدركوا خطأهم، فعلى الرغم من أن الانتحار يبدو خيارًا مضمونًا لإنهاء الألم، إلا أنه ينهي أيضًا فرصة المنتحر في معرفة كم يحبه أهله وأصدقاؤه، وفي التعرف على أشخاص أفضل، وفي تغيير حياته ومواجهة مخاوفه بدلًا من الهروب.

على الجانب الآخر بعد أي خبر انتحار تنهال التعازي والحب والحزن علي المنتحر وربما لم يكن يشعر بهذه المشاعر أثناء حياته، وهو ما جعل بعض الناس يكتبون على حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي عن تمنيهم الانتحار سواء في إطار ساخر أو جاد فقط ليشهدوا ردود فعل المحيطين بهم، أو حتى يحاولون الانتحار نكايةً في عائلاتهم، أو كوسيلة للابتزاز العاطفي أو الضغط على أحدهم، وكأن أفراد المجتمع اتفقوا ضمنيًا على أنهم لن يمنحوا تعاطفًا مجانيًا لأحد إلا إذا انتقل إلى المستشفى.

حالة الإنكار

 أحد الأسباب التى تؤدى للإنتحار هوإنكار العائلة لوضع أحد أفرادها، حيث يتجنب الجميع الاعتراف بأن أحد أفراد أسرته يعاني من مرض نفسي، لا أحد يرغب في إتاحة الفرصة للكلام عن هذا الأمر أو الذهاب إلى طبيب نفسي، وإنما يرغب الأهل عادة في إسكات هذا الشخص، حتى لا يوصم بالجنون ويوصمون هم أيضًا معه، وبالتالي يحاولون التعايش وكأن كل شىء يسير بشكل طبيعي، فيمثل الجميع بما في ذلك المريض بأن ليس هناك مشكلة، وتنشأ فجوة داخل الأسرة وحينما تتسع بما يكفي ويسأم المريض من تمثيل دور مفروض عليه ممن حوله، يصحو الجميع يومًا ما على خبر الانتحار، حينها يضطرون إلى مواجهة الأمر ويشعرون بالندم تجاه الفقيد ولكن بعد فوات الأوان.

ولذا  فإنه لكي ننقذ أرواح أحبائنا علينا أن نتفهم أن المرض النفسي وضغوطات الحياة، سواء المادية أو الأسرية أو حتى التعليمية، مؤشرات خطر علينا التعامل معها، والحديث بانفتاح مع من يبدو عليه الانعزال والتغير، والإنصات له بدون شروط وتشجيعه على الذهاب إلى طبيب نفسي إذا لزم الأمر.

 رفقًا بمن يصابون بأمراض النفوس، فهي أشد فتكًا من أخطر الأمراض العضوية، فهي تقتل في صمت وبدون أعراض، فقد تجد الشخص يضحك ويذاكر وحتى يعمل دون الإفصاح عما بداخله خوفًا من ردود الفعل وإصدار الأحكام السلبية عليه، وهذا هو الخطر بعينه.. الخطر الذى ينبغى أن يعيه الجميع.

المصادر:

Mental health

The cultural taboos of suicide and mental illness | John Nieuwenburg | TEDxStanleyPark

The bridge between suicide and life | Kevin Briggs

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال جيد زوايه المعالجة تعمقت في البعد الانساني للظاهرة دون تكرار لاستعراض موقف الدين او نوعيه الامراض التي تقود للانتحار التركيز علب بعد انساني يتمثل في امكانية انقاذ اخرين زوايه جميلة في المعالجة

إغلاق