منوعات

بين الطليعة والدعوة (6): قضايا العمال والفلاحين.. حاضرة عند اليسار.. منقوصة لدى الإخوان

«شيد قصورك ع المزارع .. من كدنا وعمل إيدينا .. والخمارات جنب المصانع .. والسجن مطرح الجنينة .. واطلق كلابك في الشوارع .. واقفل زنازينك علينا .. وقل نومنا في المضاجع .. أدي احنا نمنا ما اشتهينا .. واتقل علينا بالمواجع .. احنا اتوجعنا واكتفينا .. وعرفنا مين سبب جراحنا .. وعرفنا روحنا والتقينا ..  عمال وفلاحين وطلبة .. دقت ساعتنا وابتدينا .. نسلك طريق مالهش راجع والنصر قرب من عنينا»…

تلك كلمات قصيدة الشاعر المبدع  أحمد فؤاد نجم ،و التي لحنها وتغنى بها الشيخ إمام عيسي، وكانت بمثابة الأنشودة  المعبرة حقا عن حالة جموع الشعب المصري خلال تلك الفترة التي شهدت أحداثا سياسية هامة مثل عودة الحياة النيابية لمصر عبر تأسيس المنابر الثلاثة «الوسط، اليمين، اليسار»،ثم إنتخابات 1976، وتطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي وصولا لانتفاضة يناير 1977.. أحداث هامة شكلت الملامح العامة للمشهد السياسي والإجتماعي لمصر آنذاك.

وقد كان من الطبيعي في ظل تلك الأجواء المشحونة برياح التغيير أن ُتطرح قضايا ومشكلات العمال والفلاحين على كل المهتمين بالشأن العام في مصر.. فكيف عالجت مجلة «الطليعة» المعبرة عن اليسار ومجلة «الدعوة» الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين قضايا ومشكلات العمال والفلاحين في مصر آنذاك؟ وهل مازالت رؤيتهما تلك قابلة لمعالجة قضايا ومشكلات العمال والفلاحين في الوقت الراهن؟ 

الطليعة.. عن العمال والفلاحين

أولت مجلة «الطليعة» خلال حوارات «هموم المواطن» وتعليقات كبار كُتَاب المجلة عليها، إهتماما خاصا بقضايا العمال والفلاحين على إمتداد عام 1976. ففي عدد سبتمبر 1976، طرحت المجلة من خلال حوار مع المواطن «سيد بيومي» الذي انتقل من العمل في القطاع الخاص للعمل بشركة الحديد والصلب التي تنتمي للقطاع العام، العديد من القضايا المتعلقة بالفارق بين مشكلات العمال في القطاع الخاص والقطاع العام، ودور النقابات العمالية في دعم العمال والهجمة المنظمة على القطاع العام التي باتت تشنها بعض الصحف الداعمة لسياسة الإنفتاح الإقتصادي.

في هذا الحوار أشاد «سيد بيومي» بأهمية القطاع العام قائلا: «القطاع العام كويس جدا مكسب كبير للعمال.. الواحد حس أنه عنده كرامة»، مشيرا إلى رفع مستوى معيشة العمال وتحسين ظروف وبيئة العمل والكثير من المكاسب والحقوق التي يفتقدها العمال بالقطاع الخاص، مثل عدد ساعات العمل المحددة، ونظام التأمين الصحي والإجتماعي، وغيرها من المكاسب العمالية.. غير أن ما أخذه «بيومي» على العمل في القطاع العام أنه في بعض الأحيان لا تتم مراعاة وضع الشخص في المكان المناسب لمهاراته وخبراته وقدراته.

أما مشكلات عمال القطاع الخاص فقد عبّر عنها «محمد رمضان» العامل في مجال صناعة الدخان، في عدد أغسطس 1976 من الطليعة، حيث أكد على أهمية تأسيس النقابات العمالية بالقطاع الخاص، وضرورة أن تلعب تلك النقابات دورا في إبرام «العقود المشتركة» بين العمال وأصحاب الشركات، ومن ثم العمل على تطبيق مكتسبات وحقوق العمال في القطاع العام على العمال بالقطاع الخاص. ويمكن إجمال مشكلات العمال بالقطاع الخاص في ذلك الوقت، في إنخفاض مستوى الأجور وتهرب أصحاب الشركات من مسئولياتهم نحو العمال في مجال التأمين الصحي والإجتماعي.

غير أن أبرز ما أثير حول مشكلات العمال سواء بالقطاع العام أو الخاص، قد تمثل في غياب منظومة السلامة والصحة المهنية بالعديد من مواقع العمل، خاصة تلك المواقع التي اتسمت بالخطورة، مع غياب الخدمات الطبية اللازمة للعمال المصابين بعدد من الأمراض أو الإصابات جراء طبيعة عملهم. وكان حوار العاملة «رتيبة حسين» بعدد نوفمبر 1976، أبرز مثال على ذلك، فهي تعاني من مرض «الربو» الناجم عن عملها في مجال فرز الأصواف، غير أن أصحاب العمل لا يرون أن مرضها هذا يعد إصابة عمل تستوجب حصولها على الرعاية الصحية على نفقة المصنع.

مؤتمر «الأجور والأسعار»

لعل نظرة سريعة على نتائج مؤتمر «الأجور والأسعار» الذي عقده الإتحاد العام لنقابات العمال في نهاية شهر ديسمبر 1976، ونشر تقرير بتوصياته بمجلة «الطليعة» فى عدد فبراير 1977 تعطينا فكرة أوضح عن مجمل القضايا العمالية التي كانت مطروحة آنذاك. حيث أكد التقرير ضرورة العمل على وضع سياسة أجور تهدف إلى رفع مستوى معيشة العمال، مع ضمان حد أدنى للأجور يوفر الإحتياجات الأساسية للعامل وأسرته، والعمل على تقريب الفجوة بين الأحد الأدنى والأقصى للأجور، والتمسك بالقطاع العام بإعتباره ركيزة أساسية للنمو الإقتصادي، والدعوة لصدور قانون عمل جديد يساوي بين العاملين في القطاع العام والخاص، وذلك مع تثبيت أسعار السلع الأساسية عند مستوى مقبول، مع صرف علاوة غلاء المعيشة بصفة دورية، وإستمرار نظام الدعم السلعي بالنسبة للسلع الإستهلاكية. 

كما طرحت مجلة «الطليعة» قضايا ومشكلات الفلاحين عبر حواراتها بسلسلة «هموم المواطن» مع «نصيف شافعي» أحد الفلاحين المنتفعين من قانون الإصلاح الزراعي بعدد شهر يوليو 1976. كان «شافعي» قد حصل على قطعة أرض تقل قليلا عن ثلاثة أفدنة مثله في ذلك مثل فئة كبيرة من فلاحي الإصلاح الزراعي، وخلال الحوار تحدث شافعي عن طبيعة المشكلات التي كان يعاني منها صغار الفلاحين والتي تمثلت في إستغلال الموظفين المحليين وإهمال وتلاعب البعض وعمليات الغش التي يتعرض لها الفلاحون على يد بعض الموظفين الرسميين، إضافة لتلك الهوة التي تفصل بين الفقراء والأغنياء من جانب، وبين سكان القرية وسكان المدينة من جانب آخر.

تناول «شافعي» مشكلة عدم قدرته على زراعة محاصيل الخضر التي تعطي دخلا مرتفعا لمنتجيها، وذلك لصغر مساحة أرضه وإرتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما دفع أصحاب الحيازات الزراعية الصغيرة إلى الإعتماد كليا على زراعة المحاصيل التقليدية، في مواجهة أصحاب الحيازات الكبيرة الذين يتمكنون من زراعة ما يشاؤون، الأمر الذي زاد من حدة الفجوة بين أصحاب الحيازات الصغيرة والكبيرة.

غير أن أبرز تلك المشكلات التي تناولها «شافعي» تمثل في ما تعانيه «الجمعية التعاونية الزراعية» من مشكلات وإنحرافات نتيجة سيطرة كبار العائلات بالقرية عليها بشكل تام. من جانب آخر طرحت الطليعة مجموعة أخرى من القضايا المتعلقة بالفلاحين، تمثلت في مشكلة العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية وإرتفاع معدلات الإيجارات بما يفوق قدرة صغار الزراع، إلى جانب بدء الهجمة من قبل القطاع الخاص بهدف السيطرة على المجال الزراعي والتجاري.

الدعوة.. للفلاحين فقط

في المقابل، وعلى إمتداد الفترة الزمنية التي إلتقى فيها صدور مجلة «الدعوة» مع مجلة «الطليعة» من يوليو 1976 حتى يوليو 1977 ـ لم تطرح مجلة «الدعوة» أي مشكلة أو قضية تخص عمال الصناعة ،سواء بالقطاع الخاص أو العام غير أنها في مقابل ذلك أولت إهتماما بطرح قضايا ومشكلات الفلاحين عبر باب «مع الفلاح» الذي لم ينتظم صدوره سوى مرات معدودة.

احتفت مجلة «الدعوة» بمشروع بنوك القرية حيث أجرت حوارا مع السيد «فتح الله رفعت» رئيس الجهاز الفني لمشروع بنوك القرية، بعدد أغسطس 1976، والذي أكد على أن أبرز ما يتسم به هذا المشروع يتمثل في أنه قد أنهى تعدد جهات الرعاية التي كان على الفلاح أن يتعامل معها ذلك أن المسئولية باتت محصورة في الأجهزة الإشرافية لبنوك التنمية الزراعية وبنوك القرى.

وقد أثارت مجلة «الدعوة» بعدد سبتمبر 1976 «أزمة السماد» حيث أرجعت تلك الأزمة لما قد أشيع حول عجز في إستيراد السماد الأمر الذي دفع الفلاحين للتكالب على الحصول على كميات كبيرة من السماد مما ضاعف من حجم الأزمة، إضافة لفساد السماد ذاته نتيجة سوء التخزين، الأمر الذي دعا المجلة لأن تتساءل لماذا لا يكون هناك برامج توعية توجَه للفلاحين عن طريق عقد سلسلة من الندوات بكل قرية إضافة لبرامج التوعية بالإذاعة والتليفزيون إلى جانب البيانات الصحفية؟

أما عدد نوفمبر 1976 فقد جاء ليطرح أزمة الفلاحين مع الجمعيات الزراعية والإقراض الزراعي ودور بعض مسئولي تلك المؤسسات في تسجيل قروض وهمية على الفلاحين الأمر الذي دعا رئيس الوزراء  آنذاك الدكتور عزيز صدقي أن يُصدر قرارا بإعفاء مليون فلاح من سداد تلك المديونيات.. وانتقدت «الدعوة» قرار رئيس الوزراء وأكدت على أن هذا القرار من شأنه تحميل ميزانية الدولة عبئا كبيرا لسداد عدة ملاييين من الجنيهات، ومن ثم طالبت بتجميد المديوينة وإجراء تحقيق فيها لمعرفة المسؤلين عنها ومن ثم محاسبتهم وإلزامهم بسدادها.

غير أن أهم ما قد طرحته مجلة «الدعوة» فيما يخص قضايا الفلاحين قد تمثل فيما عرف بقضية تجريف الأرض الزراعية، ففي عدد يوليو 1976 نشرت المجلة مقالا للمهندس عبد الحميد راجح بعنوان «تجريف الأرض لحساب مصانع الطوب.. جريمة» أشار فيه إلى نقص الرقعة الزراعية نتيجة تجريف الأرض إضافة إلى الزحف العمراني على الأرض الزراعية، ومن جانبه طالب الكاتب بضرورة العمل على دعوة أصحاب مصانع الطوب للإعتماد على طفلة الصحراء كبديل عن طمي النيل وتربة الأرض الزراعية، كما طالب بزيادة الإعتماد على الطوب الأسمنتي كبديل للطوب الأحمر.

ملاحظات مهمة

 نلاحظ من قراءتنا السابقة الغياب التام لمشكلات وقضايا عمال الصناعة بالقطاعين العام والخاص لدى مجلة «الدعوة» في مقابل حضور تلك المشكلات والقضايا بفاعلية لدى مجلة «الطليعة» إلى حد متابعة المؤتمر العام لنقابات عمال مصر ونقد مشروع قانون العمل الذي كان مطروحا آنذاك وتبني الدعوة للعمل على المساواة بين عمال القطاعين العام والخاص في القانون الجديد، ذلك أن أقصى ما كان يتمناه عمال القطاع الخاص آنذاك كان يتمثل في تطبيق قوانين العمل الخاصة بالقطاع العام عليهم.

أما فيما يتعلق بقضايا الفلاحين فقد أجمعت المجلتان على نقد بعض مسئولي المؤسسات الرسمية في تعاملهم مع الفلاحين إضافة لنقد سيطرة كبار العائلات بالقرى على الجمعيات الزراعية الأمر الذي كان من شأنه حرمان أصحاب الحيازات الصغيرة من الإنتفاع الفعال بما تقدمه تلك الجمعيات من خدمات.

أما أهم ما تميزت به مجلة «الدعوة» على «الطليعة» فقد تمثل في طرح قضية تجريف الأرض الزراعية، في حين غابت تلك القضية تماما لدي مجلة «الطليعة» خلال الفترة من يوليو 1976 حتى يوليو 1977.

غير أن مجلة «الطليعة» قد تميزت على مجلة «الدعوة» في طرحها لقضية العلاقة بين المالك والمستأجر في الأرضي الزراعية حيث تنبأت بما تعرض له صغار الفلاحين بعد سنوات من أزمات جراء تطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي والذي تسبب في طرد مستأجري الأرض من قبل الملاك وهو ما نجم عنه زيادة معدلات الفقر المدقع لدى الفلاحين بالريف المصري.

إجمالا: تعد رؤية اليسار فيما يتعلق بقضايا عمال الصناعة والفلاحين رؤية مازالت ملائمة لمعالجة قضاياهم في الوقت الراهن على الرغم من كل ما قد تعرض له واقعهم من تغيرات. أما الإخوان فلم تكن لهم رؤية فيما يخص قضايا عمال الصناعة خلال الفترة من يوليو 1976 حتى يوليو 1977، أما فيما يتعلق بقضايا الفلاحين فما زالت رؤيتهم ملائمة لمعالجة قضايا الفلاحين في الوقت الرهن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: