فن

أحمد راتب.. «مهندس» الفن الذي تألق مع «الزعيم»

المخرج الذي يبدع أعمالا جماهيرية هدفها الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الناس، لابد أن يدرك أهمية ان تكون لديه  قوة دافعة ممثلة في نجم محبوب، لكن  لابد أن يكون معه في كل الأدوار نجوم تمثيل مخضرمون، كي يكون مطمئنا إلى أن هذا الممثل سيحمي تلك المنطقة وسيصل بالشخصية إلى الجمهور كما أراد لها الكاتب والمخرج.

في مقدمة هؤلاء المبدعين  المخضرمين الذين يقفون فى منطقة الحفاظ على العمل وأن يستند إليهم النجم أو البطل، يقف شامخا الفنان القدير الراحل أحمد راتب. هذا الفنان الذي أحب التمثيل منذ طفولته، بدأ مشواره الفني وهو طفل حيث كان يمارس التمثيل في المدرسة، وقد نمت موهبته عندما التحق بفرقة التمثيل بالجامعة أثناء دراسته بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، في وقت كان يشهد المسرح الجامعي نهضة كبيرة. ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية ليحصل على بكالوريوس الفنون المسرحية عام 1974.

عشق أحمد راتب الفن بسبب والده، هذا الأب الذي لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة لكنه حفظ أبياتا عديدة من الشعر ،وكان ينظمها بطريقة أشبه بطريقة المسرح الشعري. كان أحمد راتب قد قطع عهدا مع والده أن ينجح في الجامعة وينجح في المعهد، وقد استطاع أن يفي بوعده فتخرج في كلية الهندسة وحصل على شهادة الفنون المسرحية.

بعد تخرجه جاءته فرصة للعمل في مسلسل «الفجر»، وكان بديلا للفنان القدير صلاح السعدني، والذي يتردد أنه جرى استبعاده من هذا العمل لأن المسلسل كان يتناول ما سمي بثورة التصحيح التي قام بها السادات عام 1917، وكان السادات قد سجن شقيقه الكاتب الصحفي الكبير «محمود السعدني» واضطره إلى مغادرة مصر إلى المنفى.

بعد عرض المسلسل أعجب جورج سيدهم بأحمد راتب وطلب انضمامه لفرقة ثلاثي أضواء المسرح، و لم يكن جورج يعرف عنه شيئا إلا أنه «الواد أبو مناخير كبيرة اللي طلع في تمثيلية الفجر». انضم راتب للفرقة وشارك في عدد من المسرحيات منها «المتزوجون» في دور حمش بيه الذي قام به أحمد ماهر في النسخة المصورة تلفزيونيا من المسرحية.

لم يكن راتب من محبي السفر للتمثيل خارج مصر، في وقت كان ذلك هو الفرصة الوحيدة لكسب الأموال التي تفي بمتطلبات الحياة، وآثر العمل فى مصر لعشقه الشديد للمسرح، ولأنه كان موظفا بالمسرح. لذلك قبل راتب بالعديد من الأدوار الصغيرة، عملا بنصيحة أستاذه في معهد الفنون المسرحية، والذي تأثر به كثيرا  المخرج الراحل كرم مطاوع، بأن يقيم علاقة مع الجمهور كي يلفت الأنظار اليه أكثر. وقد جاءته فرصة للعمل في فيلم أجنبي هو «فجر المومياء» حين رشحه مساعد المخرج وقتها «أحمد السبعاوي»، ورشح معه «أحمد زكي» و«يونس شلبي»، ووقع الاختيار على احمد راتب ليقوم بهذا الدور.

فرصة العمر

ظل أحمد راتب فترة طويلة محصورا بين الأدوار الصغيرة وأدوار الجملة الواحدة، حتى أخذ عهدا على نفسه بأن يعطي موهبته سنة أخرى، فإما أن يحقق ما يطمح إليه وما وعد به والده، أو أن يسافر إلى أي دولة عربية ويعمل موظفا بها، وعن ذلك يروي  راتب: «في هذه الفترة جاء «أوردر» مكتوب عليه الشركة العالمية للإعلان والسينما، فتخيلت أنه إعلان فأصبحت بين اختيارين، إما أن أقبل بالإعلان ومعه تكون نهاية مشواري الفني، أو أن أرفض الإعلان، في وقت كنت أمر به بضائقة مالية، وأتذكر حينها أن زوجتي خرجت خلفي على السلم بـ «لبس البيت» ترجوني ألا أقبل هذا الإعلان، وتدعمني وتذكرني بأني موهوب ولا أحتاج لمثل هذه الأدوار، ولم أكن أعلم ان هذا الدور سيفتح لي أبواب الشهرة….»، فقد كان هذا الدور في فيلم «قاتل مقتلش حد» مع النجم عادل إمام، الذى أصبح أحمد راتب أحد  أقرب أصدقائه بعد ذلك.

في فترة السبعينات قدم  أحمد راتب العديد من الأعمال الفنية، وتميز بشكل خاص في أداء الأدوار الكوميدية، وكانت البداية من خلال مسلسل «لعبة ذكاء»، ومسلسل «ناس كده وكده»، ومسلسل «حكايات عم عبد التواب»، ثم مسرحية الصغيرة، وفيلم بيات شتوي، فيلم خطة بعيدة المدى، وفيلم مدينة الصمت، وغيرها.

وقد نضجت موهبته أكثر في حقبة الثمانينات، فقدم خلالها أهم أدواره في المسرح والسينما والتلفزيون، من خلال أعمال مميزة، مثل دوره مسرحية «سك على بناتك» مع الفنان الكبير فؤاد المهندس وسناء يونس، وأفلام العاشقة، وشعبان تحت الصفر، انتخبوا الدكتور سليمان عبد الباسط، على باب الوزير، المتسول، ولا من شاف ولا من دري، ثم مسلسل هند والدكتور نعمان، الذي فاز عن دوره فيه بجائزة فنية، ثم  فيلم الثعلب والعنب، فيلم حتى لا يطير الدخان، مسلسل هي وغيرها، فيلم ليلة القبض على بكيزة وزغلول، فيلم نهر الخوف، فيلم الفلوس والوحوش، مسرحية الملاحيس، وغيرها الكثير.

نقلة نوعية

أما حقبة التسعينات فقد شهدت نقلة نوعية في موهبة أحمد راتب حيث تعاون خلالها مع الفنان عادل إمام في غالبية أعماله مثل «اللعب مع الكبار» و«المنسي» و«الإرهابي» و«الإرهاب والكباب» و«جزيرة الشيطان» و«طيور الظلام» و«بخيت وعديلة» بالإضافة إلى مسرحية الزعيم  وبعدها قدم أيضا مع عادل إمام «عمارة يعقوبيان». كما قدم مجموعة من الأعمال منها: مسرحية عفواً زوجتي العزيزة، فيلم أبناء على الطريق، فيلم خميس يغزو القاهرة، مسلسل رأفت الهجان الجزء الثاني والثالث، مسلسل بوابة الحلواني، مسلسل المال والبنون الجزء الأول والثاني، مسلسل العائلة، مسلسل السيرة الهلالية الجزء الأول والثاني، مسلسل أم كلثوم حيث لعب دور محمد القصبجي  وأبدع فيه ونال استحسان الجمهور بشكل لافت.

وجاءت الألفية الجديدة، فأصبح راتب أكثر بريقا وتوهجا، فشارك في مسلسلات سامحوني ماكنش قصدي، زي القمر، القاهرة 2000، خيال الظل، سكة الهلالى، زمن عماد الدين، والإمام محمد عبده  وفى مسرحيتى إعقل يا دكتور والواد ضبش عامل لبش، وأفلام فل الفل، جحيم تحت الأرض، صايع بحر، واحد من الناس، مطب صناعي، وغيرها.

وفي فيلم صايع بحر أمام النجم أحمد حلمي أدى أحمد راتب أحد أجمل ادواره السينمائية، حيث لعب شخصية «الدكتور فؤاد التربي»، تلك الشخصية التي حملت على عاتقها جزءا كبيرا من مضمون الفيلم ورسالته عن الفارق بين جيلين، جيل منكفئ على ماضيه وهزيمته الشخصية، التي جعلته يعيش في الماضي معظم وقته، وجيل آخر حياته مليئة بالصعوبات ومحفوفة بالمخاطر، لكنه غير مبال بالحزن والاكتئاب، ويواجه كل مصاعبه بصدر رحب.

وبعد مشوار فني حافل امتد على مدى نحو نصف قرن من الزمن، وفي الرابع عشر من ديسمبر عام 2016 رحل الفنان القدير احمد راتب عن عمر يناهز 67 عاماً، بعد تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة… رحمه الله.

الفيديو جرافيكس

نص: Belal Momen
تحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: