رؤى

من الشك إلى اليقين.. رحلة التصوف في أدب نجيب محفوظ

كان لمولد الأديب الكبير نجيب محفوظ بحي الجمالية، وهو أحد أعرق أحياء القاهرة الفاطمية عام 1911، تأثيره الواضح على خلفيته الدينية ذات الميول الصوفية المرتبطة بمحبة آل البيت والأولياء والصالحين. لذلك كثيرا ما نجد أبطاله وشخصيات رواياته تميل لزيارة الأولياء في لحظات الضعف والرجاء، كما هو حال السيدة «أمينة» في ثلاثيته، أو تسوقه أقدامه الهاربة إلى التوبة على أعتاب أحد الشيوخ في حلقات الذكر، كما حدث مع شخصية «سعيد مهران» في روايته «اللص والكلاب»، أو  إلى حديقة الجد التي كانت تمتلىء بحضرات الذكر والغناء والمُدام في رواية «قلب الليل».

نشوة صوفية

الأرجح أن التصوف في أدب نجيب محفوظ شكّل، في أغلب الأحيان، مخرجا للهروب من حالة الشك التي لازمته في كثير من أعماله، للوصول إلى حالة اليقين، على نحو ما شاهدنا من قبل في تجربة أبي حامد الغزالي صاحب (المنقذ من الضلال)، وهي حالة الشك التي عبّر عنها في رواية مثل «ميرامار» حين جعل أحد أبطاله يتساءل عن جدوى تجلي الله لأنبيائه، في حين أن تجليه للبشر من غير المؤمنين أولى، وفي رمزياته المتكررة للإله بشخصية (الزعبلاوي) ولي الله الذي دأب في البحث عنه، ومحاولة الوصول إليه، فيتعرف على خصاله وصفاته الروحانية في واحدة من أجمل قصصه القصيرة دون أن يلتقيه أو يتعرف عليه، ثم لا يلتقيه إلا في أعقاب حالة من السكر تشبه تلك التي يتحصل عليها الصوفي في تجربته الصوفية، والتي عاشها بعدما أجبره الشيخ أنس – صديق الزعبلاوي- أن يشرب أكثر من كأس من الخمر ليسكر مقابل أن يدله على طريق الزعبلاوي، فدخل في حالة وصفها بقوله: «وكنت في غاية من الارتياح والطرب والهنا.. وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في أذني، وثمة توافق عجيب بيني وبين نفسي، وبيننا وبين الدنيا فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر أو اساءة أو شذوذ، وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام أو الحركة، ونشوة طرب يضج بها الكون ولم يدم ذلك الا فترة قصيرة فتحت بعدها عيني أخذ الوعي يلطمني كقبضة شرطي».

 حين أفاق البطل وجد نفسه في حالة فقد وغفوة، تمنى لو لم يره فيها أحد، لأنه كان قد فقد السيطرة على نفسه، حينها طمأنه الشيخ أنس ونصحه بألا يقلق، فلم يراه سوى ذلك الشيخ الطيب (الزعبلاوي)، قبل أن يمضي في حال سبيله.

من المهم هنا أن نلتفت إلى أن حالة السكر هذه، والتي كانت بفعل الخمر في القصة، يبحث عنها آخرون من خلال الدخول إلى حضرات الذكر الصوفية، التي تحدث نوعا من السُكر يتيسر معها الاتصال الروحي بالغاية الأسمى، وكأن نجيب محفوظ يطرح لنا بديلا للوصول إلى حالة النشوة التي يصنعها الخمر هنا، أو الدخول في الحضرة في أعمال أخرى، مع ملاحظة أن الصوفية يعبرون في العادة عن حالة النشوة التي تحصل من فرط الحب، بالخمر وكأس المُدام وغيرها من الإشارات.

 وهي الرمزية نفسها التي تحملها شخصية (الجبلاوي) في رواية «أولاد حارتنا»، ذلك الجد المفارق لسكان الحارة، والذي ترك شأن الحارة دون التدخل بالرعاية والعناية على الرغم من كثير من المساوىء والاضطرابات التي تدور بين أهلها، وفي رمزية (الأب) الغائب الذي سيظل بطل روايته «الطريق» يسعى للوصول إليه، فيسقط في الكثير من الغوايات في الطريق، وهي نفسها القضية التي تشغله في رواية «قلب الليل» حيث يرمز لقضية الإنسان وعلاقته بخالقه من خلال شخصية الجد سيد الراوي، الذي يملك في صفاته الرحمة والإحسان ثم يطرد ابنه من جنته لأنه تمرد وخرج عن إرادته بالزواج من فتاة لم يرض عنها، حين انتصر جعفر بطل الرواية لإنسانيته ولم يخضع لإرادة الجد في أن يكون إنسانا إلهيا بتعبير الجد: «إني أرى الإنسان نوعين: إنسان إلهي وإنسان دنيوي، الإنسان الإلهي هو من يعايش الله في كل حين حتى لو كان قاطع طريق، والدنيوي هو من يعايش الدنيا ولو كان من رجال الدين». اختار محفوظ لبطل روايته جعفر الرواي أن يكون إنسانا دنيويا يملك اختياراته، حتى لو كانت النتيجة هي الطرد من جنان الجد والحرمان من الميراث، ليبقى مشردا وصعلوكا في الطرقات حتى أنفاسه الأخيرة.

معركة الإيمان

خاض محفوظ معركة الإيمان في كثير من أعماله الأدبية تلك التي عبر عنها مباشرة في السؤال الذي وجه مباشرة لشخصية جعفر الراوي في رواية قلب الليل. «ماذا عن إيمانك يا جعفر؟ فطوح برأسه إلى الوراء مرسلا بصره الضعيف نحو جدول النجوم الجاري بين مئذنة الحسين من جهة وأسطح البيوت العتيقة من جهة أخرى وتمتم – إني عاجز عن الكفر بالله!».

 لقد دأب محفوظ في رواياته على إثارة الأسئلة الوجودية الكبري، وهو ما يعكس حالة الشك التي سيطرت على أبطال رواياته، لكنها كثيرا ما انطفأت جذوتها في تلك اللحظات التي تهدأ فيها انتفاضة العقل لصالح سكينة القلب، ذلك القلب المسكون بإيمان أبناء الحارة من البسطاء يتنسمون روائح الاتصال والوصول على عتبات الأولياء وفي حضرات الذكر، على هذا النحو يمكن القول أن التصوف شكل في مرحلة من مراحل الإبداع الأدبي لمحفوظ عوضا روحيا للهروب من قسوة الحياة والمادة، ومن أسئلة ملحة دون أجوبة شافية وقاطعة. هكذا فر سعيد مهران ليلقي باعترافاته عند أقدام شيخ الحضرة الذي فتح له باب الأمل والرجاء في الرحمة والغفران والقبول بعدما دفعته الأقدار لارتكاب عددمن الجرائم، كان بعضها اختيارا وبعضها بمحض الصدفة والاضطرار. كذلك في ملحمة «الحرافيش» حيث يظل التصوف الخلفية الدينية الأرقى خلقا والأكثر إنسانية لحالة الصراع والعنف التي يعيشها سكان الحارات من الحرافيش جيلا بعد جيل، وهو ما عبر عنه محفوظ في أحد حوارته الصحفية حين قال «لقد اهتدى قلبي فتبعه عقلي إلى الإيمان».

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: