رؤى

كوربن انتهي سياسيا لكن «الكوربنية» ستعيش

 المؤكد أن الهزيمة المذلة التي لحقت بحزب العمال في الانتخابات العامة البريطانية، وهي الأسوأ منذ ثلاثة عقود، قد أنهت تماما المستقبل السياسي لزعيمه جيريمي كوربن. لكن -وعلى عكس ما ذهبت إليه معظم التحليلات – فإن أفكار كوربن عن العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق الطبقية والأمل الذي أعطاه للفقراء وللنخب المهمومة بفكرة المساواة لم تنهزم. فمن الناحية التاريخية -وليس السياسية- قد يتضح أن هذا الرجل الذي فقد زعامته بعد هذه الخسارة المهينة، سيكون بعد سنوات لايعلمها الا الله، الرابح الأكبر (معنويا) من هذه الانتخابات.

وربما تكون هذه الاحتمالية الكامنة في جاذبية مباديء كوربن أو مايسميه أعداؤه «الكوربنية»، هي التي جعلت الآلة الإعلامية -التي يسيطر عليها اليمين بما فيها البي بي سي- تسعى بكل الطرق – حتي قبل إغلاق صناديق الاقتراع –، للمبالغة في تصوير انتصار المحافظين بزعامة بوريس جونسون. فمن الناحية العملية لم يزد التصويت الشعبي للمحافظين في عموم المملكة المتحدة في هذه الانتخابات ـ عن أكثر قليلا من١٪ بنسبة٤٣.٦ ٪، بينما لم يخسر العمال سوي أقل قليلا من ٨٪ بنسبة ٣٢.٢٪. لكنه النظام الانتخابي البريطاني الذي يجعل الفائز بأكبر الأصوات، حتي لو اقل من ٥٠٪، يحصل علي كل شئ، بينما يخسر المرشحون الآخرون كل شئ، وهذا ما صب لصالح المحافظين بمائة واثنين وستين مقعدا (حصل المحافظون علي ٣٦٥ مقعدا من مقاعد مجلس العموم، بينما حصل العمال علي ٢٠٣ مقاعد).

وفضلا عن المبالغة في فوز المحافظين، سعت الآلة الإعلامية البريطانية أيضا لزرع عقيدة لدى الرأي العام بأن هذه الهزيمة الانتخابية للعمال بزعامة كوربن، هي هزيمة لأفكار كورين (اليسارية المتطرفة) -في رأيهم – رغم أن ما طرحه كوربن في مانيفستو (إعلان) الانتخابات لايزيد، بل يقل عما هو موجود فعلا في معظم الدول الاسكندنافية.

General Election 2019 Result

It was a very disappointing night.But I'm proud that we took our message of hope, unity and justice to every part of this country.

Posted by Jeremy Corbyn on Friday, December 13, 2019

فتش عن «البريكست»

واللافت هنا أن هذه المحاولة من جانب وسائل الإعلام البريطانية كانت مكشوفة، لدرجة أن نوابا وقادة في حزب العمال واجهوا مذيعي القنوات التليفزيونية صراحة وقالوا لهم: «نحن نعرف أنكم تريدوننا أن نهاجم كوربن، وأن نقول إن مشروعه انتهي ولكننا لن نفعل ذلك».

لكن لماذا أقول إن جيريمي كوربن انتهي سياسيا كشخص ولكن لم ينته معنويا كأفكار ومشروع للتغيير والإصلاح؟.. هناك عدة أسباب لذلك أهمها:

 ١- إن الهزيمة الساحقة له ولحزبه لم  تكن بسبب مشروعه لتحويل المملكة المتحدة لبلد للجميع وليس لحفنة من الأغنياء، ولكن بسبب «البريكست» (عملية الخروج من عضوية الاتحادالأوروبي)، إذ نجح المحافظون في تقديم شعار بسيط (we want to get BREXIT done)، وهو الشعار الذي تعامل مع نفاد صبر المواطنين من استمرار هذه العملية دونما حل لنحو خمس سنوات، وهو ما أدى لشلل كامل وانقسام في صفوف الأمة لم تشهده بريطانيا من عقود.

وهو نفاد صبر أخفق العمال في فهمه،عندما تبنوا في الانتخابات شعارا خاطئا تعهدوا فيه بإجراء استفتاء جديد وهو ما عني للبريطانيين عاما او عامين آخرين من الشلل وعدم اليقين، فسلموا أنفسهم لجونسون، الذي أنجز اتفاقا مبدئيا مع الأوروبيين تمهيدا لإنهاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في ٣١ يناير المقبل.

٢- إن المحافظين، وقد انتفخوا بالفوز الذي فاق كل توقعاتهم وبالأغلبية البرلمانية المريحة والتي تجعلهم قادرين علي التصرف كما يشاؤون في البريكست وغيره، سيزدادون توحشا اجتماعيًا، ولن يبدلوا السياسات النيوليبرالية في خفض الإنفاق العام والخصخصة وتدليل الأغنياء ضريبيا. بعبارة أخري سيقدمون خلال السنوات الخمس القادمة من حكمهم كل دليل ممكن علي صحة ما طرحه كوربن وبرنامجه الإصلاحي من أولويات وخيارات سياسية.

Jeremy Corbyn | Our time will come

Our time will come.

Posted by Jeremy Corbyn on Sunday, December 15, 2019

كوربن ودخول التاريخ

 ماذا طرح «جيريمي كوربن»، وماذا فعل بما يجعل أفكاره ستعيش أكثر منه، وسيعاد لها الاعتبار في حين سينزوي هو في الغالب الي النسيان السياسي وفقدان التقدير من أبناء وطنه؟

أولًا: سيدخل كوربن التاريخ المعاصر في المملكة المتحدة كأهم مجدد للنقاش العام وللحياة السياسية الميتة في هذا البلد الأكثر محافظة في العالم الغربي، والذي وضعته سياسات النيو ليبرالية المتوحشة منذ مارجريت تاتشر (رئيسة الوزراء الأسبق)، وحتى اليوم ، في ثلاجة من الخضوع السياسي التام لأفكار اليمين المتطرف الشعبوي ،وجمدت التفكير العام (حتي في سنوات حكم توني بلير العمالي الذي كان يمينيا أكثر من اليمين نفسه)، عند خياراته المعادية للفقراء في الداخل، والتابعة كليا للسياسة الأمريكية في الخارج.

مارجريت تاتشر

فقد جاء كوربن بعد أربعين سنة كاملة، ليفتح النوافذ المغلقة منذ أربعة عقود علي النظام السياسي المريض، بفضل علاجات التقشف الخاطئة التي أوشكت أن تدمر كل إنجاز اجتماعي للنظام السياسي البريطاني في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه العلاجات ترتب عليها تدهور جسيم في الصحة والتعليم والأمن بسبب سياسات خفض الإنفاق العام علي المجالات الثلاثة الحيوية، والتي عَبَدَتْها الحكومات المحافظة المتعاقبة كبقرة مقدسة -دون مراعاة للنتائج الاجتماعية – خاصة علي الفئات الفقيرة.

لقد تمكن كوربن لأول مرة منذ ١٩٧٩من جعل القضية الاجتماعية ومسألة التفاوت الطبقي وانحياز النظام للأغنياء، علي جدول أعمال الإنتخابات العامة عبر برنامج (مانيفستو)من ٤٠٤ صفحات، تعهد فيه بضخ عشرات الملايين لنظام الرعاية الصحية المجانية (الذي تباهي به بريطانيا العالم كإنجاز للرفاه الاجتماعي منذ تأسيسه علي يد حكومة أتلي العمالية بعد الحرب العالمية الثانية)، وتوظيف آلاف الممرضين والأطباء الذين قلصتهم تخفيضات الإنفاق العام للمحافظين، ووضعت حياة المرضى في خطر.

كما تعهد كوربن في برنامجه، بضخ الأموال الكافية لإصلاح التعليم العام وإنهاء الفصول المكتظة والتسرب التعليمي كما تعهد -لأول مرة في تاريخ بريطانيا- بإلغاء مصاريف التعليم الجامعي.

وإنشاء أكثر من مليون منزل بأسعار زهيدة للفقراء والشباب وتوفير الإنترنت فائق السرعة لكل البريطانيين مجانا.

لكن ذلك لم يكن سوي التمهيد النيراني للبرنامج الاجتماعي الإصلاحي الأكثر راديكالية في تاريخ بريطانيا خلال النصف قرن الأخير، إذ شمل رفع الحد الأدنى للأجر الحقيقي في البلاد إلي ١٠ جنيهات في الساعة (يهبط أحيانا في الوضع الراهن إلي حدود ٦ جنيهات فقط )، كما شمل:

١-اعلان اعتزامه رفع الضرايب علي أغني خمسة في المائة في البلاد، والذين يحظون بمعدل ضرائب يقل عن معظم الدول الأوروبية، وحتى عن الولايات المتحدة نفسها (حتي في حال تطبيق تصاعدية كوربن عليهم).

٢- إعلان اعتزامه العودة الي تأميم بعض المرافق والمنشآت للمصلحة العامة وجعل أثمان خدماتها وسلعها في متناول البسطاء والشباب.

وقد  تسبب هذان التعهدان، علي وجه الخصوص، في جنون كبار الأغنياء، ومعهم من يتخذون جزر بريطانيا ملاذات آمنة من الضرائب.وتحالف هؤلاء مع معظم مؤسسات الإعلام التي يسيطرعليها ما يسمونه بأباطرة الإعلام الخمسة، وشنوا علي كوربن أكبر عملية اغتيال شخصية وتشويه سمعة لسياسي بريطاني معاصر،وهي حملة اشترك فيها حتى توني بلير الزعيم اليميني السابق لحزب العمال وشريك بوش في غزو العراق.

ثم:ماذا كانت نتيجة هذا التمرد الذي قاده كوربن علي حالة استسلام التفكير السياسي والتناول الإعلامي في المملكة المتحدة  لأفكار اليمين المحافظ  خلال العقود الأربعة الأخيرة؟

حراك سياسي غير مسبوق منذ سنوات تمثل في:

-انضمام قطاعات متزايدة من الشباب البريطاني الي النقاش العام، ليس فقط علي وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلي المشاركة المباشرة في العمل الحزبي والحملات السياسية وطرق الأبواب بعد فترة من اليأس من المؤسسة السياسية القائمة. وقد تمكن هولاء الشباب من رصد المعلومات الخاطئة التي تصل الي الكذب الصريح علي الرأي العام في تصريحات جونسون وزعماء المحافظين،وفضح نتائج سياستهم التقشفية، في تصوير مرضي يعانون في مستشفيات ال NHS، وفصول مكتظة بالتلاميذ، وأعداد غير مسبوقة من المشردين.

-عودة كثير من صناع قوة بريطانيا الناعمة وصناع وجدانها من المثقفين والفنانين الي المشاركة بقوة في الجدل العام، سواء بسبب استفزازهم من هجوم اغتيال الشخصية الذي تعرض له كوربن والاتهامات الكاذبة له بمعاداة السامية ،أو بسبب قلقهم علي بريطانيا التي عرفوها متعددة الأعراق والثقافات، وهم يرونها تغرق تحت موجة عنصرية بغيضة ساهم فيها زعماء اليمين من جونسون إلى فاراج. فلم تحظ أي انتخابات عامة منذ عقود بهذا العدد غير المسبوق من مواد أو تصريحات هؤلاء الفنانين والمثقفين، مثل رئيس البرلمان السابق الشهير جون باركوا وهو يهودي وعدد كبير من الممثلات اليهوديات الشهيرات التي تنفي تهمة عداء السامية عن كوربن وتنتقد تدخل حاخام بريطانيا الأكبرفي السياسة بعد أن شن حملة ضد كوربن في عز الحملة الانتخابية.

جون بيركو

كما لم تحظ أى انتخابات بهذا العدد من الفيديوهات لنجوم كبار مثل هيو جرانت وداني دي فيتو التي دعت صراحة للتصويت للعمال وبرنامجهم الذي تعهد ببرنامج للمساواة بين اصحاب كل الأعراق والأديان في بريطانيا.

-الأقليات العرقية والثقافية تشجعت هي الأخري وبدأت تدريجيا في العودة للانخراط في المجال العام والحياة الحزبية بعد سنوات من الانكماش أمام هجمات اليمين المتطرف والتنمر بالملونين وشيوع الاسلاموفوبيا. وتجدد أمل هذه الأقليات مع دفاع كوربن الحازم عن الاندماج والمساواة بامكانية الدفاع عن وجودهم ومنجزهم ومساهمتهم في الإنجاز الحضاري البريطاني.

هذا الحراك وبذرته التي وضعت في التربة السياسية البريطانية، والمظالم الاجتماعية التي ستتفاقم من نهج المحافظين، ستفعل فعلها في الحياة البريطانية، وستتصدر اهتمام الناخبين بعد الانتهاء من مأساة البريكست، وهي مسألة ستأخذ -مثل كل حراك سياسي -وقتا حتي تنضج، يقصر هذا الوقت أو يطول، لكنها ستتحول.. إما لحركات سياسية ناشطة تضغط علي مؤسسات النظام السياسي، أو تدفع بالعمال مرة اخري الي مقاعد الحكم في احدي الانتخابات المقبلة.

الخلاصة هي أن كوربن انتهي شخصيا كزعيم سياسي، لكن مبادئه وأفكاره والأمل الذي طرحه علي الناس في مجتمع أقل انقساما طبقيا، والأشواق التي أحياها للعدالة والمواطنة والمساواة في بريطانيا، ستعيش وتتحول لقوة في الفعل السياسي في المستقبل. وبالتالي فإن هذه الأفكار وإن جعلته يخسر اليوم، فإنه قد يكون أكثر الرابحين معنويا، بالمعيار التاريخي.

الوسوم

حسين عبد الغني

كاتب وإعلامي مصري
إغلاق