منوعات

بين الطليعة والدعوة (7-7): الفن ودوره.. رؤية اليسار وموقف الإخوان

المهتمون برصد تطور الحركة الفنية في مصر سيقفون مطولا أمام الفترة المثيرة والممتدة من (يوليو 1976 حتى يوليو 1977) لما شهدته من تحولات وتغيرات. فالتليفزيون المصري كان يخطو أولى خطواته في الإنتقال من مرحلة انتاج الأبيض والأسود إلى الإنتاج الملون، والمهتمون بالمسرح يتلقفون دعوة سوريا والعراق التي انطلقت في مؤتمر المسرحيين بدمشق، و الخاصة بتأسيس «إتحاد عام للمسرحيين العرب»، بكثير من الجدل حول أزمة المسرح المصري، واكتساح ما عُرف بموجة المسرح التجاري.

 أما صناع السينما ونقادها وجمهورها فكانوا مشتتين نتيجة موجة النقد الصاخبة التي رافقت عقد «مهرجان القاهرة الدولي الأول للسينما» في مصر، وعرض عدد من الأعمال الفنية مثل فيلم «المذنبون» إنتاج 1975، عن رواية لنجيب محفوظ وإخراج سعيد مرزوق، والذي حاز على جائزتين من قبل لجنة التحكيم الدولية بالمهرجان، وأثار صخبا وجدلا شديدا وصل إلى حد إيقاف عرضه وفصل مسئولي الرقابة الذين أجازوه للعرض، وفيلم «الكرنك» إنتاج 1975، اخراج على بدرخان عن رواية لنجيب محفوظ أيضا، إلى جانب فيلم «عودة الإبن الضال» إنتاج 1976 قصة وإخراج يوسف شاهين وهما الفيلمان اللذان أثارا موجة عارمة من الجدل.

 فكيف عالجت مجلة «الطليعة» المعبرة عن اليسار، ومجلة «الدعوة» الناطقة بلسان حال جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة إلتقائهما (يوليو 1976 حتى يوليو 1977) القضايا المتعلقة بالفن في مصر في ذلك الحين؟، وهل مازالت رؤية الطرفين للفن آنذاك متوافقة مع طبيعة القضايا المطروحة في مجال الحركة الفنية في اللحظة الراهنة؟

الطليعة.. ومناقشة جادة لقضايا الفن

أولت مجلة «الطليعة» إهتماما كبيرا بقضايا الأدب والفن منذ صدور ملحقها «الأدب والفن» في يناير (1972) تحت إشراف نخبة من ألمع الكتاب والفنانين مثل:«لطيفة الزيات، غالي شكري، محمود درويش، سمير فريد»، حيث تناولت عبر هذا الملف مختلف القضايا الخاصة بعالم الأدب والفن، ليس في مصر وحدها، وإنما في العالم أجمع، مع التركيز على العالم العربي.

طرحت «الطليعة» في عدد أغسطس 1976 قضية تراجع المسرح الجاد وإكتساح المسرح التجاري، وفي عدد سبتمبر 1976 تناول الكاتب المسرحي نعمان عاشور «مؤتمر المسرحيين في دمشق»، الذي عقد خلال شهر يوليو 1976 وتم فيه الإتفاق على أن يتم عقد «المؤتمر التأسيسي لإتحاد المسرحيين العرب» في شهر فبراير 1977 بالقاهرة، الأمر الذي جعل عاشور يتساءل: «كيف تحتضن القاهرة المسرح العربي وهذا حال مسرحها؟»، مستعرضا أزمة المسرح في مصر التي جاءت مصحوبة بتحول المسرح من كونه مؤسسة ثقافية عامة خلال فترة الخمسينات والستينات، إلى أن أصبحت أغلب الفرق التجارية يقوم نشاطها على مجرد «الإضحاك»، ومن ثم تم تحويل المسرح من بؤرة إشعاع فكري وتوعية إجتماعية إلى مجموعة من دور اللهو والعبث والتسلية المسرحية للقادرين على دفع الثمن على حد وصف عاشور.

من جانب آخر قسمت الطليعة في عدد ديسمبر 1976 المسرح في مصر إلى ثلاثة أقسام تتمثل في: مسرح الدولة، والمسرح التجاري، ومسرح الأقاليم الذي يتبع جهاز الثقافة الجماهيرية التابع لوزارة الثقافة، ومن ثم احتفت بمسرح الأقاليم حيث وصفته بأنه المسرح الإيجابي الوحيد على خريطة المسرح بمصر وذلك على الرغم من كل ما يعانيه من مشكلات وسلبيات. وقد استفاضت الطليعة في تناول قضايا مسرح الأقاليم مشيرة إلى أن القائمين عليه حريصون على إكتشاف مسرح مصري في الشكل والمضمون يرتبط بالتراث الشعبي، ومن ثم مد جذوره لدى فئات العمال والفلاحين بالقرى.

الكاتب المسرحي نعمان عاشور

وقد توقفت الطليعة عند مسرحية «باب الفتوح» للكاتب محمود دياب والمخرج سعد أردش، التي تعرضت للإيقاف من قبل الرقابة بعد أن وصل فريق العمل إلى مرحلة بروفاتها النهائية، ومن ثم وصفتها بكونها «ثمرة ناضجة جاءت في غير أوانها». في هذه المسرحية قدّم دياب قراءة مغايرة لبعض الأحداث التاريخية في محاولة منه لطرح هموم الواقع الإجتماعي والسياسي المأزوم، والموقف من القضية الفلسطينية. ووفقا  للطليعة لم يكن دياب يرغب في تقديم مسرحية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل ارتحل عبر التاريخ حتى وصل إلى أكثر لحظة تاريخية يمكنها أن تعبر عن «القضية الفلسطينية» من وجهة نظره، فلم يجد سوى شخصية «صلاح الدين الأيوبي»، حيث تمكن عبر تقديم قراءة مغايرة لدوره التاريخي ،من أن يطرح كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما حولها من ملابسات.

كذلك أولت «الطليعة» إهتماما خاصا بمؤتمر «المسرح المصري» الذي عُقد في شهر يناير 1977 وطرح العديد من القضايا الخاصة بالمسرح من حيث التأليف والإخراج والأداء وعلاقته بالدولة وأجهزة الإعلام و بالمعاهد الفنية المتخصصة، وأخيرا علاقته بالجمهور وقضية المسرح الجاد والمسرح التجاري. ومن ثم استعرضت توصيات المؤتمر التي أكدت على أهمية مسرح الدولة بوصفه الركيزة الأساسية للحركة المسرحية، وأن هناك ضرورة للحفاظ عليه ودعمه. كما أوصى المؤتمر بفصل المسرح عن السينما عبر هيئة خاصة به، مع سرعة تنفيذ مشروع «بيوت المسرح» وإتساع مساحة الرقعة التي تغطيها، بحيث تشمل محافظات مصر وإنشاء «المسرح المتجول» الذي يهتم بمخاطبة العمال والفلاحين.

على الصعيد السينمائي أثار «مهرجان القاهرة الدولي للسينما» في دورته الأولى الكثير من الجدل على كل المستويات. وفي هذا الإطار انتقدت مجلة الطليعة «الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما»، التي أشرفت على تنظيم المهرجان، واستندت في نقدها إلى أنه كان من الواجب أن تتولى الدولة ممثلة في وزارة الثقافة، وليس «جمعية أهلية» تنظيم مثل هذا المهرجان، حتى يخرج بالصورة التي تليق باسم مصر.

وفي عدد نوفمبر 1976 واصلت «الطليعة» اهتمامها بعالم السينما، طرحت في هذا الصدد قضية ما أطلق عليه وقتها  «مغامرات السينمائيين المستقلين» خلال عرض تجربة «جماعة السينما الجديدة» التي تأسست كنتيجة مباشرة لتخلي الدولة عن الإنتاج السينمائي، وضربت المثل بالمخرج علي عبد الخالق الذي كان قد قدم فيلمه الأول «أغنية على الممر» عبر «جماعة السينما الجديدة» ومن ثم كان عليه لتقديم فيلمه الثاني «بيت بلا حنان» أن يشترك مع صناع الفيلم المصور سعيد شيمي والسيناريست مصطفى محرم والمونتيرأحمد متولي في تأسيس شركة «رام فيلم» لإنتاج هذا الفيلم الذي حاول فيه على عبد الخالق معالجة قضايا الطبقة الوسطى وتطلعاتها. 

احتفت الطليعة خلال عرضها لتجارب «السينما المستقلة» بفيلم يوسف شاهين «عودة الإبن الضال» الذي غامر شاهين بإنتاجه بالإشتراك مع مؤسسة السينما الجزائرية، بعد أن كتب رؤيته السينمائية بالإشتراك مع صلاح جاهين، ومن ثم قام بإخراجه. وقد اعتبرت الطليعة هذا الفيلم بمثابة خلاصة تجربة شاهين، حيث وصفته بأنه «نموذج لكل ما يؤرق الفنان، ففيه انصهرت كل أفكار يوسف شاهين الخاصة بالتاريخ والمجتمع والحب والثورة والسياسة والمستقبل».

الدعوة.. وتحريم الفن

في المقابل، وفيما يخص رؤية مجلة «الدعوة» للفن ودوره، فليس أدل على هذه الرؤية من تلك السلسلة من المقالات التي كتبها الدكتور عمارة نجيب على صفحات المجلة، والتي جاءت تحت عنوان «فنون المسرح ومخطط الهدم» في أعداد (ديسمبر 1976، فبراير 1977، مارس 1977، إبريل 1977». في هذه المقالات تباهى عمارة نجيب بدوره الفاعل داخل هيئة الرقابة على المصنفات الفنية بوصفه متخصصا في أصول الدين، في وقف عرض العديد من الأعمال الفنية كان منها فيلم «المذنبون» لسعيد مرزوق، ومسرحية «باب الفتوح» لمحمود دياب وغيرها من الأعمال الفنية التي تعرضت للمنع خلال تلك الفترة.

أتت مقالات نجيب حافلة بالعديد من العناوين الفرعية والعبارات التي تحمل موقفا عدائيا للأعمال الفنية مثل: «مسرحيات تُمثَّل في بلاد المسلمين وهى تصف الصائمين بأنهم همج يطلبون ثوابا عينيا موهوما»، «في مجال الفن في هذا البلد تجري عملية تقييد العقول لصالح الغرائز»، «الشعب يرفض كل تخريب وخاصة تخريب العقول والقلوب»، «مخطط لإغراق مصر في الإنحلال والبعد عن الأخلاق والقيم .. في مصر مسرحيات تهاجم شرع الله وتتهجم على رسوله».

ولم يقف الأمر عند حد موقفه الرافض للعديد من الأعمال الفنية، ففي الوقت الذي كان يتم فيه انتقاد «قانون الرقابة» بوصفه قانونا متشددا يقيد من حرية المبدع، نجد عمارة نجيب في مقالاته ينتقد «قانون الرقابة» ولكن بوصفه قانونا غير فاعل لا يُمكّن القائمين على أعمال الرقابة من ممارسة دورهم الرقابي، بالإضافة إلى ما وصفه بالحصار الثقافي المضروب على كل الأجهزة الثقافية، مشيرا إلى توغل الشيوعيين بالمؤسسات الثقافية في مصر ومن ثم وصفهم بكونهم المسئولين عن تلك الحالة من عدم تمكن موظفي الرقابة من ممارسة دورهم الرقابي.وقد عبر عن ذلك بقوله: «نحن ننعي حظنا لأن الشيوعيين قد طالت أيديهم إلى هذا الحد».

د. عمارة نجيب

 وعلى نفس الصعيد انتقد نجيب مبدأ «الفن للفن»، معتبرا أن من يتبناه «شخص لا يحمل أي أهمية للقيم والمبادىء ولا يعير ضرورة للدين أو المصلحة الوطنية أو الإجتماعية». وروى نجيب واقعة تتعلق بمسرحية وحيد حامد «أحلام الفتي المسافر» التي رفضت بإجماع أعضاء الرقابة على حد قوله، إلا أن مديرتهم أجازتها، ومن ثم قام عمارة نجيب بالإتصال بالشيخ محمد الغزالي الذي وافقه على رأيه فى المسرحية وعارض تقديمها للجمهور خلال خطبة الجمعة، وتصادف حضورأحد الوزراء الخطبة، فوعد بالتدخل لمنع عرضها وبذلك أوقفت المسرحية.

كما أشار نجيب إلى دوره في منع عرض مسرحية «باب الفتوح» حيث أرسل العديد من الرسائل لمختلف المسئولين ضد المسرحية التي وصفها بأنها «أخطر من نبالم العدو، وأنها تشوه التاريخ العربي الإسلامي وتظهر البطل صلاح الدين على أنه مغامر فاشل »، وهو ما أدى لصدور قرار بوقف المسرحية، غير أنها عادت وعُرضت في وقت لاحق.

كما تناول عمارة نجيب في مقالاته على صفحات مجلة الدعوة أعمال «نعمان عاشور» ووصفها بأنها تحض على التخريب، ومن ثم احتفى بمن وصفهم بجماهير ثورة مايو (1971) الذين لم تمتد أيديهم على شىء سوى تكسير ذلك المسرح الذي كان يعرض أحد أعمال عاشور آنذاك.

قضايا الفن بين اليسار والإخوان

تعددت القضايا التي طرحها اليسار عبر «ملف الأدب والفن» والتي تنوعت بين فنون المسرح والسينما والتليفزيون وتمحورت حول المطالبة بمزيد من الحرية التي من شأنها دعم المبدعين بمختلف المجالات إلى جانب المطالبة بدور للدولة أكثر فاعلية في دعم الفنون، وذلك عبر زيادة المخصصات المالية لدعم الفن وتطوير مزيد من برامج التدريب للقائمين على الأعمال الإبداعية والحد من سلطة الرقابة على الأعمال الفنية. وحين انتقدت الطليعة «مهرجان القاهرة الدولي للسينما» انتقدته من باب الحرص على ظهوره بأفضل صورة مشرفة لمصر وذلك عبر مناداتها بضرورة أن تشرف الدولة عبر وزارة الثقافة على تنظيم أعماله. في المقابل فإن «الإخوان» ولى صفحات مجلة الدعوة عبروا عن موقفهم الداعم لتشديد الدور الرقابي على الفن، حتى أن مؤسس المجلة صالح عشماوي انتهز فرصة عقد مهرجان القاهرة السينمائي لتجديد دعوته الخاصة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ومن ثم خاطب رئيس الوزراء: «بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في كل ناحية من نواحي الحياة ولا شك أن السياحة ودنيا الفن بما فيها من إذاعة وتليفزيون وسينما ومسرح هى من أبرز هذه النواحي».

صالح عشماوي مؤسس ورئيس تحرير الدعوة

في الختام يمكن القول إن رؤية اليسار لمختلف للفن ودوره والتي عبرت عنها مجلة الطليعة مازالت صالحة لتناول قضايا الواقع الراهن المتعلقة بعالم الإبداع بكل مجالاته. أما رؤية «الإخوان» فهى رؤية لم تكن ملائمة لتناول قضايا الفن في حينها وبالطبع لاتزال غير ملائمة للواقع الراهن مع التأكيد على أن رؤيتهم تلك تتعلق بالفترة الزمنية التي التقت فيها مجلتا «الطليعة» و«الدعوة» من يوليو 1976حتى يوليو 1977.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: