رؤى

أحمد لطفي السيد.. داعية «الهوية الوطنية المصرية»

جاء مسلسل «ممالك النار»، الذي انتهى عرضه مؤخرا ،ليعيد الجدل القديم المتجدد حول «الهوية المصرية» متعددة المصادر التي طغى عليها «البعد الديني» في الكثير من العصور، لولا نضال رجال مصريين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،لبعث «الهوية المصرية» من جديد.

على رأس هولاء الرجال كان «أحمد لطفي السيد» الذي كرس حياته لوضع أسس هذه الهوية وقواعدها، وكيف تكون لبعثها من جديد، بعد أن توارت تحت حجاب الهوية الدينية، سواء أكانت مسيحية أو إسلامية، وهو الفهم الذي عبر عنه سيد قطب بقوله: «ما الوطن إلا حفنة تراب عفن» قالها فصارت منهاجًا وقاعدة يربي عليها الإخوان أتباعهم، وكررها مرشد الجماعة السابق الراحل محمد مهدي عاكف.

 

الهوية الدينية المسيطرة

عانت «الهوية المصرية» على مر تاريخها، من الكثير من العقبات، ربما كانت بدايتها مع انتشار المسيحية حيث تم اضطهاد كل أتباع الديانات المصرية القديمة، وانعزلت تمامًا عن الهوية الوطنية لحساب الهوية الدينية الجديدة، ثم جاء العرب فانضوت مصر تحت راية الخلافة الإسلامية كولاية من الولايات التابعة لها، وكان الوالي الذي يحكمها يعينه خليفة المسلمين، فظل الانتماء إلى الهوية الدينية أكبر من الهوية الوطنية التي لم تكن مطروحة بالأساس وقتها. ثم دخل العثمانيون مصر فاستمرت الهوية المصرية في ظلهم تنكمش أكثر فأكثر، وظل المصريون تابعين للإمبراطورية التي لم يكن لها هم سوى تعيين ولاة يجمعون الضرائب ويوصلونها إلى «الأستانة»، بينما أبعد المصريون من كل وظائف الدولة التي سيطر عليها الأتراك وبقايا المماليك المنهزمين.

ثم جاءت «الحملة الفرنسية» التي زلزلت الشعب المصري حيث أدركوا عجز المماليك وكذا الأتراك عن الدفاع عنهم، فقاوم المصريون المحتل أعظم مقاومة، وبالفعل نجح المصريون في إفراز زعامات شعبية قوية مثل «عمر مكرم» كان بإمكانها أن تحكم مصر، لكن تلك الزعامات وإن كانت رفضت الوالي الذي عينه الأتراك على مصر بعد هزيمة الفرنسيين إلا أنهم سلّموا بأيديهم السلطة إلى «محمد علي» الذي عمل بكل قوته على وأد تلك الزعمات الشعبية التي استشعر أنها تمثل خطرًا على حكمه، بل وأبعد المصريين عن الوظائف الحكومية المهمة ورفض تجنيدهم في الجيش إلا بعد أن اضطر إلى ذلك.

عمر مكرم بريشة الفنان «سعد الدين شحاتة»

 كشف تسليم المصريين الحكم لغير مصري أنهم حتى ذلك الوقت لم يجدوا في أنفسهم الكفاءة لتولي حكم بلادهم، بعد أن أبعدوا عن هذه الدائرة لقرون عديدة، كما أن الشعور الوطني الحديث للمصريين لم يكن قد تولد بعد، فحتى نضال المصريين ضد الفرنسيين كان نابعا من الحس الديني وقتها، وهو ما يفسر لماذا لم يثر المصريون على الأتراك والمماليك «المسلمين» رغم مظالمهم وقسوة معاملتهم لهم.

اقرأ أيضا:

عمر مكرم.. نقيب الأحرار

 داعية الوطنية المصرية الأول

ومع الثورة العرابية 1882 بدأت إرهاصات الروح الوطنية المصرية حين رفع «أحمد عرابي» شعار «مصر للمصريين»، مطالبا بالمساواة في الجيش مع الشراكسة، وهو الشعار الذي امتد بعد ذلك للمطالبة بالمساوة في جميع الحقوق، إلا أن هذه الروح تم إجهاضها لأنها لم تكن قد ترسخت بعد في وجدان المصريين الذين لم يلبثوا أن تخلوا عن عرابي، بعدما أصدر السلطان العثماني عبدالحميد الثاني «فرمان العصيان» ضده، وهو الفرمان الذي وصم عرابي بالعصيان والخروج على خليفة المسلمين، وقد فتَّ هذا المنشور في عضد عرابي ومن معه فكانت نهاية الثورة العرابية.

أحمد عرابي بريشة الفنان «سعد الدين شحاتة»

في ظل هذا المناخ الوطني نشأ «أحمد لطفي السيد» الذي عُرف بـ«داعية الوطنية المصرية الأول» أو «منشئ الوطنية الحديثة»، وقد كان عمره حين قامت ثورة عرابي عشرة أعوام، فهو مواليد عام 1872م.

أدرك لطفي السيد منذ وقت مبكر أنه لا خلاص لمصر من الاحتلال الإنجليزي إلا من خلال المصريين وحدهم، ومن خلال تعزيز هويتهم الوطنية، أنه لا يجب التعويل لا على تركيا ولا فرنسا، كما أنه رفع شعار الثورة العرابية حتى كاد ينسب إليه وحده شعار «مصر للمصريين» أكثر من أى رمز فكري في زمنه.

 ويروي لطفي السيد في مذكراته «قصة حياتي» أنه حين سافر إلى «سويسرا» بناء على طلب من الخديوي عباس الذي كان يظن أن بإمكان فرنسا أن تؤلب الدول على «إنجلترا» وتدفعها إلى الجلاء عن مصر، كيف نصحه أحد أساتذة الجامعة في «جنيف» قائلا: «لا تظن أن أوروبا تساعدكم على إنجلترا، وأرى أن لا يحرر مصر إلا المصريون»، فاقتنع  بتلك الفكرة وعمل على إيقاظ الوعي الوطني لدى  أبناء مصر، خاصة بعد حادثتين أكدتا له غياب هذا الوعي: الأولى كانت في مسألة «العقبة» حين أرادت الدولة العثمانية  اقتطاع «سيناء» من الأراضي المصرية وضمها للأراضي الحجازية، ثم احتلالها بعد ذلك لمدينة «طابا» المصرية، فعارضت «إنجلترا» تركيا في هذا الأمر وأكدت أن سيناء تابعه للأراضي المصرية، فوجد أحمد لطفي السيد الجرائد المصرية تقف مع تركيا في اقتطاع جزء من أرضهم، عملًا بمبدأ أنه لا خير يأتي من وراءالإنجليز.

   أما الحادثة الثانية فتتعلق بمسألة «فاشودة» التي وقعت عام 1898 والتي كاد أن يصطدم فيها الجيش الفرنسي مع الجيش البريطاني في ظل صراعهما لمد النفوذ، حيث وقف  المصريون في صف فرنسا ظانين أنها ستساعدهم علي طرد المستعمر الإنجليزي، إلا أنه تم الاتفاق بين البلدين بأن «تعترف إنجلترا بأنها لا تنوي تغيير النظام السياسي في مصر، وتعترف فرنسا من جانبها بأنها لن تعرقل أعمال إنجلترا في مصر وتتوقف عن المطالبة بتحديد موعد للجلاء عنها. في الحادثتين علق المصريون أملهم تارة على تركيا وتارة على فرنسا كي تُخرج المحتل، إلا أن هذا لم يحدث، مما دفع أحمد لطفي السيد إلى تأسيس جريدته «الجريدة» من أجل الدفاع عن الصالح الوطني المصري.

الوطنية المصرية الحديثة

 دعا لطفي السيد إلى وطنية تقوم على الشعور المشترك بالمصلحة العامة لمجموعة من السكان في رقعة محددة من الأرض، وهي التي تعرف بالوطن، وأكد أن الدين هو أحد عناصر الانتماء لكنه ليس الأساس الذي تقوم عليه فكرة الأقلية والأكثرية، ولكن بالمذاهب السياسية، فالمذاهب السياسية التي تتمتع بأكبر قدر من المؤيدين تكون هي الأكثرية والعكس في كل أمة وليس للدين دخل في ذلك. وحذر لطفي من الشقاق بين الأقباط والمسلمين، لأنه يهدم فكرة الدولة القومية بالمعنى الحديث، كما هاجم لطفي أيضًا فكرة الجامعة الإسلامية لأنها – حسب رأيه -قائمة على أساس ديني يتنافى مع الحس الوطني، فأحمد لطفي السيد يؤمن بأن الدول القومية التي نشأت في الغرب لم تنشأ إلا بعد تحرر أوروبا من فكرة الإمبراطورية أو الدولة الدينية اللتين سادتا في العصور الوسطى، لذا كان يرى أن انفصال مصر عن الدولة العثمانية والتحرر من سيادتها يحقق أول ركن من أركان الدولة الوطنية.

لم يترك لطفي فرصة كي يحرر مصر من قبضة الخلافة العثمانية وكذا الإنجليز إلا وحاول اغتنامها، ففي الحرب العالمية الأولى حاول إقناع المستر رونالد جراهام مستشار وزارة الداخلية الإنجليزي بوقوف مصر مع إنجلترا في الحرب العالمية الأولى مقابل اعتراف بريطانيا باستقلال مصر، إلا أن رده كان صادمًا «يا أصحابي نحن نعرفكم كما تعرفون أنفسكم؛ فحين ظهور أول طربوش تركي من القنال تتركوننا وتجرون وراءه».

وفي عام 1912 دعا أحمد لطفي السيد إلى استبدال العلم العثماني، بعلم خاص بمصر يرفعه المصريون على سفنهم وبواخرهم ومنشآتهم الحكومية، وأن تستقل عن الخلافة العثمانية ويكون لها ملك يحكمها دون ولاية من خلافة. وسعى لأن تكون هناك «جنسية» خاصة بالمصريين معرّفًا المصري بأنه هو الذي لا يعرف له وطنًا آخر غير مصر، أما الذي له وطن ويقيم في مصر، ويتخذها له وطنا على سبيل الاحتياط ،فبعيد أن يكون مصريًا بمعنى الكلمة.

وكان أحمد لطفي السيد حريصًا على سرد القواسم المشتركة التي تجمع بين كل من يعيشون على أرض مصر، من تشابه في الشكل والدم والميول والطموح والزي والتربية، وكان يؤمن بأن هذه القومية الجديدة تتسع لتشمل جميع الأعراق التي عاشت وانصهرت في بوتقة الوطن فيقول: «نحن بذلك فراعنة مصر ونحن عرب مصر ونحن مماليك مصر وأتراكها» ويقول أيضًا: «نحن المصريين نُحب بلادنا ولا نقبل مطلقا أن ننتسب إلى وطن غير مصر، مهما كانت أصولنا حجازية أو بربرية أو تركية أو شركسية أو سورية أو رومية»، داعيًا إلى ضرورة أن يكون الانتماء للوطنية المصرية في المقام الأول فيقول: «فبُعدًاً  لمصري لا يحب المصري أكثر من جميع المخلوقات، أو لا يحترم المصري أكثر من غيره، أو لا يعتد بأن المصري هو أخوه الحقيقي بموضوع حنانه وشفقته ومحط خيره ومعقد رجائه ومحل مساعدته». فالذي «يريد استقلال مصر فليعمل لنماء الجنسية المصرية، ذلك هو أساس القوة، والقوة ركن الحياة وشرط البقاء».

الدعوة إلى تمصير الأدب

   سعى «أحمد لطفي السيد» إلى البحث عن الهوية المصرية في كل شيء حتى في اللغة والإبداع، فدعا إلى تمصير اللغة العربية وذلك في سلسلة مقالات نشرها في صحيفة «الجريدة» عام 1913، وقد أخذ بهذه الدعوة عدد من الكتاب الشبان وخاصة في المسرح، مثل «محمد تيمور» وذلك بكتابة نصوصه باللغة العامية المصرية، وقد كانت تلك البداية للصراع بين الفصحى والعامية في كتابة الإبداع التي لم تكن موجودة سوى في الحكايات والأغاني الشعبية.

وقد وصلت هذه الدعوة إلى أوجها مع ثورة 1919 التي اتحد فيها عنصرا الأمة، وسقطت فيها الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية فبدأت شخصية مصر الوطنية في التعاظم، حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، حين حكم بعدها مصر مصريون لأول مرة منذ قرون طويلة، لتبدأ مرحلة جديدة من التوفيق بين دوائر الانتماء الثلاث: الوطنية المصرية والقومية العربية والانتماء الديني الإسلامي أو المسيحي في مصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق