مدونة أصوات

أمي ومعلمتي وأستاذي.. مصر مرسومة على كفوفك

لا أدري لماذا حضرت صور «أمي ومعلمتي وأستاذي الأول» بكل تلك القوة حين شرعت في التفكير في الكتابة عن عيد العلم.. ربما لشعوري بكوني مدينة لثلاثتهم.. فتحية إجلال وتقدير ومحبة لروح أمي الطاهرة ولمعلمتي الأولى أينما كانت، ولروح أستاذي الأول الدكتور «عمر الفاروق بدوي» الذي لم يكن فقط أستاذا متميزا، بل كان، إضافة لذلك، أحد أبرز علماء الفيزياء النووية، فقبيل وفاته كان قد اكتشف بالإشتراك مع أستاذه الدكتور «محمد النادي» جسيما في الذرة وحين رغب في تسميته «إجيبتون» نسبة إلى مصر «إيجبت» رفضت اللجنة الدولية المتخصصة تلك التسمية، ومن ثم أطُلق على ذلك الجسيم «كيرون» نسبة إلى «كايرو» القاهرة. 

بداية الرحلة

التحقت بالمدرسة الإبتدائية في العام الدراسي (1973-1974) مصحوبة ببشائر نصر أكتوبر 1973، صحوت من نومي مبكرا على صوت أمي الدافىء «اصحي علشان تروحي المدرسة» ساعدتني أمي كي أرتدي زي المدرسة «مريلة بيج وحذاء أسود وشراب أبيض ومنديل قماش للأنف وآخر للعينين وشرائط حمراء للشعر»، مشطت أمي شعري ضفيرتين تنتهي كل منهما بفيونكة حمراء، عند خروجي من باب البيت أمسكت أمي بيدي وأخذت تزغرد وكأنها تزف عروسا ليلة زفافها، كانت تلك عادة الأمهات بمنطقتنا مع أول يوم دراسي لأطفالهن حين يلتحقون بالمدرسة لأول مرة، عند وصولنا المدرسة تحدثت أمي مع معلمتي قائلة: «أنا ست جاهلة مبعرفش أقرأ ولا أكتب، ولا بعرف أربي، أنا يدوبك أعرف أكنس وأمسح وأطبخ.. أنا عليا أجبهالك كل يوم الصبح نضيفة زي الفل وأنت عليكي تعلميها وتربيها، أنا مش عايزاها ست جاهلة زيي، أنا عايزاها أبلة حلوة زيك»، ثم أخذت أمي بحنان مفرط  يديّ ووضعتهما في يد معلمتي الأولى «أبلة نوال».. وكانت تلك بداية الرحلة.

الدرس الأول

فرحت معلمتي فرحا شديدا بنصر أكتوبر وفي ذكري الإحتفال الأولى بالنصر حين جاءت حصة الرسم رسمت لنا على السبورة السوداء بالطباشير الجيري الأبيض خريطة مصر، «دلتا النيل على شكل سبعة كبيرة والنيل وكأنه ديل حصان والبحر الأحمر سمكة فاتحة بقها» هكذا قدمت لنا معلمتي خريطة مصر، ومن ثم رسمت علم مصر وطلبت منا رسمهما بكراسة الرسم.

أخذت أتامل ما رسمته معلمتي.. أعجبت بشكل العلم، ربما لأنني كنت أعرفه حيث كنا نقف في طابور المدرسة كل صباح نردد النشيد الوطني ونحيي العلم، لكني لم أتفهم ماذا تعني الخريطة ومن ثم رسمت العلم ورفضت رسم الخريطة.

أتت معلمتي بجواري تسألني لماذا لم أرسم الخريطة، قلت لها أن ما قد رسمته لا يشبه مصر، فأنا أعرف مصر جيدا، تبسمت معلمتي وسألتني: «تعرفي إيه عن مصر؟».. كنا نقيم بحي حلوان وحين كنت أذهب مع أمي لبيت جدي بحي السيدة عائشة أو كنت أخرج مع أبي لوسط القاهرة «كنا نقول.. إحنا رايحين مصر» ومن ثم أخذت أروي لمعلمتي عن رحلتي الأخيرة مع أبي لوسط القاهرة، بواسطة المترو الذي تحرك من «محطة حلوان» حتى وصل بنا إلى «محطة باب اللوق» وبجوار محطة القطار جلست مع أبي على المقهى، شرب أبي قهوته وشربت مشروبي المفضل حينها «شاي بالحليب» تجولنا بمنطقة باب اللوق، ذهبنا إلى كوبري قصر النيل وشاهدت أسد قصر النيل. توقفت فجأة عن الحكي وسألت معلمتي: «فين بقى المترو ومحطة باب اللوق وكوبري قصر النيل وأسد قصر النيل» ضحكت معلمتي كثيرا، وأخذت تشرح لي معنى الخريطة وفي نهاية حديثها طلبت مني أن أمسك قلمي وأحاول رسم الخريطة، ولأنني كنت طفلة عنيدة للغاية رفضت رفضا باتا، ودون أن أجري أي محاولة قلت لها «مش عارفة».. أمسكت معلمتي يدي بين يديها وأخذت تشير لي على تلك الخطوط بكف يدي وتقول لي «خريطة مصر شبه الخطوط ده، بصي شوفي، خريطة مصر أهى مرسومة على كفوفك».. فرحت فرحا شديدا ورسمت الخريطة بكراسة الرسم، وحين عدت إلى البيت قلت لأمي «أبلة قالتلي مصر مرسومة على كفوفي حتى شوفي.. تعجبت أمي ونظرت في كفي وقالت لي.. أيوة مصر مرسومة على كفوفك».

الدرس الثاني

حرصت «معلمتي» كل صباح أن تؤكد على ضرورة أن نحرص على نظافة ملابسنا وكتبنا وكراساتنا وأن نحافظ على نظافة الفصل والمدرسة وفي أحد الأيام طلبت منا أن نحضر في صباح اليوم التالي معنا فرشة ومعجون أسنان كي تعلمنا كيف نغسل أسناننا بشكل صحيح، كنت حينها لا أعرف شكل الفرشة أو معجون الأسنان، عدت إلى أمي وطلبت منها أن تشتري لي فرشة ومعجونا للأسنان، كانت أمي لا تعرف هى أيضا شيئا عن تلك الفرشة والمعجون، ولأنها أعتقدت أنها تنتمي لعالم الأدوات المكتبية أعطتني بعض المال وطلبت مني أن أذهب إلى «عمو حسن» صاحب محل الخردوات والأدوات المكتبية، الذي استقبلني بحفاوته المعتادة وحين طلبت منه فرشة ومعجونا للأسنان ضحك كثيرا وبود شديد قال لي اذهبي إلى الصيدلية.

ذهبت للصيدلية واشتريت الفرشة والمعجون وعدت لأمي التي استغربت الأمر كثيرا لكنها لم تعترض على شىء فهى منذ اللحظة الأولى كانت قد أعلنت أن «معلمتي» هى المسئولة عني، في صباح اليوم التالي اصطحبت «معلمتي» تلميذات وتلاميذ الفصل إلى «غرفة التدريب المنزلي» ومن ثم علمتنا جميعا كيف نستخدم «فرشة الأسنان والمعجون» وبمرور الوقت تعلمت من «معلمتي» الكثير الذي أفادني وأفاد أمي معي.

الدرس الثالث

التحقت بجامعة القاهرة في العام الدراسي (1985/1986) امضيت عامي الدراسي الأول بكلية العلوم تعرفت فيها على أستاذي البارع «عمر الفاروق بدوي» كان أستاذا متخصصا في الفيزياء النووية وهو ذات التخصص الذي التحقت خصيصا بكلية العلوم كي التحق به، مع بداية كل محاضرة كان أستاذي يلقي علينا إحدي رباعيات صلاح جاهين «على الجسر فُت الصبح تحت الضباب.. بين إللي لسة بينغرس وإللي طاب.. ما أهتز قلبي لنبت طالع جديد.. قد إللي ماشي وتحت باطه الكتاب».

حين كان أستاذي يشرع في شرح «التفاعل الذري» على سبيل المثال كان يحدثنا أيضا عن نظرية التبعية عند سمير أمين وعن حادثة إختطاف الطائرة المصرية، والعلاقة مع أمريكا وموقف المثقفين المصريين الرافض لمشاركة إسرائيل بمعرض الكتاب عام 1986 وغيرها من القضايا الإجتماعية والسياسية. قبل نهاية العام الدراسي كنت قد أتخذت قراري بانني لن أكمل دراستي بكلية العلوم، بل سوف التحق بقسم إجتماع كلية الآداب لرغبتي في دراسة قضايا المجتمع ومشكلاته.

حزنت أمي كثيرا حين أبلغتها برغبتي في ترك كلية العلوم كي التحق بكلية الآداب، كان سبب حزنها هذا أنها رأت أنني قد ضيعت عاما كاملا من عمري، لكنها بالطبع لم تقف أمام رغبتي، وحين سألتني عن سبب قراري هذا أخذت أشرح لها الفرق بين الدراسة بكلية العلوم والدراسة بقسم الإجتماع بكلية الآداب، تفهمت أمي بعض الشيء سبب قراري وبمرور الوقت تحمست لدراستي الجديدة بشدة، خاصة حين كنت أروي لها عن كل ما يتعلق بالتدريب الميداني وقضايا ومشكلات النساء الفقيرات.

مرت السنوات سريعا، حرصت أمي خلالها مع بداية كل عام دراسي جديد أن تذكرني برسالتها لي «أنا مش عايزاكي جاهلة زيي، أنا عايزاكي أبلة حلوة».. كانت أمي لا تعرف حقا «القراءة والكتابة» لكننا تعلمنا سويا الكثير، حيث اعتادت أمي أن تستمع لإذاعة البرنامج العام بالإذاعة المصرية من السادسة صباحا كل يوم حتى الثامنة مساءا، ومن الثامنة حتى التاسعة تشاهد المسلسل التليفزيوني على القناة الأولى وتنام على صوت أم كلثوم مع أغنيتها من التاسعة للعاشرة بإذاعة أم كلثوم، كانت أمي تعشق «صوت أم كلثوم والنقشبندي وخطب جمال عبد الناصر»، كما أعتادت أن تسألني عن كل جديد تعلمته خلال يومي، في المرحلة الجامعية حين كانت تراني منهمكة في دراستي تسألني مداعبة وفرحة بما أنجزت في رحلتها في الحياة «دو يو  وونت درينك تي» كانت تلقي جملتها تلك بفرحة «المنتصر».

نعم «انتصرت» أمي حين أصرت على أن تمنحني فرصة التعلم، تلك الفرصة التي لم تكن متاحة لها.. وانتصرت معلمتي الأولى حين أقنعتني بأن خريطة مصر مرسومة على كفوفي.. الغريب في الأمر إنني مازلت أؤمن أن خريطة مصر محفورة على كفوفي.. وانتصر أستاذي بالجامعة حين فتح أمامي أفقا جديدا للبحث والمعرفة.. فتحية تقدير وإجلال لثلاثتهم في يوم عيدهم.. عيد العلم.. نعم عيد العلم عيدهم جميعا.. أمي ومعلمتي وأستاذي الأول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق