منوعات

الإرهاب في إفريقيا..كيف تواجه جمهورية صوماليلاند «حركة الشباب»؟ (3-3)

*مايكل هورتون – باحث في دراسات القرن الأفريقي في مؤسسة جيمس تاون الأمريكية للأبحاث

*عرض وترجمة: أحمد بركات

تبسط حكومة جمهورية أرض الصومال «صوماليلاند» هيمنتها على أغلب المناطق التابعة لها. وتعتبر مناطق  بوراما – هرجيسا – بربرا- بوراو، التي تضم أكبر مدن صوماليلاند، آمنة نسبيا. رغم ذلك، تمثل حدود صوماليلاند مع بونتلاند، والامتدادات الشرقية لأراضيها مناطق قابلة للاختراق من قبل كل من حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (ISS) (وإن كان الأخير بدرجة أقل). ففي هذه المنطقة يمر جيش صوماليلاند وشرطتها وجهازها الاستخباراتي بأقسى  وأصعب الاختبارات.

نقاط ضعف

لقد حددت حركة الشباب وتنظيم الدولة في الصومال – اللذان يتقاتلان فيما بينهما أيضا –المناطق الحدودية التى أشرنا إليها باعتبارها نقاط الضعف المركزية في صوماليلاند. ففي هذه المناطق – إضافة إلى جبال كال مادو، التي تشكل جزءا من حدود صوماليلاند مع بونتلاند، – تعيش مجتمعات محلية يمكن اختراقها بسهولة، وذلك بسبب ضعف الحكم والصراعات العشائرية والافتقار إلى كل مظاهر التنمية الاقتصادية.

فجبال كال مادو، التي تعتبرها جماعتا الشباب وتنظيم الدولة هدفا مثاليا للتسلل إليها واختراقها، يتعذر الوصول إليها عن طريق البر، وتتوافر فيها طوال العام ينابيع المياه والمراعي الخصيبة. كما تسمح هذه البيئة الجبلية للعناصر المسلحة بسهولة الوصول إلى الشواطئ المنعزلة على طول خليج عدن، حيث تمثل كثير من هذه الشواطئ مراسي مثالية للقوارب الصغيرة. وتمتلك كل من حركة الشباب وتنظيم الدولة معاقل مهمة في بونتلاند حيث يستخدمون بشكل متكرر القوارب الصغيرة لنقل الأفراد والسلاح والمواد اللوجستية شمال وجنوب ساحل بونتلاند، ومنه إلى داخل صوماليلاند.

في هذه المنطقة الجبلية الوعرة، إلى جانب تلال جاروف، يخوض الجيش والشرطة صراعا وجوديا مريرا ضد حركة الشباب، وبدرجة أقل ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وتحاول حكومة صوماليلاند تطبيق «دورتها الفعالة» في الحكم (التي تبدأ بحكم فعال قائم على العناصر المحلية ويدعم المشاركة المجتمعية، يؤدي بدوره إلى توافر قدرة استخباراتية على جمع المعلومات السرية، التي تشكل بعدا مهما في مكافحة الجماعات المسلحة، ثم تسهم هذه القدرة في توفير الأمن وبسط النفوذ، اللذين يساعدان بدورهما على تجدد هذه الدورة من تلقاء نفسها (سبق الإشارة إلى هذه الدورة في المقالة الأولى) في هذه المنطقة وفي المناطق الحدودية، لكنها تعاني بشدة من قلة الموارد وقوة خصمين شديدي الحماسة والتربص. وبينما تعتبر حركة الشباب الجماعة الأكثر نشاطا في جبال كال مادو وبطول الشريط الحدودي، يقيم تنظيم الدولة أيضا معسكرات شبه دائمة في هذه المنطقة الجبلية، حيث تعرف الجماعتان جيدا حقيقة عجز جيش وشرطة صوماليلاند عن تأمينها بسبب قلة الموارد.

ونتيجة لذلك، فقد رسخت كلتا الجماعتين وجوديهما في الأجزاء الجبلية المتاخمة لبونتلاند، حيث تتحرك عناصرهما جيئة وذهابا بين صوماليلاند وبونتلاند بحرية شبه كاملة. كما تحاول الجماعتان بناء علاقات قوية مع المجتمعات المحلية في تلك  المناطق. ولكن تبقى حركة الشباب مصدر الخطر الأكبر في هذه المعركة، وذلك بفضل اقتصادها القوي وتفوقها العددي وبنيتها التنظيمية الأكثر تطورا. ففي أجزاء من جبال كال مادو المتاخمة للحدود مع بونتلاند، تقوم الحركة بتمويل المدارس الدينية وإعادة ترميم مستجمِعات المياه، وشراء رؤوس الماشية للسكان المحليين الذين فقدوا قطعانهم جراء موجات الجفاف العاتية التي ضربت المنطقة مؤخرا.

بوجه عام، تعتبر الأجزاء الحدودية أكثر المناطق التي تعاني فيها ’الدورة الفعالة‘ لحكومة صوماليلاند من حالة ترد شديدة. ومن ثم يكتسب العمل الاستخباراتي على وجه التحديد أهمية خاصة وقصوى، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار الطبيعة الوعرة لهذه البيئة والتي تجعل الوصول إلى أغلب مناطقها أمرا بالغ الصعوبة. رغم ذلك، تبذل صوماليلاند جهودا مضنية في هذه المناطق لمنافسة حركة الشباب على الحكم وتوفير الخدمات الأساسية للسكان المحليين،  وهو ما يعتبراأمرا حيويا لضمان نوع من المشاركة المحلية الموسعة التي من شأنها أن تؤدي إلى توفير عمل استخباراتي فعال. وإذا استمر فشل حكومة صوماليلاند في تطبيق ’الدورة الفعالة‘ التي نجحت في تطبيقها في مناطق أخرى، فإن حركة الشباب، وحتى تنظيم الدولة الإسلامية، ربما يتمكنان من تحقيق اقصى استفادة من نقاط الضعف التي تعاني منها المناطق الحدودية، بل وربما التقدم صوب الشمال، وهو الأمر الأكثر خطورة.

اقرأ أيضا:

الإرهاب في إفريقيا.. كيف تواجه جمهورية صوماليلاند «حركة الشباب»؟ (1)

 تحديات مستقبلية

تبين حالة صوماليلاند ما يمكن إنجازه عندما تتعاون الحكومة بصورة وثيقة مع المواطنين لمحاربة التشدد. كما تبين هذه الحالة أيضا الأهمية المحورية للعمل الاستخباراتي والحصول على المعلومات.

لقد أسست صوماليلاند قدراتها على الحكم وبسط النفوذ على نحو مطرد برغم القيود المفروضة عليها بسبب عدم الاعتراف بها. رغم ذلك – كما هو الحال في المناطق الحدودية – تقصر الجهود الحكومية في تجاوز بعض هذه القيود. ففي هذه المناطق لم تستطع الحكومة حتى الآن تطوير قدرتها على الإدارة وتوفير الخدمات الأساسية. ومن ثم تركز حركة الشباب، وبدرجة أقل تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال، جهودهما في هذه البيئات. ومع ذلك، يبقى من غير المرجح أن تتمكن الحركتان من تجاوز هذه المناطق والتقدم باتجاه أجزاء أخرى من صوماليلاند على المدى القريب أو المتوسط، حيث تتمتع حكومة صوماليلاند بدعم شعبي يصعب تغيير اتجاهه أو حتى مجرد اختراقه.

رغم ذلك، لا يمكن اعتبار حالة الاستقرار والأمن النسبيين في صوماليلاند أمرا مفروغا منه. فكما تشي الهجمات الأخيرة التي نفذتها حركة الشباب على أهداف مهمة في الصومال، فإن الحركة تتمتع بقدرات عالية، كما أنها تطور هذه القدرات على نحو مطرد. ومن ثم فإن حكومة صوماليلاند تواجه تحديات جسيمة من الآن فصاعدا. فوضعها كدولة غير معترف بها يفرض ضغوطا قاسية على ميزانيتها الوطنية، ويكبل فرصتها في الحصول على قروض دولية. كما يثير هذا الوضع قلق المستثمرين بدرجة كبيرة، ويدفعهم إلى الإحجام عن ضخ أموالهم في اقتصاد البلاد. إضافة إلى ذلك، تخوض صوماليلاند صراعات من نوع آخر مع قضايا التغير المناخي  والبطالة، حيث تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب 70%. كما يجب على صوماليلاند أيضا مواجهة تداعيات الحرب في اليمن المجاورة، حيث تحولت صوماليلاند مؤخرا إلى مأوى لأكثر من 25 ألف لاجئ يمني، إضافة إلى نحو 100 ألف مهاجر ولاجئ إثيوبي. كما أدت الحرب في اليمن أيضا إلى زيادة لافتة في تجارة السلاح حيث تمثل صوماليلاند معبرا للأسلحة الصغيرة والمتوسطة القادمة من اليمن إلى القرن الأفريقي وبعض دول شرق أفريقيا التي تصل فيها أسعار الأسلحة إلى أضعاف ما هي عليه في اليمن.

اقرأ أيضا:

الإرهاب في إفريقيا..كيف تواجه جمهورية صوماليلاند «حركة الشباب»؟ (2)

حتى الآن، لم تحقق حركة الشباب نجاحات كبرى في التجذير لنفسها في صوماليلاند، أو الحصول على تأييد او دعم سكانها المحليين. رغم ذلك، ما لم يتحول المجتمع الدولي عن تقاعسه في تقديم المساعدات اللازمة، فإن ’الدورة الفعالة‘ التي تعتمد عليها صوماليلاند في مواجهة التشدد ستصبح في مهب الريح. ويبقى نجاح حركة الشباب في تحقيق الاستفادة القصوى والقفز على الفرص التي ستوفرها حالة عدم الاستقرار هو النتيجة الوحيدة المؤكدة لهذا الصراع.

*هذه المادة مترجمة (باختصار). يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: