فن

محمد رضا.. «معلِّم» الفن.. الذى نال شهادة نجيب محفوظ

تصلح قصة دخول محمد رضا عالم التمثيل لتكون درسا للشباب الباحثين عن تحقيق أهدافهم وأحلامهم، درسا فى الدأب والإصرار والمثابرة والمواصلة والمقدرة الخاصة على التخلص من كل عوامل اليأس والإحباط  ومجابهة العقبات والعثرات، والأمل المستند إلى الجهد والعمل، فكيف إذن دخل ذلك المهندس عالم الفن وكيف أصبح محمد رضا الذى نعرفه؟

 

نداهة الفن وغوايته

اسمه بالكامل محمد رضا أحمد عباس، من مواليد قرية «الحمرا» بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، فى العشرين من ديسمبر عام 1921. ولد لأسرة ميسورة وتلقى تعليمه الأولي ثم حصل على دبلومة الهندسة التطبيقية ليعمل مهندس بترول فى  شركة شل للبترول، ثم تزوج وأنجب ابنته الأولى أميمة.

كانت وظيفته كمهندس بترول تكفل له حياة كريمة هانئة.. إذن ما الذى يجعل مهندس بترول صاحب شنة ورنة ووظيفة مرموقة ودخل ممتاز، يغامر بترك حياته الميسورة إلى حيث المجهول الذى لا يعرفه، وإلى حيث مجال جديد لا أمان فيه ولا تأمين؟
 إنها نداهة الفن وغوايته، إنها الموهبة المتجذرة الأصيلة التى جعلت محمد رضا يبحث ويفتش عن أية فرصة لدخول الفن، هذا العالم الساحر الذى كان يجذبه منذ صغره. ففى المرحلة الإبتدائية كوّن محمد رضا فريق تمثيل، وكان هو رئيس هذا الفريق، وكان يمثل ويبدع ويتجلى فنا وإبداعا على خشبة مسرح المدرسة. وبعد أن أكمل تعليمه وحصل على دبلومة الهندسة  التطبيقية، وعُين بشركة «شل» بالسويس، كان رضا لا يزال يحلم بالفن، ولا يزال يبحث عن فرصة ينتظرها منذ صغره، وقد جاءته فرصة غير مضمونة على أى مستوى. قرأ رضا إعلانا عن مسابقة لاكتشاف الوجوه الجديدة فى مجلة «دنيا الفن»، فقرر أن يسافر من السويس إلى القاهرة فورا للاشتراك فى هذه المسابقة، وكان عليه أن يحصل على إجازة أو تصريح بالسفر، لكنه لم يفعل، وسافر إلى القاهرة وشارك فى المسابقة التي كان أحد أعضاء لجنتها المخرج الراحل الكبير صلاح أبوسيف،  وحصل على المركز الثانى فيها، ثم فوجىء بخطاب من جهة عمله يخبره بفصله من العمل. فلم يحبط رضا ولم ييأس ولم يشعر بالندم، بل شعر بأنه تحرر من الوظيفة التى كانت تعطله عن حلمه.

زقاق المدق

وبعد نجاحه فى المسابقة وفصله من العمل حصل محمد رضا على أدوار فنية صغيرة جدا، وعمل بالمسرح الحر فى عدد من المسرحيات، كما شارك فى فيلمى «الفتوة» و «جعلونى مجرما» بدورين صغيرين. وكانت كل أدواره فى تلك المرحلة المبكرة من حياته الفنيه تنحصر فى أدوار الضابط أوالطبيب ووكيل النيابة.

وبناء على نصيحة من صديقه الفنان توفيق الدقن التحق محمد رضا بالمعهد العالى للفنون المسرحية لاستكمال موهبته وحبه للفن بالدراسة الأكاديمية، ليتخرج منه عام 1953. ثم جاءته فرصة عمره التى مثلت بداية انطلاقته الحقيقية فى عالم الفن حين أسند إليه المخرج كمال ياسين دور المعلم «كرشة» فى مسرحية «زقاق المدق» ليتألق رضا فى أداء الشخصية على أبرع وأبدع ما يكون، وعندما تم انتاج الرواية كفيلم سينمائى، تم إسناد دور المعلم «كرشة» إلى محمد رضا مرة أخرى بعدما أبدع فى أداء الشخصية على المسرح. وبعد عرض المسرحية والفيلم قال أديب نوبل الكبير ومؤلف «زقاق المدق» نجيب محفوظ «إن محمد رضا أدى دور المعلم كما رسمته وبنفس الشكل».

 المعلم رضا

بعد نجاح محمد رضا فى دور المعلم انهالت عليه العروض التى تحصره فى هذه الشخصية، وفى الحقيقة كان للمخرجين الذين حصروه فى هذه الشخصية كل الحق، فـ«محمد رضا» كان يمثل النموذج المطلوب إثباته فى شخصية المعلم كما ينبغى أن تكون، وحين أدرك رضا أنه سيكون الممثل الحصرى لشخصية «المعلم» فى السينما المصرية، عمل كل ما ينبغى عمله من أجل القبض على ملامح الشخصية وإجادتها بحيث يبدو كأنه معلم حقيقى لا يمثل ولا يتصنع .فقد صادق عددا كبيرا من المعلمين من أبناء المناطق الشعبية، وكان يعقد معهم لقاءات فى المقاهى، ليعرف كل جديد يخص الشخصية، كما كان يشرف على تفصيل الملابس التى ترتديها تلك الشخصية الأثيرة لدى أبناء البلد. ولعبقرية أدائه فى تجسيد تلك الشخصية، أعتقد كثير من جمهور المعلم رضا أنه معلم حقيقى، وبعضهم أرسل إليه رسائل بوصفه تاجرا فى وكالة البلح، بينما  ظن كثيرون أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. وفى كل هذا شهادات عظيمة على موهبة رضا الاستثنائية، وعلى نجاحه بامتياز فى تجسيد شخصية المعلم. وربما كانت طبيعته كابن بلد حقيقى خفيف الظل وله احتكاك مباشر بالأوساط الشعبية بل وغرامه بتدخين الشيشة منذ كان يعمل مهندسا، دور كبير فى نجاحه فى تجسيد هذه الشخصية، فضلا عن موهبته التمثيلية بكل تأكيد.
وقد قال محمد رضا عن هذه المسألة: «تأثرت بأولاد البلد الحقيقيين لأنى عشت حياتهم وصاحبت أولاد بلد جدعان».

 موقف على خشبة المسرح

شارك محمد رضا فى عدد كبير من الأفلام و المسلسلات التليفزيونية والمسرحيات، وحصل على البطولة المطلقة فى عدد  قليل من الافلام منها «امبراطورية المعلم – رضا بوند- عماشة فى الأدغال» الذى تمت من خلاله عملية وطنية عظيمة، إذ صُوّر الفيلم فى أبيدجان عاصمة ساحل العاج وتم سفر الأبطال الذى فجّروا الحفّار الإسرائيلى على سواحل ساحل العاج ضمن طاقم عمل الفيلم باعتبارهم مشاركين فيه. وبعد نجاح العملية أبدى محمد رضا سعادته الكبيرة بماحدث.

وشارك المعلم رضا أيضا فى أفلام «الجريمة الضاحكة» و«30 يوم فى السجن» و«بنات حواء» و«فتوات الحسينية» و«سلطان» «وخان الخليلى» و«اضراب الشحاتين» و«معبودة الجماهير» و«البحث عن فضيحة» و«غاوي مشاكل» و«بنت اسمها محمود».
كما عمل محمد رضا فى الدراما التليفزيونية التى نذكر له منها مشاركاته سواء بأدوار البطولة أو الأدوار الثانية فى مسلسلات مثل قهوة رضا، ونجم الموسم، وألف ليلة وليلة ويوميات ونيس، وساكن قصادى الذى تخلى فيه رضا عن شخصية المعلم  التى اعتدناها منه ليقوم بدور سيد الأخضر الذى يجمع بين شخصية المعلم  وشخصية رجل الأعمال. وبالمناسبة أدى رضا  شخصية رجل الأعمال بتألق أيضا فى عدد من الأعمال لعل أبرزها «البيه البواب» وللإذاعة مثل محمد رضا مسلسلى «شنطة حمزة» و«رضا بوند».
أما فى المسرح، فقد شارك محمد رضا فى عشرات المسرحيات وتنوعت أدواره بها ولم تقتصر على شخصية المعلم فقط ونذكر هنا أدواره فى مسرحيات راسب مع مرتبة الشرف و الزلزال، ومن يضحك اخيرا ،ودرويش يتألق فرحا، ويا سلام على كدة ،وابتسامة وراء القضبان.

 أما المسرحية التى ستظل ترتبط دائما بمحمد رضا الإنسان فهى مسرحية «طب وبعدين» التى عُرضت عام 1989. فعقب انتهاء عرض المسرحية فى إحدى ليالى العرض وقبل أن ينتهى الممثلون من تحية الجمهور عرف الحاضرون: أن أميمة ابنه الفنان محمد رضا قد توفيت إلى رحمة الله، وقد أصر رضا الذى كان قادما من السفر فى نفس اليوم، وبعد أن دفن ابنته على  تأدية دوره بشكل طبيعى حتى لا تتعطل المسرحية وحرصا على العمال والفنيين العاملين فى المسرحية»، وهو موقف  صعب ومأساوى بكل تأكيد لكنه الحرص على ألا بفقد العمال أجر يوم فى العمل، وحرص أيضا على إسعاد الجمهور.

غير أن رحيل محمد رضا كان غريبا أيضا، ففى أثناء تصوير حلقات مسلسل «ساكن قصادى»، وكان فى شهر رمضان عام 1995 ذهب المعلم رضا لتصوير مشاهده وكان صائما، وكان أولاده الثلاثة أحمد ومجدى وحسين قد تزوجوا ويعيشون بعيدا عنه، وبعد أن عاد من التصوير وأفطر مع زوجته وحفيدته من ابنته الراحلة أميمة أتصل به مراسل من اذاعة القناة ليجرى معه حوارا عبر الهاتف، وبينما انهمك المعلم رضا فى الإجابة على أسئلة المراسل سقطت سماعة التليفون من يده ليغادر الحياة مشيعا بدموع محبيه الذين أسعدهم بأدواره، فى يوم 21 فبراير عام 1995 الموافق السابع والعشرين من رمضان عام 1417 هجريا.

الفيديو جرافيكس

نص: Belal Momen
تحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: