مختارات

الفِصال للنساء والمساومة للرجال

يحدثنا المستشرق ستنالي لين-بول عن ظاهرة الفِصال في السوق المصري نهاية القرن التاسع عشر في كتابه «الحياة الاجتماعية في مصر .. وصف للبلد وأهلها»، فيقول: «وها هو صاحبنا التاجر يعود حاملا السلعة المطلوبة التي ذهب للبحث عنها فتقبلناها تدريجيا، وبقليل من الحذر، ثم سألناه السؤال المعهود: «كم ثمنها؟» وعادة ما يكون الجواب ضعف الثمن المناسب على الأقل، ثم نرد على ذلك الثمن الباهظ بقولنا: «نعوذ بالله من هذا الثمن الباهظ»، ونقترح شراءها بنصف الثمن المناسب. غير أن صاحبنا يهز رأسه ويبدو عليه القنوط وعدم الرضا، ويقول لنا إنه لم يكن ينتظر مثل هذا القول من أناس مثلنا، ثم يضع سلعته جانبا ويجلس ليدخن سيجارة جديدة، وبعد مساومة أخرى غير مجدية، ننادي صاحب الحمير ونستعد لامتطاء الحمير والرحيل، حينئذ يلين التاجر ويخفض الثمن. ومع ذلك نصر على الرحيل ونأخذ في الابتعاد بالحمير رويدا، فيتتبعنا، ويوافق تقريبا على شروطنا، فنرجع إلى الدكان وندفع الثمن ونتسلم مشترياتنا، ثم ننصرف في طريقنا بعد أن ندعو الله أن يحفظه!

لا شك أن الفِصال ظاهرة مألوفة ومعتادة في عمليات البيع والشراء خاصة الأسواق الشعبية، وهي ظاهرة قديمة ومتجذرة في الثقافات المختلفة، وعادة ما نسأل عندما نذهب للأسواق الشعبية في أي بلد عن الفِصال ومداه. ويمكن القول أن الفِصال يعد ركنا أساسيا من عمليات البيع والشراء والتي قد لا تستقيم في نظر البعض بدونه. وكل من البائع أو المشتري يكونان دائما على استعداد للدخول في هذه العملية التفاوضية، وربما بطريقة مسرحية في كثير من الأحيان حيث يلعب كل طرف دوره المتوقع من الطرف الآخر، فالبائع يطرح سعرا أعلى من السعر الحقيقي لأنه يتوقع أن المشتري سوف يفاصل، والمشترى يتأهب بمهارة التفاوض لأنه يعلم مسبقا بأن السعر المطروح مبالغ فيه. لا شك أيضا أن التحولات الهائلة التي حدثت في عالم الأسواق وظهور سياسات التسعير قد قلصت من مساحات الفِصال، ومع ذلك فإن ثقافة الفِصال مازالت موجودة وشائعة، وخاصة في الأسواق الشعبية.

ويعني الفِصال، لغويا، «فطام الصغير عن ثدي أمه» وهو ما يعني فصله عنها، وبالتالي فإن الكلمة تعني الفصل بين شيئين، وفي المعاملات التجارية يكون الفصل بين سعر يريده البائع وآخر يريده المشتري. ويعني كذلك التفاوض والمساومة، إلا أن الفِصال أحد أشكال التفاوض حيث يرتبط أساسا بعمليات البيع والشراء والتي عادة ما تكون بسيطة، أما التفاوض فهو يعمل في إطار اجتماعي وسياسي أوسع، أي كآلية تتجاوز المعاملات التجارية إلى عمليات اجتماعية وسياسية لعقد شراكات أو اتفاقات أو فض منازعات، وهذه أمور معترف بها ولها نظريات وقواعد. وعندما نصف براعة من يُفاصل فإننا غالبا ما نستخدم تعبيرات شعبية تناسب السياق الذي يحدث فيه الفِصال، ولا نعرف الشخص بأنه «مُفاصل» بل نصف القدرة على الفِصال، فنقول «شاطر أو شاطرة في الفصال»، أما التفاوض فيتم التعبير عنها بلغة تناسب طبيعتها النخبوية فنقول «مفاوض جيد أو بارع». وغالبا ما ترتبط عملية الفِصال بعبارات وأمثال شعبية شائعة مثل: «بين الشاري والبائع يفتح الله»، «الشرا يعلم البيع»، «كل فولة ولها كيال»، «الخسارة تعلم الشطارة»، إلخ.

وعلى الرغم من أن الفِصال ممارسة عامة للرجال والنساء، إلا أنه من الشائع النظر إليه على أنه ممارسة تختص بها النساء أكثر من الرجال. وهذا صحيح لحد كبير ليس بسبب أن الرجال لا يفاصلون، بل بسبب أن النساء هن الأكثر ترددا على الأسواق الشعبية، كما أنهن لا يتسوقن لتلبية احتياجاتهن بقدر ما يلبين احتياجات الأسرة بكاملها، ونتيجة للأدوار الاجتماعية المتوارثة فإن المجتمع النسائي هو الحيز الذي يتم فيه تداول ونقل وتعلم خبرات الفِصال، إلى درجة تحوله إلى عادة وهواية وغواية لدى الكثيرات. ويظل الطرف الآخر في معادلة الفِصال أي الباعة أغلبهم من الرجال. ومع ذلك فإن الرجال يفاصلون كذلك ولكن ضمن حيز أقل من النساء، وكثير من معاملات الرجال تتطلب ما نسميه التفاوض والمساومة أكثر من النساء. وهناك فرضية لا أعلم إن كانت صحيحة أم لا؟ وأقصد إن كانت المرأة هي التي تلعب دور البائعة، فإن قدرة الرجال على الفِصال كطرف مشتر قد تتضاءل.

وباختصار فإن الفِصال ليس مجرد تكنيك اقتصادي، بل له أبعاده الثقافية والاجتماعية وكذلك تلك المرتبطة بالنوع الاجتماعي، فالفِصال للنساء والمساومة للرجال. ويتطلب فهم الفِصال إدراك طبيعته الشعبية، فهو تفاوض ولكن من نوع خاص يختلف عن تفاوض الصفوة والنخب. وإلى جانب كونه ممارسة تهدف إلى تحقيق منفعة، إلا أنه على مايبدو عملية لا تخلو من شغف ومتعة، وخاصة عندما يتم ممارستها كمباراة وتكون نتيجتها مرضية للطرفين، أى عندما تنتهي بالتعادل ورضا الطرفين.

نقلا عن: وطني

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: