منوعات

الإثارة ليست حلا.. كيف تهزم الملل؟

يشعر أغلب الناس فى عصرنا الراهن  بالتعاسة، ليس بسبب قلة إمكانياتهم أو مواردهم، وإنما لجهلهم بمفاتيح السعادة .فقد عاش البشر منذ بدء الخليقة بقيم معينة تطورت جيلا بعد جيل، ولكن مع صعود الحداثة تحللت تلك القيم دون استبدالها بأخرى جديدة، فتشوشت رؤيتنا للحياة وللناس وحتى لأنفسنا.

  وعلى الرغم من أن الإنسان أصبح يمتلك قوة وعلما أكثر من أجداده، إلا أنه لا يجد السعادة التى يبحث عنها حيث يتصور الإنسان المعاصر مفاهيم مغلوطة عن هذه القيمة العظيمة، تجعله يسلك مسارات تزيده تعاسة فوق تعاسته، وعلى رأس تلك  المسارات عدم قدرتنا على الموازنة بين الملل والإثارة.

كابوس الملل

يعتبر الملل مخيفًا للإنسان المعاصر ربما حتى أكثر من الموت، على الرغم من أنه مكون رئيسي من مكونات الحياة، فأعظم الكتب تحتوى على بعض الصفحات المملة، وأهم الأفلام تضم مشاهد مملة، وحتى مباريات كرة القدم ومسابقات الألعاب الأخرى – على اثارتها، فيها أوقات نشعر إزاءها بالملل، كما نال أعظم البشر في التاريخ حظهم من الملل، ولم ينجح أثرى الأثرياء في الهروب منه أيضًا.

 بالطبع الملل ليس له قيمة في ذاته، لكن تحمله يجعلنا نراكم ما يكفي من الخبرات لنبدع وننجح ونتقدم. ورغم أن الملل عدو للإنسان على مر العصور، وربما كان الدافع الحقيقي وراء الحروب والمذابح وحملات الاضطهاد أو حتى المشاحنات مع الجيران، إلا أن أسلافنا كانوا مدركين لطبيعة الحياة بشكل أعمق، وبالتالي لم يكن الملل يمثل لهم مصدر قلق، أما الإنسان المعاصر فيملك وسائل ترفيه وعوامل إبهار تجعله أقل إحساسًا بالملل، لكن أكثر خوفًا منه في الوقت ذاته.

المتع السلبية

يبدأ الأمر منذ الصغر حيث يوفر الأباء لأطفالهم قدرا هائلا من الأنشطة الترفيهية السلبية، التي يتلقى فيها الطفل فقط دون أن يبذل أي مجهود، غير مدركين أن الطفل ينمو بشكل أفضل إذا ترك في بيئته الطبيعية تمامًا كالنبات، وهو ما يجعله يتكيف على أن القاعدة هي أن يمر اليوم برتابة كاليوم الذي سبقه، وبالتالي يبذل مجهودًا ذهنيًا وبدنيًا لكي يستمتع بيومه بطريقته الخاصة دون الحاجة لمؤثرات خارجية مفتعلة، مع وجود أنشطة ترفيهية ممتعة ومفيدة أيضًا ،طالما لم تزد نسبتها عن الحد المعقول.

أما إذا نشأ الطفل على السفر من مكان لآخر ومشاهدة الأفلام والإثارة الدائمة، يكون الناتج جيلا مفككا، يبحث كل فرد فيه عن المتعة التالية دون اعتبار للإنجاز البعيد، وهو ما يعزى إليه ارتفاع معدلات الطلاق، واعتبار الأطفال عبئا وليسوا نعمة، أو حتى توقف العديد من الأطفال عن ممارسة رياضة بدأوا ممارستها بحماس لأن الأمر صار مملًا، حيث أصبح من الصعب على الإنسان المعاصر تحمل رتابة تلك العمليات البطيئة التي لا يمكن جني ثمارها أبدًا دون الصبر والتحمل.

الهروب من الملل

يعتقد العديد من الناس في هذا العصر أن بإمكانهم الهروب من الملل من خلال السعي الدؤوب وراء الإثارة، فإذا كان الفرد مضطرًا إلى العمل فإنه يتحمله ثم يهرب مساءً إلى الإثارة، وكلما ارتفعنا في السلم الاجتماعي كان هذا السعي أكثر حدة، حيث ينتقل الكثير من الأغنياء من بلد لأخرى يرقصون ويشربون الخمر أو حتى المخدرات ظنًا منهم أن تلك الحالة من الإثارة الدائمة سوف تحقق لهم السعادة المنشودة، ولكن تمامًا كالمخدرات ينتشي المرء من كمية بسيطة في البداية، ولكن مع مرور الوقت يحتاج لجرعات أعلى وأعلى حتى يفقد استمتاعه بها تمامًا.

الحياة المليئة بشكل مبالغ فيه بالإثارة مرهقة جدًا، ليس فقط بدنيًا، وإنما أيضًا تولد تبلدا في إمكانية الاستمتاع بأي شييء، وحتى إذا استمتع الإنسان قليلًا بالانغماس في اللهو، فبمجرد انقضاء الأمر يترك في نفسه شعوراً بالخواء والضيق، بينما تترك المتعة المتوازنة التي تأتي بعد فترة من الرتابة إحساسًا حقيقيًا بالسعادة حتى بعد انقضائها، وهو ما يعتبر دافعًا قويًا للإنسان للاستمرار.

ملح «الإثارة»

ينظر الشباب إلى القدوات والنماذج الناجحة ومن أشهرهم اليوم مثلًا «محمد صلاح» معتقدين أن حياته كلها إثارة، ولكن هذه الفرضية مستحيلة لأن الإثارة المفرطة تشتت الذهن ولا يمكن معها التميز، حيث تتطلب الأفكار الخلاقة والمهارات الاستثنائية قدرًا كبيرًا من الهدوء والملل أيضًا، فمن المؤكد أنه يصحو وينام ويخضع لتدريبات بمواعيد صارمة، وبالطبع يلتزم بنظام غذائي وتمرينات يومية لكي يحافظ على مستواه، وكل هذه الأمور مملة، ولكن من الضروري تحملها في سبيل تحقيق إنجاز يمكنه التعويض عن كل هذه الرتابة.

محمد صلاح

تكرار الأفعال مرة بعد أخرى هو الحل الوحيد لتراكم الخبرات وتعلم المهارات، والصبر على رتابة الحياة الزوجية وصعوبات تربية الأطفال هو ما يصنع أسرا عظيمة، كما أن تحمل تمرينات رياضتك المفضلة يمكنه أن يجعلك بطلًا فيها يومًا ما، هكذا هي الحياة الأصل فيها الرسوخ في الأرض من أجل النمو، أما الجري وراء المتع فقط فقد يحولك إلى نبات زينة انتزع من تربته لأنه يعطي شكلا جميلا ولكن مع مرور الأيام يذبل ويموت.

من الطبيعي أن نحاول كسر الملل ولكن مع إدراك أن الإثارة تماثل الملح في تأثيره على الطعام، القليل منها يجعل الوصفة رائعة، أما الكثير فيفسدها، ولذلك فإن تعريف السعادة ليس الاستمتاع فقط -كما يسىء البعض الفهم – فيلهثوا وراء المتع دون الشعور بالسعادة فيعتقدوا أن لا وجود لها، وإنما السعادة توازن ما بين الإنجاز والاستمتاع، النجاح والترفيه.. الملل والإثارة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق