منوعات

أغانى النصر التى هزمت العدوان الثلاثي

في الثالث والعشرين من ديسمبر من عام 1956 أتمت القوات البريطانية والفرنسية الغازية انسحابها من مدينة بورسعيد المصرية بعد أن انهزموا صاغرين أمام مقاومة شعبية بطولية دامت شهورا.

كان العدوان الذى شنته الدولتان الحليفتان -بريطانيا وفرنسا- بالاشتراك مع القوات الصهيونية في سيناء يهدف إلى إجهاض القرار الوطني الذي اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في شهر يوليو من العام ذاته بتأميم شركة قناة السويس.

إلا أن الصمود الأسطوري لشعب مصر- وشعب منطقة القناة بوجه خاص- والذي تجلى في مقاومة أبناء مدينة بورسعيد  للعدوان الثلاثى حال دون اتمام الخطة المتفق عليها بين الحكومات الثلاث.

ومع تزايد الضغط الداخلي المتمثل في المقاومة الشعبية والخارجي المتمثل في موقف كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الرافضيْن للعدوان الثلاثي والتضامن العربي والأممي الواسع لم تجد الحكومات الغازية أمامها خياراً سوى الانسحاب.

أبطال السمسمية

ومع انسحاب الغزاة، بدأت تتكشف أداة استخدمتها المقاومة الشعبية في بورسعيد وكان أثرها لا يقل أهمية عن السلاح ألا وهي الأغاني الشعبية التي جسدت مفهوم المقاومة ومجدت عمليات الفدائيين في تلك الفترة.

فرواد آلة السمسمية، الآلة الموسيقية الأثيرة لدى أهل منطقة القناة، حملوا السلاح دفاعاً عن وطنهم وتزايد عدد المتطوعين منهم في الدفاع الشعبي والحرس الوطني وغيرها من التشكيلات التي تأسست بغرض تعزيز وتنظيم المقاومة.

وفي قلب المعركة، صاغ هولاء الرواد أغانيهم ولحنوها على أوتار السمسمية، فكانوا يحملون السلاح نهاراً ويحملون السمسمية ليلاً ويستخدمون كليهما لمواجهة العدوان.

وتأتى في طليعة الأغنيات التي ظهرت في أعقاب انتصار بورسعيد أغنية «في بورسعيد الوطنية» التي تحتفي بالمقاومة الشعبية وانتصارها، حيث تقول كلماتها:

«في بورسعيد الوطنية

شباب مقاومة شعبية

دافعوا بشهامة ورجولية

وحاربوا جيش الاحتلال».

وتسخر الأغنية من قادة العدوان الثلاثة الذين انتهى تاريخهم السياسي مع هزيمة العدوان وهم بن جوريون رئيس الوزراء الصهيوني وجي موليه رئيس الوزراء الفرنسي وأنطوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني:

«إيدن وبن جوريون وموليه

جايين يحاربونا على إيه

طارت عقولهم ولا إيه

علشان ما أممنا القنال».

وتزامنت أغنيات أخرى بشكل دقيق مع أحداث بعينها شهدتها بورسعيد أثناء المعركة، مثل عملية أسر الضابط الإنجليزي أنطوني مورهاوس الذي ينتمي إلى العائلة المالكة البريطانية وتربطه صلة قرابة بالملكة إليزابيث، حيث تمكن مجموعة من الفدائيين المصريين بقيادة الراحل محمد حمد الله وبمشاركة علي زنجيز وأحمد هلال وآخرين من أسره في عملية جريئة كان الغرض منها مبادلته بأسرى مصريين، إلا أنه لقي حتفه أثناء فترة أسره حيث كان الفدائيون قد وضعوه في صندوق أسفل أحد المنازل في بورسعيد.

ألهمت هذه العملية الشاعر الدمرداش عبد السلام فكتب أغنيته «مورهاوس» التي تقول كلماتها:

«مورهاوس ليه بس جيت

من لندن هنا واتعديت

وبتظلم قال ولا خليت

أهي مُوُتَّك جات جوه البيت».

وتمضي الأغنية لتصف تفاصيل عملية الأسر كما رواها الفدائيون:

«في بلدنا الفدائية شافوك

وتعاهدوا فيها ما يخلوك

وفي تاكسي أسود خطفوك

راح خبرك لأمك وأبوك».

واحتفى الغناء الشعبى بعملية أخرى لا تقل أهمية هي عملية اغتيال ضابط المخابرات البريطاني الميجور ويليامز والذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب قائد المخابرات البريطانية في بورسعيد.

حيث تمكن شاب بورسعيدي لم يتجاوز عمره حينها السبعة عشرة ربيعاً هو سيد عسران من تنفيذ عملية الاغتيال بواسطة قنبلة يدوية أخفاها في رغيف خبز تظاهر بأكله في حين كان يرصد تحركات ويليامز.

ولدى خروج ويليامز من مبنى شعبة البحث الجنائي في بورسعيد تظاهر عسران بتقديم شكوى إليه ليقترب من سيارته وبمجرد أن سمح له ويليامز له بالاقتراب وفتح زجاج نافذته ليتلقى الشكوى، ألقى عسران بقنبلته اليدوية داخل السيارة لتنفجر انفجاراً مدوياً وتودي بحياة الميجور الذي كان مسؤولا عن اعتقال الفدائيين وحماية العملاء.

وكان من الطبيعي أن يلتقط الشاعر البوسعيدي المبدع كامل عيد هذه القصة فيحولها لقصيدة حيا فيها عسران قائلاً:

«واليسر كان متخفي

وعيونه لم ناموا

من بين حطام البيت

والحبسة من خمسة

طلع ولد عفريت

حكم بإعدامه»

رجال خالدون

ومع انسحاب الجيوش الغازية في الثالث والعشرين من ديسمبر، احتفل شعب بورسعيد بانتصاره بأغنية أخرى عزفتها أوتار السمسمية حملت عنوان «سبع ليالي وصبحية» في إشارة إلى الأيام التي قاتلت فيها بورسعيد الغزاة وسبقت مباشرة إصدار الاتحاد السوفيتي إنذراه الشهير لكل من لندن وباريس ، وتقول كلمات الأغنية:

«الفخر لينا مدى الأجيال

حاربنا جيش الاحتلال

سبع ليالي وصبحية»

وتروي الأغنية قصة الاجتماع الذي ضم رؤساء الحكومات الثلاثة في مدينة سيفر الفرنسية واصفة إياه بالمؤامرة:

«كانت مؤامرة إنجليزية

مدبرة وفرنسية

مع العصابة اليهودية

سبع ليالي وصبحية»

وتمضي الأغنية لتروي مدى قسوة الحياة على أهالي المدينة في تلك الفترة:

«سدوا القنال ولا عادش مرور

قطعوا المياه وكمان النور

والعيشة بقت زور في الزور»

إلا أن كافة هذه الظروف لم تفت في عضد المقاومة التي استمرت ضد المحتلين:

«غاروا علينا بأساطيلهم

من البحر تيجي تنزلهم

وإحنا بشجاعة نقاومهم

سبع ليالي وصبحية»

وتسخر الأغنية من الحال الذي انتهى إليه الجندي الإنجليزي الذي جاء إلى المدينة مزهواً متغطرساً وغادرها مرغماً:

«فوق يا إنجليزي العقل معاك

شارب نبيت ولا كونياك

رجعت وشك زي قفاك

من بورسعيد الفدائية».

ورغم توقف الاحتفال بذكرى نصر بورسعيد منذ السبعينات تقريباً، إلا أن الأغاني التي سجلتها السمسمية نجحت في حفظ الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال المتتالية بنضال أسلافهم وأبقت ذكر أبطال المقاومة الشعبية كعسران ومهران وحمد الله وغيرهم خالدا أبد الدهر.

فيلم «أوتار مصرية»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق