فن

من جرأة «الشيخ حسن» إلى واقعية «مولانا».. رجل الدين فى السينما

مبكرا التفتت السينما  المصرية إلى شخصية رجل الدين، وتفاعلت معها، وجسدت علاقتها بالمجتمع وقضاياه. ذلك أن هذه الشخصية بكل ما فيها، هى على المستوى الفنى والواقعى شديدة الثراء دراميا، وتغرى بمحاولة تناولها بشكل متواصل.

وقد قدمت السينما المصرية على مدى تاريخها عشرات النماذج المتنوعة، سواء الإيجابى منها الذى يسعى لنشر الفضيلة وتقويم المُعوج، أو السلبى الذى يستخدم الدين ونصوصه لتبرير ما تقوم به السلطة وتحقيق مكاسب شخصية. وبين هذا وذاك فإن الأمر لم يخل من نماذج «كاريكاتيرية» للأزهرى النمطى التقليدى الذى يتحدث بطريقة تثير الكوميديا، ويبقى فى الذاكرة عدد من النماذج الخالدة فى وجدان المشاهد المصرى من الأعمال السينمائية التى قدمت رجل الدين بكل تجلياته.

فيلم «القضية الشائكة»

فى عام 1952 قدّم الفنان حسين صدقى فيلم «الشيخ حسن» الذى أثار ضجة كبيرة، وكان الفيلم قد خرج إلى النور بإسم «ليلة القدر»، إلا أن الرقابة إعترضت وتم تغيير الإسم إلى «الشيخ حسن». ولم ينج  الفيلم من المنع بعد غضب مجتمعى عارم خاصة من جانب المسيحيين. وقد تناول الفيلم الذى كتبه وأخرجه وأنتجه وقام ببطولته حسين صدقى مع ليلى فوزى قصة حب بين شيخ مسلم وفتاه مسيحية تنتهى بزواجهما وتتصاعد الأحداث التى تنتهى بمصرع الزوجة فى منزل والدها الذى يضطر لتسليم طفلها الرضيع إلى والده الشيخ حسن.

كانت هذه أول مرة تثار فيها مثل هذه القضايا شديدة الحساسية على شاشة السينما، وقد تعرض حسين صدقى لانتقادات حادة بسبب هذا العمل الذى قدم خلاله شخصية الشيخ المتسامح الذى يقبل التعايش مع الديانات الأخرى.

الشيخ .. يحيى شاهين

وفى عام 1954 يجسد يحيى شاهين واحدا من النماذج الإيجابية لرجل الدين حين يقدم شخصية الشيخ حسن إمام المسجد فى فيلم «جعلونى مجرما»، الذى كتب قصته وقام ببطولته فريد شوقى وأخرجه عاطف سالم، ويتناول قصة شاب تدفعه قسوة من حوله الى اللجوء للإصلاحية بعد وفاة والديه وتخلى الجميع عنه. وبعد خروجه ينضم الى عصابة وتربطه قصة حب براقصة ينافسه عمه على حبها، ويتم اتهام هذا الشاب «فريد شوقى» فى جريمة قتل ويُلْقى القبض عليه، لكنه يتمكن من الهرب لكى يقتل عمه الذى يعتبره سببا فى مصيره الذى وصل اليه من ضياع .فيحاول الشيخ حسن خلال أحداث الفيلم تقويم سلوك صديقه الشاب وإعادته إلى الطريق الصحيح. ويبدع شاهين فى أداء مشهد النهاية حين نجح في اقناع صديقه الشاب الذى جعله المجتمع مجرما  بتسليم نفسه لرجال الشرطة، لينتهي الفيلم بينما  بقبول هذا الشاب لنصيحة شيخه مستسلما للنهاية الحزينة.

ويبدو أن الأداء المميز للراحل يحيى شاهين فى تقديم شخصية الشيخ حسن قد استهوى المخرجين، فقدمه حسين كمال  فى فيلم «شىء من الخوف عام 1968» وفيه جسّد شاهين شخصية الشيخ إبراهيم رجل الدين الذى يتصدى مع أهل القرية لظلم «عتريس» «محمود مرسى» ويقود الأهالى إلى منزل عتريس فى تظاهرة ضد الظلم والإستبداد الذى تمثل فى عتريس.

ويعود يحيى شاهين مرة ثالثة ليجسد شخصية رجل الدين وذلك فى رائعة يوسف شاهين و عبد الرحمن الشرقاوى فيلم «الأرض» عام 1970، لكن دور رجل الدين الذى جسده شاهين هذه المرة كان سلبيا وذلك من خلال شخصية «الشيخ حسونة» الذى ترك القرية ونزح إلى القاهرة.. هذا الأزهرى الذى قاوم الإنجليز فى أثناء ثورة 1919 وما قبلها هو نفس الشخص الذى بحث عن مصالحه الشخصية وتخلى عن الفلاحين مقابل أن يحمى أرضه، وغادر القرية سرا تاركا رفاق عمره يواجهون قسوة ووحشية الاقطاع وحدهم. ولعل المشهد العظيم والباقى فى الذاكرة للراحل محمود المليجى وهو يعنف صديقة الشيخ «حسونة» على تقاعسه قائلا «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجاله».

ولعل هذا النموذج – السلبى – فى ظاهره لرجل الدين الازهرى يعتبر أحد أعمق الشخصيات التى قدمت على شاشة السينما. فقد إستطاع صناع العمل الغوص فى تفاصيل إنسانية مركبة وتناقضات صارخة بين ما يجب أن يكون عليه رجل الدين الورع، وبين كونه إنسانا يبحث عن مصالحه الخاصة.

الزوجة الثانية.. الشيخ المبرراتى

فى عام 1967 قدم لنا الراحل صلاح أبو سيف واحدا من روائع السينما المصرية وهو فيلم «الزوجة الثانية» الذى تناول فيه رجل الدين الذى يسخر علمه لتبرير ما تفعله السلطة، وتحول من ناطق باسم الدين الى شيخ «ذرائعى» يسعى لتقديم الفتاوى التى تناسب السلطة ورجالها

وقد أبدع الفنان حسن البارودى فى تقديم هذا النموذج بمهارة غير عادية، وظلت عباراته التى يرددها فى الفيلم ويبرر فيها ما لا يبرر على حساب الدين، راسخة فى ذاكرة المشاهد المصرى والعربى.

تدور احداث هذا الفيلم حول «العمدة عتمان الذى يجبر فلاحا فقيرا هو «أبو العلا» «شكرى سرحان» على تطليق زوجته «فاطمة» «سعاد حسنى» بالإكراه، ويتولى الشيخ «مبروك» تقديم كل المبررات الشرعية لتبرير ما يريده العمدة مستعينا بآيات القرآن والسنة لهذا الغرض .ولن ننسى طريقة أداء البارودى وهو يردد قول الله تعالى «وأطيعوا الله وأطيعوا  الرسول وأولى الأمرمنكم»، ورد أبو العلا عليه قائلا «يا راجل يا كافر يا عديم الدين».

وفى المقابل فإن صلاح أبو سيف أراد خلال الفليم تقديم نموذج إيجابي لرجل الدين لجأت إليه البطلة تسأله عن موقف الدين من الطلاق بالإكراه والزواج بالإكراه، فتأتى فتواه لصالح «فاطمة» قائلا ماتم بالإكراه فهو باطل، لكن هذا الشيخ الإيجابى لم يحظ فى السيناريو بأكثر من كلمات قليلة ومشهد يتيم.

مولانا.. البطولة الأولى

وواصلت السينما المصرية تقديمها لرجل الدين عبر تلك الرؤى المتباينة، حتى قدم المخرج مجدى أحمد علي فى عام 2017 فيلم «مولانا» المأخوذ عن رواية الكاتب إبراهيم عيسى، وقد ينجح الفيلم الذى يتناول حياة رجل دين معاصر. ولأول مرة فى تاريخ السينما يُقدم عمل يدور حول حياة رجل دين يكون هو البطل الأول بعد عقود طويلة كان يقدم رجل الدين فى دور ثان.

ويروى الفيلم قصة صعود الشيخ «حاتم»، الذى دفعته الصدفة لأن يلقى خطبة الجمعة فى حضور كبار المسئولين، ويصعد نجمه بعد هذا الحدث ليصبح واحدا من شيوخ الفضائيات ويصير قريبا من دوائر صنع القرار ورموز الحكم، ويدخل الشيخ «الشهير» الذى يتحول إلى نجم فضائيات طرفا فى صراعات السلطة وحرب تكسير العظام بين أطرافها.

وخلال أحداث الفيلم لا تتوقف الاسقاطات السياسية من جانب صناع العمل، وكأن كل تفاصيل الفيلم تشير إلى واقع حقيقى وشخوص من واقعنا الفعلى.

ويمثل فيلم «مولانا» حالة خاصة جدا فى تناول شخصية رجل الدين، وذلك لأنه تعرضّ للأفكار، وخاض فى تباين التفسيرات الدينية بين رجال الدين، واشتبك مع دعاة التشدد والغلو، كما خاطب هؤلاء الذين يتعاملون مع الدين بروح التسامح والمحبة والإخاء.

وفى نفس العام 2017 يقدم المخرج عمرو سلامة فيلم «الشيخ جاكسون» والذى تناول نموذجا مختلفا تماما لرجل الدين، أو الشيخ الذى يرتبط منذ طفولته بالمغنى مايكل جاكسون ويتقمص كافة حركاته ويتقن رقصاته. ويتسبب موت جاكسون فى تغيير شديد فى شخصيته المركبة حتى أن من حوله اطلقوا عليه الشيخ جاكسون.

كوميديا وتطرف

  كما ذكرنا قدمت السينما المصرية نماذج متباينة لرجل الدين، منها فى كثير من الأحيان ذلك الشيخ الذى لا يخلو من خفة ظل، فنجد الراحل عبد المنعم إبراهيم يقدم الشيخ الأزهرى بطريقته الفريدة فى نطق اللغة العربية. وقد تعددت أدوار عبد المنعم إبراهيم التى تقدم هذا النموذج ومن بينها دوره في فيلم «إسماعيل ياسين فى الأسطول» وفيلم «السفيرة عزيزة» وغيرها من الأعمال التى قدمت رجل الدين أو المأذون الشرعى فى قالب كوميدى.

كما تنوعت الشخصية ما بين رجل الدين الرسمى الذى يكون أزهريا ومعمما فى معظم الأحيان، وبين المتطرف الذى قدمته السينما خاصة خلال حقبة التسعينيات فى إطار مشاركة الفن لمواجهة موجة الارهاب التى ضربت مصر خلال تلك الحقبة. حيث قدمت السينما عددا من النماذج المتعصبة والتى تتبنى العنف ضد المجتمع سواء العنف المادى أو الفكرى و فى مقدمتها فيلم «الإرهابى» لعادل إمام  الذى قدم أيضا مع النجم عمر الشريف فى عام 2008 فيلم «حسن ومرقص» من إخراج رامى إمام وعن قصه ليوسف معاطى وتناول الفيلم بشكل تقليدى للغاية علاقة المسلم بالمسيحى فى دعوة للتعايش والوحدة الوطنية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق