ثقافة

رفعت سلاّم.. فارس الشعر النبيل

وحدها الصدفة، التي جمعتني بالشاعر الكبير «رفعت سلاّم» على طاولة واحدة، سبق أن عرفته عبر أعماله الشعرية وترجماته، عرفته كونه مسئولا عن سلسلة آفاق للترجمة، التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وعرفته عبر صفحات المواقع والصحف. هو اسم علم في المشهد الثقافي، دون أن تسبقه، بلقب شاعر أو مترجم، يكفي أن تقول رفعت سلاّم، لتفتح أبواب الحديث عن تاريخ قديم ومتجدد، لشاعر ومترجم، وصحفي، ولجيل كامل «جيل السبعينيات».

الشاعر رفعت سلاّم

المرة الأولى التي جلست فيها إلى «سلاّم»، كانت بصحبة الشاعر المغربي إدريس علوش، وكعادة الريفي الذي يسكنني، لذت بالصمت في حضرته، كنت استمع منصتا إلى حديثه وسؤاله عن المشهد الثقافي الذي يعرفه حتما عبر علاقاته، الممتدة من المحيط إلى الخليج، عبر قراءاته وقراءة محبيه وتلاميذه وأصدقائه.

الشاعر المغربي إدريس علوش

عرفت بعدها أنه يعيش كـ«فرس جامح»، اعتاد قفز كل الحواجز، حياته تشير إلى وثبات مضادة، تمرد، انقلاب، وانعتاق عما هو مألوف وعادي. خرج وجيله، ليعلنوا تمردهم وثورتهم على القوالب الجامدة، وحبس وتقييد الشعر ومعناه داخل القوالب الجاهزة، انتصروا لما يريدون تأسيسه، فجاءت قصيدة النثر، منجز تمرد جيل السبعينيات، وأولى خطواتهم، فى صراع طويل ومستمر، لينتصروا في نهايتها لمنجزهم، مصريا وعربيا.

 لم يكتف «سلاّم» بتصنيفه كشاعر،وصحفي ومؤسس للقسم الثقافي بوكالة أنباء الشرق الاوسط، فذهب إلى الترجمة، يبحث فيها عن أشباهه من الكبار والقدامى، فقدم لنا مشروعات كاملة لشعراء كبار، أمثال «بوشكين، ماياكوفسكي، رامبو، بودلير، والت ويتمان، كفافيس، وريتسوس». تعود على الانفلات والانعتاق، مما هو عادي وشخصي وقديم.

 

حتى في أكثر الأمور تعقيدا، لم يلجأ  سلاّم أبدًا إلى صوته، ووجوده كشاعر وكمترجم، فضلا عن كونه أبرز رموز المشهد الثقافي، لحل أزمة تبدو أنها خاصة «اعتقال ابنته يارا»، ليجعلها أزمة جيل كامل، هذا ما عاناه «سلام»، على مدى شهور طويلة، وابنته رهينة الاعتقال، نتيجة خروجها وتضامنها مع المتظاهرين، لم يخرج ويطلب من أية سلطة، سواء اجتماعية أو ثقافية، أن تقف إلى جانبه في تلك المحنة الصعبة.

«سلاّم» الذي اعتاد أن يواجه الدنيا بوجه الفارس النبيل، يقول: «المبدع لا يواجه الرقابة الرسمية السلطوية فحسب، بل يواجه أيضًا رقابة هلامية، غير منظورة، من نوع «شعبي»، تبدأ من عمال المطبعة.. ممتدة إلى مَن يمنحون أنفسهم سلطات «المحتسبين» القديمة، سواء عن إخلاص وهمي، أو بحثًا عن شهرة.. والمشكلة تكمن في أن أجهزة الدولة أحيانًا، ما تستجيب لهؤلاء، لأسباب سياسية ظرفية».

يارا سلام

هذا بالضبط ما يعانيه جل مبدعي العالم العربي، في ظل ظروف عصيبة يواجهونها طوال الوقت، بالإمساك بتلابيب الكتابة، التي أخدت أعمارهم، ليضيفوا إلى أوطانهم وشعوبهم، رصيدًا يظل باقيا، حتى بعد الرحيل.

في الفترة التي يتعرض فيها «سلاّم» لوحش المرض، لا يتزحزح عن إصراره وإيمانه بأنه لابد أن يكون للكاتب قيمته وهيبته ومكانته، لا عن ضعف، ولكن من منطلق قوة وسلطة الكلمة، التي عاش بها وعليها.

لا شك في أن ما جرى من تملص المؤسسات الرسمية والنقابية، من الانحياز لحق الكاتب والمترجم والصحفي الكبير، هو ما دفع مبدعي مصر، إلى الدعوة لتأسيس جمعية ترعى كتّابها، وكان لمواجهته وحيدا ومنفردا، كشف كذب المؤسسات، التي تدعي أنها ترعي مبدعيها.

بمرض رفعت سلام، اتضح لنا أن ثمة وجوها حقيقية، ووجوها زائفة، من تلك الوجوه الحقيقية التى أثبتت أن  بإمكانها أن تلعب دورا إيجابيا في المشهد الثقافي، دون مزايدة، أو ادعاء، رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، الذى أعلن تحمل الجامعة تكاليف علاج كاتبنا ومبدعنا رفعت سلاّم.

الدكتور محمد عثمان الخشت

لاشك أن محنة شاعرنا الكبير ، تحولت من مجرد محنة لكاتب، إلى هدف يسعى لتحقيق ما يرجوه كتاب ومبدعو مصر، في حياة آمنة ، وهو ما يدفعنا للقول إن حديثنا عن رفعت سلاّم، ليس حديثا عن مرض أو محنة يواجهها كاتب في حجمه ومكانته، الحديث هنا عن «سلاّم» الأيقونة، التي يجب علينا أن نحتفي بها ونقدمها ونقدرها، ونعطي لها بعض ما تستحق علينا.

رحلة

ولد «رفعت سلاّم»، بمدينة منيا القمح في محافظة الشرقية فى نوفمبر عام 1951، وفي عام 1955 عاد مع أسرته إلى مدينته الأصلية منية شبين في محافظة القليوبية، التحق بجامعة القاهرة عام 1969.

درس الصحافة بها، ثم تخرج فيها عام 1973، ليلتحق بالعمل محررا ثقافيا بوكالة أنباء الشرق الأوسط، وليشارك في تأسيس مجلة «إضاءة 77»، كما أسس مجلة «كتابات» الأدبية، التي نُشرت على صفحاتها للمرة الأولى مصطلح «جيل السبعينيات»، وصدر منها ثمانية أعداد.

صدرت له سبعة دواوين شعرية، منها: «وردة الفوضى الجميلة» 1987، «إشراقات رفعت سلاَّم» 1992، «إنها تُومئ لي» 1993، «هكذا قُلتُ للهاوية» 1995. وترجم عددا من الأعمال لشعراء عالميين أمثال «بوشكين، ماياكوفسكي، رامبو، بودلير، والت ويتمان، كفافيس، وريتسوس».

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: