ثقافة

الجامعات المصرية.. صفحات من تاريخ مصر (2): الحرم الجامعي.. ونهاية عصر الحريم

«كنا خمس فتيات، ظمئت نفوسنا إلى ارتياد مناهل العلم في الجامعة.. غير أننا خشينا إثارة الرجعيين.. أولئك الذين نصبوا أنفسهم حماة التقاليد المزعومة، ورأينا أن نلجأ إلى أستاذنا الدكتور طه حسين بك.. فما أن وقف على رغبتنا حتى وعد بتحقيقها، ونصح إلينا أن نلتزم الصمت ونتجنب إذاعة الخبر حتى لا تخوض فيه الصحف، فيتعذر علينا المسعى.. عملنا بنصيحة أستاذنا.. وفوجىء الرأى العام بنبأ قبولنا في الجامعة.. كان الجو الجامعي غريبا علينا، وكنا غرباء فيه.. كان الجميع يرقبون حركاتنا وسكناتنا، وأينما اتجهنا أحاطت بنا الأنظار، كأننا مخلوقات عجيبة تظهر على الأرض للمرة الأولى» من شهادة الدكتورة «نعيمة الأيوبي» -المنشورة بالكتاب العاشر من سلسلة «أمكنة» (سبتمبر 2010)-والدكتورة نعيمة هى واحدة من خريجات الدفعة الأولى من النساء المصريات اللاتي التحقن بالجامعة المصرية بعد أن أصبحت الدراسة بها نظامية عام 1928م وهن: «نعيمة الأيوبي، سهير القلماوي، فاطمة سالم، زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي».

الدفعة الأولى من خريجات الجامعة

أفتُتُحت «الجامعة المصرية» رسميا في 21 ديسمبر (1908) بحفل أقيم بقاعة مجلس شورى القوانين، حضره الخديوي عباس حلمى الثاني بدعوى من رئيس الجامعة الأمير أحمد فؤاد، كما حضره عدد كبير من رجال الدولة والسلك الدبلوماسي والأجانب وبعض رجال الدين وعلى رأسهم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية.

بدأت الدراسة منذ ذلك اليوم على نطاق ضيق عبر إلقاء عدد من المحاضرات بقاعات متفرقة كان يعلن عنها بالصحف اليومية كقاعة «مجلس شورى القوانين» و«نادي المدارس العليا» و«دار الجريدة» حتى انتظمت تلك المحاضرات فيما بعد واتخذت لها مكانا بسراي الخواجة «فستورجناكليس» بأول شارع القصر العيني، وهو ذات المكان الذي شغلته إدارة الجامعة الأمريكية بالقاهرة عند تأسيسها ومازال تابعا لها حتى اليوم، ولعجز الجامعة عن الوفاء بتكلفة الإيجار انتقلت إلى سراي «محمد صدقي باشا» بالفلكي، ثم إلى «قصر الزعفران» بالعباسية، مقر إدارة جامعة عين شمس حاليا، حتى انتهى بها المطاف للمقر الحالي لجامعة القاهرة بالجيزة.

الملك فؤاد يفتتح الجامعة المصرية

قسم الطالبات

كان تأسيس «الجامعة المصرية» بمثابة نبتة أولى غرسها دعاة التحديث في مصر مع بدايات القرن العشرين.. تُرى هل كان للنساء المصريات فى ذلك العصر الذي كان يوصف بكونه «عصر الحريم» نصيب في الدعوة لذلك المشروع ومن ثم تدعيمه والإفادة منه؟ من كان وراء تلك الدعوة لإلحاق النساء بالتعليم الجامعي؟ ومن هن المبادِرات اللاتي إلتحقن «بالجامعة المصرية» عنذ ميلادها الأول؟ وكيف استقبلهن المجتمع المصري آنذاك؟

عقب الإعلان عن تأسيس «الجامعة المصرية» تجددت الدعوات المطالِبة بضرورة إتاحة الفرصة للنساء المصريات للإلتحاق بالتعليم، تلك الدعوات التي كانت قد بدأت على يد «رفاعة الطهطاوي» ومجموعة من الصحفين الشوام وذلك قبل مناداة «قاسم أمين» بحق المرأة في التعليم، ويذكر أن نسبة الفتيات المصريات اللاتي كن قد تم تسجيلهن بالكتاتيب التي تشرف عليها الحكومة في عام (1898) قد بلغ حوالي 10% من نسبة عدد الملتحقين بتلك الكتاتيب.

في ذات السياق كان الشيخ «محمد عبده» يؤيد تعليم المرأة ويساند فكرة تأسيس «الجامعة المصرية»، غير أن تلك الأفكار لم يتم التعامل معها بجدية إلا مع دعوة «قاسم أمين» المطالبة بتحرير المرأة وحقها في التعليم إلى جانب مناداته بأهمية العمل على تأسيس «جامعة مصرية» تلك الدعوات المستمرة هى ما نجم عنها تشجيع عدد من النساء على الإلتحاق بالجامعة مع بداية إفتتاحها، ويشير دونالد مالكوم ريد في كتابه «دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة» إلى أن العام الدراسي الأول الذى كانت الدراسة به عبارة عن محاضرات عامة غير منتظمة قد شهد حضور واحد وثلاثين طالبة مع الطلاب منهن ثلاثة مصريات، ولم تنته سنة (1909) إلا وكان هناك 35 سيدة مصرية قد خرجن لحضور عدد من المحاضرات التي جاءت تحت عنوان «سيكولوجيا وأخلاق المرأة» التي ألقتها الأستاذة «لوكر كوفرير» بترشيح من السيدة «هدى شعراوي»، كما حاضرت «ملك حفني ناصف» عددا من المحاضرات، ومن ثم تم تكليف السيدة «كوفرير» بتأسيس قسم خاص بالطالبات، ساعدتها فيه سيدتان سوريتان هما السيدة «رحمة صروف» ومن بعدها السيدة «لبيبة هاشم»  اللتان أسستا عددا من الصحف المصرية.

وقدأثار تأسيس قسم خاص بالطالبات ضجة كبرى لدى العديد من الصحف المصرية التي انقسمت ما بين مؤيد ومعارض كان منها صحيفة «الأهرام» التي أشارت في 8 يناير (1910) إلى ما أثارته تلك المحاضرات النسائية من جدل: «أحدثت المحاضرات النسائية التي تلقيها الأستاذة كوفرير في الجامعة المصرية دورا خطيرا في منازل المتعلمات وبين السيدات والعقائل الكريمات» غير أن هذا القسم النسائي سرعان ما أثار حفيظة بعض المتزمتين فكانوا يتجمعون أمام الجامعة في محاولة لمنع الطالبات من الحضور لمنافاة ذلك للآداب العامة من وجهة نظرهم، كما تعرض عبد العزيز فهمي سكرتير الجامعة للتهديد بالقتل لإرساله خطابات لدعوة النساء للإلتحاق بالجامعة، ومع تصاعد حركة الإحتجاج على تأسيس قسم الطالبات أُضطرت الجامعة إلى إيقاف هذا القسم في (1912).

الجدير بالذكر أن معارضة إلتحاق الطالبات بالجامعة لم تأت من الأزهريين فقط، ولكنها أتت إلى جانب ذلك من بعض رموز ما يطلق عليهم «الأفندية» المتعلمون.

الأميرة فاطمة  

مع نهاية (1913) تعثر مشروع تأسيس «الجامعة المصرية» نتيجة العجز المالي الناجم عن تخلي الأمير فؤاد عنها، ومن ثم قررت الأميرة فاطمة بنت إسماعيل باشا تخصيص عدد من الأفدنة «كوقف» للإنفاق على الجامعة، مع تخصيص ستة أفدنة بالجيزة لبنائها، و18 ألف جنيه لإقامة البناء، وهو ما دعا طه حسين إلى إمتداحها شعرا خلال زيارة وفد من الجامعة لقصرها عقب عودتها من رحلة خارج البلاد:

«سلي مصر إذ أقبلت كيف ابتهاجها       بمقدمك السامي وكيف سرورها

  وكيف ازدهاها البشر حين دنا لها          يحدثها أن قد دنوت بشيرها

   سليها تحدثك اليقين فما حدا               بنا نحو هذا القصر غير شعورها»  

وقد تم وضع حجر أساس«الجامعة المصرية» بالجيزة في 28 مارس (1914)، وفي 4 مايو (1914) تم عقد امتحان علني للدكتوراه بقسم الآداب «لطه حسين» في رسالته التي تقدم بها حول «حياة أبي العلاء المعري» لتصبح تلك الرسالة أول رسالة دكتوراه تجاز من قبل «الجامعة المصرية»، وتعد كلية الآداب التي تأسست في (1911) بمثابة النواة الأولى للجامعة وهى ذات الكلية التي احتضن عميدها «طه حسين» أول مجموعة من النساء إلتحقن «بالجامعة المصرية» للحصول على الشهادة الجامعية في (1928) ذلك التاريخ الذي يصفه الدكتور «لويس عوض» في كتابه «الجامعة والمجتمع الجديد» بكونه التاريخ الرسمي لنهاية «عصر الحريم».

طه حسين

نهاية عصر الحريم

تعامل البعض مع إغلاق قسم الطالبات «بالجامعة المصرية» في (1912) بإعتبار أن «عصر الحريم» قدرٌ قد خط على جبين النساء المصريات، غير أن اندلاع ثورة (1919) كان بمثابة الفرصة الذهبية لعودة النساء المصريات للمجال العام، حيث خرجت ما يقرب من ثلاث مائة سيدة مصرية يطالبن بالإستقلال والإفراج عن سعد زغلول ورفاقه عبر مسيرة طافت ببعض شوارع القاهرة، حرص «سيد درويش» على توثيقها فتغني بأنشودته الخالدة: «ياما شفنا من الستات خرجوا وعملوا مظاهرات».

جاء دستور (1923) لينص على أن «تعليم البنات إلزامي مثلما هو بالنسبة للبنين» بيد أن تطبيق ذلك البند من الدستور قد نُفذ ببطء شديد، فحين شقت سهير القلماوي ورفيقاتها مع قرب نهاية العشرينات من القرن الماضي الطريق نحو الإلتحاق بالجامعة المصرية كانت نسبة الأمية لدى النساء المصريات حوالي 96%، ولولا الدعم الذي قدمه «طه حسين» لهن وإيمانه بحقهن في الحصول على فرصة التعليم الجامعي ربما كان تأخر إلتحاقهن عددا لا حصر له من السنوات، وذلك على الرغم من عدم رفض مدير الجامعة أحمد لطفي السيد لإلتحاق الطالبات بالجامعة.

في غضون عام أو اثنين من دعم «طه حسين» لسهير القلماوي ورفيقاتها للإلتحاق بالجامعة، قبلت كليات الحقوق والعلوم والمدرسة العليا للتجارة -التي كانت في حينها ما زالت مستقلة عن الجامعة المصرية- إلتحاق الفتيات بصفوفها، أما كليات الهندسة والزراعة والطب البيطري فلم تلتحق الفتيات بها حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب ثورة يوليو (1952) بالتحديد في (1953) سقط آخر معقل كان مقصورا على تعليم الذكور فقط «بجامعة القاهرة»، حين التحقت الفتيات بكلية دار العلوم، وهو ما قد مثل تحديا أمام جامعة الأزهر التي أضطرت بضغط من  الرئيس «جمال عبد الناصر» في (1962) أن تفتح أبوابها أمام تعليم الفتيات، لينتهي بذلك – وبشكل تام – «عصر الحريم» ولتبدأ المرأة المصرية مرحلة جديدة من مراحل التطور والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

طالبات بكلية الآداب 1950

غير أن رحلة إلتحاق النساء المصريات بالجامعات المصرية لم تكن بالأمر اليسير ولعل وصف نجيب محفوظ لمشهد الفتيات بالجامعة المصرية بأحد رواياته لهو بالأمر الدال على مدى الصعوبات التي واجهتها المرأة المصرية آنذاك: «كانت الزميلات عام 1930 قلة لا يتجاوزن العشر عدا. وكان يغلب عليهن طابع الحريم، يحتشمن في الثياب ويتجنبن الزينة ويجلسن في الصف الأول من قاعة المحاضرات كأنهن بحجرة الحريم بالترام. لا نتبادل تحية ولا كلمة».

غير أن ما قدمه نجيب محفوظ من وصف للفتاة المصرية في بداياتها الجامعية لم يدم طويلا فسرعان ما تخرجت «سهير القلماوي» و«فاطمة سالم» لتصبحا من رائدات العمل الأكاديمي بالجامعات المصرية حيث تم تعيينهما بالجامعة في (1937)، ومن ثم تبعتهما «عائشة عبد الرحمن» التي تم تعيينها بجامعة عين شمس في خمسينيات القرن الماضي وهكذا توالت الرحلة.

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق