فن

في ذكرى ميلادها.. ثمانون قصيدة في حب كوكب الشرق

حسب معظم المؤرخين، فنحن في شهرنا هذا نحتفل بالذكري الـ 121 لميلاد كوكب الشرق أم كلثوم، حيث ولدت في 31 ديسمبر من العام 1898، وإسهامًا في الاحتفال بتلك الذكري نقرأ معًا كتاب «أم كلثوم في الشعر العربي» لمؤلفه الباحث الدكتور إبراهيم عبد العزيز أبو زيد أستاذ مساعد مادة البلاغة والنقد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية.

حظي هذا الكتاب الصادر عن الهيئة العامة للكتاب بمقدمة طيبة جدًا كتبها الأستاذ الدكتور أيمن تعليب الذي قرأ مكانة الغناء عند العرب القدماء والمعاصرين بشرط أن يكون الغناء فنًا صحيح البدن سليم القلب. ثم جاء دور المؤلف الذي صنع شيئًا لم يسبقه إليه أحد، بل تعجز مؤسسات عن القيام به.

قام المؤلف الدكتور إبراهيم عبد العزيز بحصر كل القصائد التي كتبت عن أم كلثوم على مدار ثمانين عامًا كاملة.كان الدكتور إبراهيم متحفظًا في تقرير مبدأ حصر القصائد، فقال إنه حصرها على قدر جهده وفي حدود علمه، وهكذا يكون العلماء الجادون الذين لا يفاخرون بإنتاجهم وإن كان يستحق التمجيد والتعظيم.

سيرة الست

هل أم كلثوم مطربة كغيرها من المطربات، يجري عليها ما يجري عليهن من أحكام؟.. سؤال رأى المؤلف أنه قد يطرأ على عقل قارئه فبدأ كتابه بتقديم إجابة لافتة.

أم كلثوم عند الدكتور إبراهيم ما هى إلا سيرة شعبية، والسير الشعبية لا تعتمد إلا على جزء يسير من الحقيقة، ثم تقدم الشعوب إنجازها في تكريم صاحب السيرة. وساعتها ليس لك أن تتحدث عن مطابقة إنجاز الشعب لحقائق التاريخ. فالتاريخ الرسمي مثلا يقول: إن رجلًا مثل أدهم الشرقاوي كان قاطع طريق وخارجا على القانون لا أكثر ولا أقل. ثم جاءت الأمة فقامت بالاعتماد على حقيقة واحدة، وهى وجود شخص يحمل اسم أدهم الشرقاوي، ثم لجأت إلى مخيلتها فصنعت منه البطل الشعبي الذي ما يزال ذكره يجري على الألسن.

 وهكذا جرى الأمر مع أم كلثوم، فقد رأت الأمة أن تكافئ عبقريتها فجعلت منها بطلة شعبية، تضفي عليها مكارم البطولة وتصفِّي حياتها من الشوائب التي تعلق ببني الإنسان، بل تتسامح مع الأخطاء التي وقعت فيها أم كلثوم. فعندما عقر كلبها مواطنًا وأصبح الأمر منظورًا أمام الجهات الرسمية، فإن النيابة قد حفظت القضية بعد تعويض المواطن وجاء في حيثيات الحفظ: «إن أم كلثوم إذا أخطأت مرة فقد أحسنت مرات، وإذا نسب إليها الإهمال في واقعة، فكم نسب إليها من جلائل الأعمال وروائع الخدمات».

يقارن المؤلف بين سيرة «الأميرة ذات الهمة» وبين سيرة أم كلثوم فيجد قرابة مدهشة. فوالدا الفتاتين كانا يحلمان بأن يولد لهما ذكر، والد ذات الهمة كان يريد ولدا يحفظ عرش ملكه، ووالد أم كلثوم كان يريد ولدا يحفظ له عرش الإنشاد الديني.

الفتاتان اسمهما الأصلي فاطمة، وقد ولدتا في ظروف دينية لها اعتبارها، فمؤرخو حياة أم كلثوم يقولون: إن ليلة مولدها كانت ليلة القدر، وقد كان والدها معتكفًا في المسجد فأخذته سِنة من النوم رأى فيها السيدة أم كلثوم ابنة رسول الله. ثم صعدت الفتاتان رغم معاكسة الظروف، فقد وقعت الأميرة ذات الهمة في بدايات شبابها في الأسر وأصبحت من السبايا ثم قهرت العدو بفروسيتها. وكانت المغنيات قبل أم كلثوم كالجواري، فحررت أم كلثوم كل المطربات، وصعدت هى حتى حازت لقبًا رسميًا هو «صاحبة العصمة». وقد كرمتها الدولة منذ عهد الملك فؤاد الأول وحتى رحيلها في عهد الرئيس السادات.

يقول المؤلف: «إن المكانة الرفيعة التي وصلت إليها أم كلثوم كانت بفضل مثابرتها وجهدها في محراب الفن، حيث بدأت مسيرتها الفنية ضمن طوائف المغنين في فترة من الزمان لم يكن فيها الغناء دارجا بين النساء، وكان الناس يربطون هذه المهنة بالإماء وغيرها مما تختزنه الذاكرة المشتركة من صورة سلبية حول المرأة الفنانة، لكن أم كلثوم استطاعت بفضل «نزالها في معركة الغناء» أن تغير النظرة الدارجة تلك، بصوتها وما أدته من الأغاني سواء في الحب أو الأغاني الوطنية جعلها تلقّب لاحقا بالمجاهدة في دعم صفوف الجيش بالغناء».

كأني بالمؤلف يريد الجزم بأن أم كلثوم تستحق أن تكون ملهمة لشعراء تعاقبوا على مدار ثمانين عامًا.

ديوان أم كلثوم

عندما يمدح المتنبي فإنه يمدح سيف الدولة أو بدرا بن عمار أو كافور، فكلهم بين ملك وأمير، وكذا كان كل الشعراء يمدحون العظماء من الملوك أو قادة الميدان، فمن تكون أم كلثوم لكي تحظى بديوان كامل يخلد حتى آهاتها؟… سبق للمؤلف أن قدم الإجابة، أم كلثوم هى بطلة سيرة شعبية لا تملك لأحد ضرًا ولا نفعًا ولا تستطيع إجبار أحد على أن يحبها ويمدحها، لكنها بفنها العبقري أسرت القلوب والعقول فتدفق الشعر مخلدًا لها حتى بعد رحيلها بعقود. من السودان جنوبًا إلى سوريا شمالًا ومن موريتانيا غربًا إلى البحرين شرقًا، كتب الشعراء العرب قصائدهم عن أم كلثوم، ثم هناك شعراء ليسوا عربًا، من تركيا وباكستان

وفي هذا رصد المؤلف ثمانين قصيدة تشكل ديوانًا قائمًا بذاته يحق لنا تسميته بديوان أم كلثوم. يبدأ المؤلف في ذكر القصائد بنصوصها الكاملة، فيقف مع أحمد رامي فيقول: «إن أحمد رامي هو أبرز شاعر عرف الجمهور قصائده عبر صوت أم كلثوم بل إن دارسي شعره تعاملوا مع قصائده كلها بوصفها قيلت في أم كلثوم أو على الأقل ارتبطت بها بشكل أو بآخر حيث كانت ملهمته». عاد رامي من باريس يوم 21 يوليو 1924 وبعد ثلاثة أيام استمع إلى أم كلثوم وهي تغني قصيدته (الصب تفضحه عيونه) التي لحنها الشيخ أبو العلا محمد، فطرب لها وكتب فيها قصيدة عنوانها (إليها) ويقول في مطلعها: «صوتك هاج الشجو في مسمعي/ وأرسل المكنون من أدمعي». أما آخر ما كتب رامي في أم كلثوم فقصيدة رثاء بعد وفاتها عام 1975 يقول في مطلعها:

«ما جال في خاطري أني سأرثيها

 بعد الذي صغت من أشجى أغانيها

فقد كنت أسمعها تشدو فتطربني

 واليوم أسمعنى أبكي وأبكيها».

بعد رامي جاء دور أمير الشعراء أحمد شوقي، ويسجل المؤلف أن شوقي كتب أولى قصائده في أم كلثوم في افتتاح معهد الموسيقى الشرقي بالقاهرة يوم 26 ديسمبر 1929، حيث خاطب ملك مصر آنذاك أحمد فؤاد قائلا: «لما بنيت الأيك واستوهبته / بعث الهزار وأرسل الورقاء» قاصدا بالهزار محمد عبد الوهاب وبالورقاء أم كلثوم.

ويقول المؤلف: إن شوقي ذكر اسمها صريحا عام 1931 في قصيدته (سلوا كؤوس الطلا) التي كانت من بين بضع قصائد له غنتها أم كلثوم بعد وفاته. ويقول شوقي في مطلع هذه القصيدة: «سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها.. واستخبروا الراح هل مست ثناياها»

ثم جاء ذكر أم كلثوم صريحًا في قوله:

«سل أم كلثوم من بالشرق طارحها.. ومن وراء الدجى بالشوق ناجاها

 يا أم كلثوم أيام الهوى ذهبت كالحلم.. آها لأيام الهوى آها».

ومن بين مشاهير وعمالقة الشعر العربي في مصر يتوقف المؤلف عند قصيدة العقاد فيقول: إن العقاد الذي لم تغن له أم كلثوم شيئا، كتب قصيدة عنوانها أحد ألقاب أم كلثوم (كوكب الشرق) بمناسبة عودتها من مستشفى البحرية الأمريكية بعد أن أجريت لها عملية الغدة الدرقية عام 1949. وألقى العقاد قصيدته يوم 19 نوفمبر 1949 في حفل بمعهد الموسيقى العربية ويقول في مطلعها:

«هلل الشرق بالدعاء.. كوكب الشرق في السماء».

عباس العقاد يتحدث عن أم كلثوم

ابن شيخ الإسلام

إذا كان من المنطقي أن تفتن أم كلثوم الشعراء المصريين، فمن العجيب ان يفتن بها شاعر تركي. الدكتور إبراهيم عبد العزيز أورد أبياتا من قصيدة الشاعر التركي إبراهيم صبري ولكنه لم يعلق عليها، فرأيت أن أعتمد على مقال قديم كتبه الأستاذ محمد الخولي تناول فيه الشاعر وقصيدته. يقول الخولي إن: «الأستاذ إبراهيم صبري عاش في مصر في كنف والده الشيخ مصطفى صبري آخر من تولى منصب مشيخة الإسلام في ظل الدولة التركية العثمانية، وقد لجأ الى مصر عام 1923 فرارا من بطش الكماليين الذين هدموا امبراطورية بنى عثمان في إسطنبول وقد عمل الأستاذ ابراهيم صبري أستاذا للغات الشرقية في جامعة الإسكندرية وكان صديقا للعلامة محمود شاكر عليه رحمة الله، يخلو إلى بيته الواسع في القاهرة ويستمع إلى أم كلثوم فلاحة الدقهلية، في إحدى زيارات إبراهيم صبري لبيت الشيخ شاكر بلغت نشوة الطرب بالشاعر التركي المتمصر الحد الذي دفع الشاعر الى تدبيج قصيدة باللغة التركية نشرتها مجلة (الرسالة) في 26/10/1942 ورغم أن الرسالة قدمت القصيدة بقولها إنها من ترجمة الأستاذ محمود شاكر، إلا أن الأستاذ رجاء النقاش يلاحظ أن محمود شاكر لم يكن يعرف التركية وأغلب الظن في رأيه أن أحد العارفين بالتركية ترجم معانيها وقام محمود شاكر بصياغة الترجمة صياغة أدبية رقيقة وجميلة. القصيدة التركية حملت عنوان (ذكرى أم كلثوم) وجاء فيها:

«أم كلثوم.. قصيدة وردية انسكبت من أباريق اللحن في أرواحنا. حين تأخذني سكرة الإبداع أجد قلبي نشوانا وتذهب أعصابي في إغفاءة هادئة لفرط ما سكرت بهذا الصوت.

أراني أصل بخيالي إلى القمر حيث أصادف ألحانا من عالم السحر والجمال وفي القمر يرفقني صوت أم كلثوم حيث النور الشفاف.. صوت يغرد كشدو البلبل في ربا الجنات».

الشيخ محمود شاكر

وكانت للفن سماء

ومن تركيا إلى العراق حيث قصيدة معروف الرصافي التي ألقاها يوم 15 نوفمبر 1932 في مسرح الهلال ببغداد حيث غنت أم كلثوم حين زارت العاصمة العراقية.

وفيها يقول الرصافي:

«أم كلثوم في فنون الأغاني

أمة وحدها بهذا الزمان

 هي في الشرق ربة الفن

فما أنْ للفن رب ثان».

 ومع الرصافي هناك قصائد لجميل صدقي الزهاوي وجواد الشبيبي ومحمد بهجة الأثري وإبراهيم الباجه جي وبدر شاكر السياب الذي يقول في قصيدته:

«وأشرب صوتها

 فيغوص من روحي إلى القاع

ويشعل بين أضلاعي غناء من لسان النار»

أما الأعجب فهو أن يفتتن شاعر إسرائيلي بأم كلثوم، حيث يورد المؤلف نص قصيدة كتبها الشاعر الإسرائيلي «روني سوميك» بالعبرية عن أم كلثوم وترجمها إلى العربية سلمان مصالحة وجاء فيها:

كانت ترتدي فستان سهرة أسود

وشواكيشُ صوتها تضربُ مساميرَ فولاذيّة

في الكوعِ المُسند على طاولة المقهى

   في ساحة «سطرومة».

«عوّدت عيني على رؤياك

وإن مرّ يوم من غير رؤياك

ما ينحسبش من عمري».

أمّا أنا فجئتُ ومَحوتُ نسرًا كبيرًا رُسمَ بالطباشير

على قطعةٍ من غيوم

رفرفتْ تحت جناحيه خرقةٌ مطرّزة

أوثقها، بعد سنين، بعروة بنطالِه

طبّاخُ القاعدة العسكريّة في بئير أوره.

طلبتُ منه بعض حبّات من البرتقال،

وفي آلة التّسجيل اسودّ فستانُها مرّةً ثانية.

أغمضَ في عينيهِ أبخرةَ الغداء، وقشّرَ حبّاتِ البطاطا.

مَنْ ذي الّتي تُغنّي، حاولتُ الاستفسار، أمّ كلثوم؟

هزّ هو رأسَه.

من طرفه، بِوُسْعي أن أسرقَ المطبخَ بأسْرِه».

ويختم المؤلف ديوان أم كلثوم بقصيدة كتبها الشاعر أحمد عنتر مصطفى في العام 2004 يقول فيها:

«سيدة من أعماق الدلتا

غمرت كل بقاع الأرض

بإيقاع البهجة

جعلت لليل مدارات أخرى

خاصرها النجم

وراقصها الحلم

وكانت للفن سماء».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: