فن

من «مسقعة» سعاد حسني إلى «طعمية» علي الشريف.. دراما الأكل في السينما المصرية

  كان الطعام أو الأكل حاضرا في العديد من أفلام السينما المصرية سواء لأبعاد درامية أو لأغراض أخرى. وبينما قدمت بعض الأفلام مشاهد الطعام كمفتاح درامي شديد التأثير والدلالات الدرامية والتعبيرية، قدمتها أفلام أخرى بشكل عبثي ساخر، لا طائل درامي من ورائه، اللهم إلا رغبة صناع الفيلم فى استغلال الطعام لأغراض كوميدية.

 لكن فكرة «الأكل» فى حد ذاتها تبقى واحدة من مكونات الأعمال السينمائية والدرامية بشكل عام، سواء في مصر أو غيرها، وهي فكرة نركز هنا على الأفلام التى تناولتها بطريقة جادة وذكية.

أسماء وأغنيات

هناك أفلام تمت تسميتها بأنواع من المأكولات الشهيرة، مثل أفلام: «كابوريا» و«استاكوزا» لـ أحمد زكي، و«أيس كريم في جليم» لعمر دياب، و«أفواه وأرانب» لفاتن حمامة، و«عسل أسود» لـ أحمد حلمي. و«قشر البندق» لحميد الشاعري وغيرها الكثير.

كما أُستخدم الأكل كثيرًا في أغاني سينمائية شهيرة، مثل أغنية «شطة» و«أزأز كابوربا» في فيلم كابوريا، تلك الأغنية التي تتناول أسماء الأطعمة، حيث استطاع الملحن والممثل «حسين الأمام» توظيفها دراميا للدلالة على حالة البطل في الفيلم الذي أصبح ذاته أكلة على موائد الأثرياء. وكيف صار المواطن البسيط لقمة سائغة في فم الرأسمالية الجشعة، أما في الأغنية الشهيرة «قشر البندق حبوه، أكلوه» من فيلم «قشر البندق» نرى المواطن البسيط على الهامش ولا قيمة له كقشر الثمار.

 وفى الأفلام القديمة لا أحد ينسى الأغنية العظيمة فى فيلم «دهب» أدي نصيبك وأدي نصيبي، والتي تعبر عن الحرمان والجوع في قالب فكاهي أكد بؤس الشخصيات وأثرها دراميًا، وأظهر قدرتهم على التحايل على ما يمرون به من فقر وجوع بالغناء والموسيقي، وذلك عندما يذهب «أنور وجدي» والطفلة «فيروز» للبقال «شفيق نور الدين» ولأنهما يتضوران جوعا، فهما يقومان بالنصب عليه في خفة ظل جميلة من خلال تقسيم قطعة الجبن بينهما والتهامها فى مشاهد خفيفة جعلت تلك الأغنية تعيش في ذاكرتنا السينمائية.

أما فى مضامين الأفلام، فقد يُبرز الأكل ناحية درامية مهمة. فإذا حاولت أن تبحث عن طعم البؤس، فلن تنسي مشهد «سعاد حسني» وجوعها في فيلم «شفيقة ومتولي»، حين نشاهد «شفيقة» ذاهبة إلى المولد وجيوبها خاوية وتنظر كالمهووسة أوالمجذوبة إلى كل شيء حولها، إلى أن تقف أمام «صينية البسبوسة» والتي تمتد أمامها كحديقة من الإغواء، فتتحجر عيناهاعليها، وقد بدا عليها الفقر والحرمان العظيم، وهي التي لم تذق البسبوسة طوال حياتها، وتتقاطع  اللقطات بين عينيها وشفتيها، وبين صينية البسبوسة، والتي تمتد إليها سكين الحلواني لتقطيعها، وهو ما سيحدث لها – كإنسانة مستلبة –  عندما تصبح هي «صينية البسبوبة» التي يقوم بتقطيعها وتمزيقها الرجال طوال أحداث الفيلم بعد ذلك. و ينتهي المشهد بأن ترتعد «شفيقة» وتخاف ويتملكها العجز بعد الفقر، فتخفض عينيها وتكمل رحلة عذاب تكتوي فيها عيناها برؤية ما لا تستطيع الحصول عليه أو حتى لمسه بيديها.

«طعمية» دياب

هنا يتحول الأكل إلى أداة للحرمان وجفاف الحياة من أي متعة، وهونفس ما ظهر في مشهد «دياب- علي الشريف» فى  فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، عندما يقوم «دياب» بتوصيل أخيه «محمد أفندي – حمدي أحمد» لمحطة القطار، ورغم شده الحرارة وصعوبة المشوار، إلا أن «دياب» حين يصل مع شقيقه إلى المحطة تجذبه رائحة الطعمية التي تقلي في الزيت، فينظر اليها  بكل كيانه وهي تتراقص وينسى كل شىء إلا رائحة الطعمية، فأمام الطعمية ينسي «دياب» أخاه وينسي نصائحه بشأن أمه، فيترك كل شيء ويقف أمام الطعمية خلف سياج حديدي وكأنه محبوس، أو مسجون ولن يخرجه من هذا السجن إلا التهام أقراص الطعمية. فى مشهد يدل على بؤس تلك الحياة، وخلوها من أية متعة، وهي حقيقة شعرنا بها ولمسناها في هذا المشهد المؤثر.

وفي فيلم «حتى لا يطير الدخان» نحن هنا أمام مشهد مؤلم آخر بطله الأكل أيضا حين نتابع بطل الفيلم «فهمي عبد الهادي- عادل أمام»، والذي حقق كل طموحاته وأحلامه في الثراء وانتقم من أصدقائه الذين خانوه ذات يوم، بعد أن امتلك الثروة والجاه، لكنه لا يستطيع أن يتذوق الأكل لمرضه النادر، ولا يستطيع أن يشعر بطعمه ومذاقه، وقد صار متاحا أمامه، فيقوم بجلب الطعام ويستدعي الخادم الخاص به وكاتم أسراره «عوض – أحمد راتب» ويقدم له الطعام، ويقوم الخادم بالتهام الدجاج بدلا من سيده، ويجلس «فهمي» الثري، يتأمله ويحاول أن يتذكر طعمه. الجوع هنا جوع مؤلم ومستمر، ومرض خطير عبرت عنه تلك الوجبة، فالسعادة ربما تكون في كثير من المال والجاه، لكن متعة الأكل والشعور بالشبع والتلذذ لم يعد يستطيعه ولم يعد يقبل عليه، وبالتالي هو جائع وفقير طوال حياته.

  تلك المشاهد الصامتة أو المرتكزة على تعبيرات العينين أو حركة الرموش أو الشفاه أو الأيدى لم تكن لتصل إلينا دون تأثير درامي قوي للأكل. حيث يصبح الأكل هو «قلب المشهد» بل والبطل الرئيسي فيه.

«أكل ونهش» الإنسان

وفي فيلم «الزوجة الثانية» يقدم لنا صلاح أبو سيف الأكل بطريقة لم نرها من قبل، في مشهد لقاء «العمدة – صلاح منصور» الجشع، والخفراء وشيخ البلد وشيخ القرية والمأذون وفي مقدمتهم المأمور «ابراهيم الشامي» حول الوليمة «أبو العلا – شكري سرحان» فبينما يوضع أمام «المأمور» صينية بها «فراخ» ويبدأ التهديد والوعيد كي يطلق «أبو العلا» زوجته «فاطمة – سعاد حسني» مع التهام الأكل، هنا المأمور لا يأكل الفراخ أو اللحم بل الجميع ينهشون ويأكلون ويمزقون لحم «أبو العلا» البائس.

الأكل هنا بطل أحد أقسي وأشد المشاهد تعبيرًا عن نهش الإنسان وسحقه، يقف «أبو العلا» منحنيا مكسورا وملابسه مثقوبة، والجميع ينهش ويضحك ويمزق ويأكل في جسده، ينهش رجل الدولة ورجل السياسة ورجل الدين، في حياة وجسد ذلك المسكين الفقير

وبطريقة أخرى يقدم أبو سيف الأكل في فيلمه الساخر «البداية»، عندما تثور المجموعة على الحاكم الظالم، وهم لا يريدون قتله فلم يجدوا أمامهم إلا «تمثاله من العجوة» والذى صنعوه لتمجيده ذات يوم، فيقومون بأكله، ليصبح الحاكم الفاسد الذي نصبوه على جمهوريتهم الجديدة «نبيهاليا» ويتم أكل تمثال – الرئيس «نبيه الأربوطلي- جميل راتب»، انتقامًا من تجويعه شعبه، وحكمه الفاسد والظالم على أي ديكتاتور.لتصبح الثورة في أحد مشاهدها ثورة جياع ضد الحاكم الظالم والملحمة.

طعام خان

المخرج الراحل محمد خان كان صاحب أسلوب مميز ومدرسة خاصة في أفلامه، وقد استطاع في بعض المشاهد أن يقدم لنا دراما الأكل، ليصير الطعام في المشهد هو البطل. ففي فيلمه «خرج ولم يعد»، يقدم خان الأكل كأحد الأبطال الأساسيين، بل وأحد عوامل نجاح الفيلم وجاذبيته، وكيف يصير طبق البيض المقلي الغارق في السمن البلدي بطلا للمشهد، وكيف يتحول طبق الأكل الريفي لهذا التائه في الحياة «عطية يحيي الفخراني» هو الموجه وهو القائد له.

في هذا الفيلم يقدم لنا  الأكل  بهجته، وجاذبيته، حيث يصير وجبة سينمائية عامرة يقدمها الريف لابن المدينة القادم لبيع أرضه، ليصبح الطعام أحد الأركان الأساسية في الفيلم. فـ «عطية»، عاد إلى قريته لبيع أرضه، حتى يستطيع الإرتباط بفتاة قام بخطبتها منذ أكثر من سبع سنوات. لكنه هناك يكتشف حياة أخري غير التى يعيش فيها بعيدًا عن دواوين الحكومة ودفاتر الحضور والإنصراف ونميمة الموظفين والزحام وإشارات المرور التى تعيق حياته في المدينة.

هناك حيث تسكن «خوخة – ليلي علوي» يجد الحب و البراح، ويشعر بإنسانيته التى سلبتها منه المدينة في سعيه خلف لقمة العيش، ويجد الوجبات العامرة، ويجد موهبته وحلمه في أن يصبح مهندسا زراعيا أو يمارس تلك المهنة.

أما في فيلم «زوجة رجل مهم» فيقدم محمد خان الأكل بشكل مختلف يدل على برودة الحياة واستحالتها، حين يصحب «هشام – أحمد زكي» زوجته «إلهام ميرفت أمين» للعشاء في أحد المطاعم بعد أن ثار عليها وتعارك معها، هو يأتي كي يثبت أنه ما زال يسيطر على الحياة وأنه قادر، بينما يأتي الطعام باردًا واللحم نيئا، وبالتالي تفشل السكين في تقطيعه، وهنا يصل لنا معنى أن  الحياة باتت جافة بينهما  وغير قابلة للمضغ أو الاستمتاع ،وبالتالي جاءت النهاية بالقتل والانتحار في نهاية الفيلم.

وفي فيلم «موعد على العشاء» يقدم لنا خان رؤية سينمائية شديدة الدراما من خلال الانتقام بوجبة الطعام التي كانت ذات يوم تعبيرًا عن الحب، فالأكل هنا استخدم كأداة انتقامية حين تقرر «نوال» «سعاد حسنى» الانتقام من زوجها «عزت» «حسين فهمى» بعد أن قتل حبيبها القديم شكرى «أحمد زكى» فتدعي له أنها عادت إلى حبه، وتدعوه للعشاء وتكون قد وضعت السم في صينية «المسقعة» الطعام الذي يحبه، وعندما يأكل «عزت» و يشعر أن الطعام مسموم يطالب «نوال» مشاركته الطعام، فتأكل، مقررة أن تموت بعد أن انتقمت من عزت الذي أكل هو الآخر منه. إن الفيلم يقدم لنا مائدة الموت، أو وجبة الموت دون دماء، وبأعصاب باردة. هكذا يظل الأكل فى كثير من الأفلام كما هو فى كثير الأحيان بطلا فى دراما السينما ودراما الحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: