فن

رأس السنة في السينما.. تفاصيل انسانية تنتصر للبسطاء

تناولت السينما الأمريكية والأوربية ليلة رأس السنة فى عدد غير قليل من أفلامها – ربما لأهمية المناسبة وزخمها بالنسبة لهم – وتعددت ملامح وزوايا التناول السينمائى الهوليودى والغربى لتلك الأعمال، وترواحت ما بين التراجيدى والإجتماعى الخفيف والكوميدى.

أما السينما المصرية فقد كان لها رأيها الخاص فى  التعامل دراميا مع حدث ليلة رأس السنة الجديدة، فتناولتها بقدر كبير من التمايز، وبشكل مختلف يكشف فى كثير من الأفلام واقعا طبقيا يتسم باتساع الفجوة بين أطرافه، بين الأرسقراطية التى تُشعل ليلة راس السنة وهجا وبذخا يكاد يصل إلى حد الإستفزاز والسفه، وبين هؤلاء الفقراء الذى يبحثون عن متعهم فى أحلام اليقظة.

 ولأن تلك النوعية من الأفلام تتميز بدرجة عالية من التكثيف والتكنيك العالى فى استغلال كل لحظة من زمن العمل الفنى، فإن عددا قليلا من مخرجى السينما المصرية امتلكوا الجرأة والقدرة على خوض تلك التجربة وفى الغالب فقد غابت عن السينما المصرية تلك الصورة الكرنفالية المستقرة فى الأذهان للإحتفال برأس السنة وذهب بعض مبدعيها نحو تفاصيل أكثر إنسانية وأشد عمقا فى حياة البشر.

المنسى فى «رأس السنة»

خلال مسيرة السينما المصرية الطويلة فإن عدد الأعمال التى تناولت ليلة رأس السنة بشكل أساسى أو بطريقة عابرة، كانت فى المجمل العام قليلة، وقد تناولتها بعض الأفلام بصورة تقليدية ترتبط بالسهر فى أندية ليلية ويسيطر عليها جو من السكر والإنفلات فى معظم الأحيان. لكن سينما أخرى إستخدمت المناسبة لإطلاق الصرخات ضد الظلم وكشف حياة المهمشين الذين تدفعهم الصدفة، أو سوء الحظ للتصادم مع أناس يحتفلون برأس السنة ببذخ وسفه وفساد، وهو ما رصده الكاتب المبدع وحيد حامد والمخرج شريف عرفة فى واحد من أهم أعمال «عادل إمام» وهو فيلم «المنسي» 1993، وقد شاركه البطولة كل من يسرا وكرم مطاوع وأحمد راتب. ويرصد هذا الفيلم واقعا مأساويا شديد القسوة حين يصطدم عامل التحويلة «يوسف المنسي» الذى يعيش ظروفا إقتصادية صعبة وينتمى لأناس يبحثون عن تحقيق أمنياتهم فى الأحلام، أو عبر سينما تمنحهم قدرا من الخيال بديلا عن واقعهم المأزوم يصطدم المنسى أثناء عمله كمحولجى بالسكة الحديد وفى ليلة رأس السنة بهؤلاء الذين يفعلون كل شىء لتحقيق مكاسب مادية تضمن لهم وجودهم بين طبقة شديدة الثراء.. يستخدمون كل شىء حتى البشر أنفسهم ويبدع كرم مطاوع فى تقديم شخصية رجل الأعمال أسعد بيه الذى ينظم حفلا لرأس السنة ويستضيف خلاله رجل أعمال كبيرا ويسعى لإبرام صفقة مع هذا الثرى الصامت والذى كان جزءا من إرضائه لإتمام الصفقة تقديم سكرتيرة رجل الأعمال له وترفض السكرتيرة «يسرا» هذا العرض الحقير وتهرب تاركة فيلا أسعد بيه وتحتمى بأقرب مكان وهو كشك تحويلة السكة الحديد، حيث نجد عامل التحويلة يوسف المنسي، الذي يستفز الموقف مروءته فيقرر حماية السكرتيرة والتصدى لتلك الذئاب البشرية التى تطاردها، ليدور صراع مباشر أراده صناع الفيلم.

ويبدو الصراع الطبقى فى ذروته فى حوار «المنسي – أسعد بيه» والذى يقول فيه «أسعد بيه» ساخرا  من المنسى: «مشكلتك إنت وأمثالك من الهاموش والهلافيت إن بتيجى عليكم لحظات بتتصورا إنكم حاجة… الحقد والغل اللى جواكم هو اللى بينفخكم ضد أسيادكم لكن لأنكم جهلة مغرورين مش قادرين تفهموا إن طبيعة الكون نفسه لايمكن تديكم الفرصة إنكم تفسدوا علينا حياتنا… الحقد اللى جواكم لا يمكن يغير نظام الكون» ليرد المنسى بأنه لا يعرف شيئا عن هذا الكلام الكبير إلا أنه يحمى تلك الانسانة التى استنجدت به.

يعبر هذا الحوار عن عمق الصراع الذى أراد صناع الفيلم رصده، وكانت ليلة رأس السنة مناسبة للتعبير عن تلك الهوة العميقة  بين طبقتى المجتمع

ليبقى مشهد النهاية أحد أهم رسائل الفيلم، فمع مطلع الفجر ومع يوم جديد فى عام جديد وخلال مطاردة بين رجال أسعد بيه والمنسى يخرج الفلاحون متجهين إلى حقولهم مصطحبين دوابهم، ليجد المنسي نفسه محتميا بوجودهم، ويعجز رجال أسعد عن الفتك به أو إيذائه، فينسحبوا فى صمت تتابعهم نظرات الفلاحين المتجهين لأعمالهم، لينتصر هذا الفيلم الرائع للبسطاء والفقراء.                      

حلم الهجرة لأرض الأحلام

وفى عام 1993 أيضا يقدم المخرج داود عبد السيد والكاتب هانى فوزى الفيلم ‏الأخير لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وهو «أرض الأحلام» والذى تدور أحداثه خلال ليلة رأس السنة حيث الأم التي يعيش إبناها فى أمريكا وتحاول أن تلحق بفرصتها الأخيرة للهجرة إلى «أرض ‏الأحلام» كما تعتقد. ويرصد الفيلم ليلة رأس السنة حيث الازدحام، والبهجة والتوتر أيضا، وتدخل الأم فى صراع وسباق مع الزمن بحثا عن جواز سفرها الذى فقدته أملا فى أن تجده وتتجه سريعا ‏إلى المطار لتهاجر إلى الأبد، وتلتقى خلال رحلة البحث عن جواز سفرها بعدد من الشخصيات منهم «يحيى الفخرانى» الذى يعمل ساحرا فى ملاهى ليلية ودائم السكر والسخرية من كل شىء. وبعد ليلة شاقة من البحث تعثر هذه السيدة على جواز سفرها لكن بعد أن تكون وجهة نظرها فى السفر قد تغيرت تماما لتقرر البقاء فى مصر.

ليلة عاطف الطيب

وفى عام 1995 يقدم «عاطف الطيب» والكاتب «محمد أشرف» وبطولة نور الشريف ولبلبة فيلم «ليلة ساخنة» فى سياق شديد الواقعية أيضا، مبتعدا عن التصور الراسخ فى الأذهان عن إحتفالات رأس السنة مكتفيا بإستخدام الحالة الزمانية فى الأحداث التى تدور حول سائق تاكسى يخرج للعمل ليلة رأس السنة لتوفير 200 جنيه لعلاج «حماته» التى ترعى طفله بعد وفاة زوجته. ويتعرض السائق لعدة مواقف تكشف ذلك السوس الذى ينخر فى جسد المجتمع ويصطدم بواقعه المرير كأنه يراه لأول مرة.

تفوَق عاطف الطيب على نفسه فى ليلة ساخنة وغاص بهدوء ودون إفتعال فى تفاصيل هؤلاء المقهورين الذين يعيشون على الهامش دائما بحثا عن الأمان المزعوم ليكتشفوا أنهم ليسوا فى أمان كما يظنون ولا يتوقف الأمر عند هذا الانسحاق الذى يشعرون به وكم الظلم الإجتماعى الذى يعانونه.

رصد صناع الفيلم هذا الواقع البائس لفئة مهمشة سواء سائق التاكسى «نور الشريف» أو فتاة الليل التائبة «لبلبة» التى خرجت ليلة رأس السنة بحثا عن «زبون» لتوفير نفقات منزلها المتصدع وتتعرض للضرب والسرقة من مجموعة شباب قضوا وقتا معها ويلتقى «سائق التاكسى» و«فتاة الليل» فى جولة من الصراع بأعماق القاهرة ويشتبك الفيلم مع الفساد المالى وإستغلال النفوذ من جهة ومع الإسلام السياسى والإرهاب من جهة أخرى.

زحام السياسة والارهاب

وفى مساهمة من المخرج «عادل أديب» فى مواجهة الإرهاب قدم عام 2008 فيلم «ليلة البيبي دول» والذى تدور معظم أحداثه فى ليلة رأس السنة حيث البطل «حسام» الذى جسده الفنان محمود عبد العزيز يعود من الولايات المتحدة ‏الأميركية مع وفد أمريكى مهم ليقضي إحتفال رأس السنة مع زوجته ليصطدم بواقع جديد حيث ‏باعت زوجته الشقة وغيرت حياتها، ويسلط الفيلم الضوء على كثير القضايا خصوصا مع ‏محاولات أحد الإرهابيين القيام بعملية لتفجير الوفد لأميركي الذى يقيم فى أحد فنادق القاهرة.

تداخلت السياسة بشكل مباشر مع ليلة رأس السنة، لكن ازدحام أحداث الفيلم وتعدد الشخصيات وتفرعها، أثر سلبا على تماسك العمل، رغم توفر كافة عوامل النجاح، مثل ميزانية الإنتاج الضخمة وعدد النجوم الكبير. ‏

قليل من الكوميديا

وكان للمخرج شريف عرفة مساهمة أخرى بعد «المنسي» فى تناول ليلة رأس السنة لكنها عبر فيلم كوميدى وهو «جاءنا البيان التالي» عام 2001 بطولة محمد هنيدى وحنان ترك، من خلال إحتفال إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة برأس السنة.

ومن أهم مشاهد الكوميديا التى تناولت هذه المناسبة مشهد تسجيل ‏المذيع نادر سيف الدين «محمد هنيدي» لتقرير حول إحتفالات المواطنين برأس السنة فبعد أن صور مشاهد طبيعية ‏وحقيقية سخر خلالها المواطنون اليائسون من الاحتفال برأس السنة، فى الوقت الذى يعانون فيه من بؤس المعيشة وإفتقادهم أدنى حقوقهم فى حياة كريمة، ليتم تغيير التقرير بنفس المواطنين بعد قبولهم رشوة ليتحدثوا عن أوضاعهم الوردية وحياتهم السعيدة الهانئة.

 وفى كل تلك الأعمال تقريبا نحن أمام تجارب سينمائية جميعها إستخدمت الاحتفال براس السنة، لإيصال رسائل معظمها إجتماعى وإقتصادى، رسائل مهمة تكشف عن معاناة الطبقات الفقيرة والمهمشة، التى لا تملك ترف الاحتفال برأس السنة، وتعيش حياتها دائما على الهامش.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اشكر القائم علي هذا الموقع الجيد وقدر قرأة المقال كاملا وارجو رفع مقالات اخري جيدة خلال الفترات القادمة شكرا لكم

إغلاق