دار الكتب

كيف تناولت الرواية ظاهرة «الإسلام السياسي» في مصر وإيران؟

«لو أن شباب الإخوان يفكرون بأسلوبك السلبي هذا فلن يتمكن الإخوان من حكم مصر في يوم من الأيام. لقد قام روح الله الخميني بثورته، وهو شيخ طاعن تجاوز السبعين من عمره، لم ينظر للأمور بسلبيتك هذه، وهو الشيخ وأنت الشاب! ودانت له إيران بأكملها وهو في منفاه وأنت على أرضك!».. هذا مقطع من رواية «ابن الجماعة» الصادرة عام (2012) للروائي المصري أحمد حسام الدين.

حظيت قضية انتشار وصعود ظاهرة الإسلام السياسي باهتمام عدد غير قليل من باحثي العلوم السياسية فإلى أي حد  كانت تلك الظاهرة حاضرة في الأعمال الروائية والدراسات الأدبية والنقدية؟.. الدكتورة جهاد عواض أستاذ الأدب المقارن بكلية الألسن بجامعة عين شمس، قامت برصد تلك الظاهرة في دراسة صدرت مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان «تجليات الإسلام السياسي في السرد الروائي المعاصر» وهو الكتاب الذي موضوعا للنقاش خلال الندوة التي عقدتها مكتبة القاهرة الكبرى مؤخرا.

في هذه الدراسة تعقد الدكتورة جهاد عواض مقارنة بين تناول الأدباء المصريين ونظرائهم الإيرانيين لظاهرة الإسلام السياسي في كل من مصر وإيران، عبر تحليل ثلاثة نماذج من الروايات المصرية وثلاثة من الروايات الإيرانية، في محاولة للاجابة على مجموعة من الأسئلة حول موقف الرواية المصرية المعاصرة، ونظيرتها الإيرانية من ظاهرة الإسلام السياسي، وأوجه الشبه والاختلاف بين التجربتين.

نماذج مصرية

في التجربة الروائية المصرية اختارت الباحثة ثلاث روايات تعرضت لظاهرة الإسلام الساسي وهي «عمارة يعقوبيان» (2002) لعلاء الأسواني، و«ابن الجماعة» (2012) لأحمد حسام الدين، و«أساطير رجل الثلاثاء» (2013) لصبحي موسى.

ففي رواية «عمارة يعقوبيان» تناولت الباحثة شخصية «طه الشاذلي»، ذلك الشاب الذي يصيبه الإحباط نتيجة عدم تمكنه من الالتحاق بكلية الشرطة فقط لكونه ابن حارس عقار، ومن ثم يلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وينخرط في صفوف الجماعات الدينية الأصولية، ومن خلال تجربة هذا الشاب يرصد كاتب الرواية مجمل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نجم عنها إستفحال ظاهرة الإسلام السياسي من وجهة نظره.

أما في رواية «ابن الجماعة» فقد رصدت الباحثة كيف تمكن الكاتب من الغوص في عالم جماعة الإخوان المسلمين، عبر تناول شخصيات مكتب إرشاد الجماعة، اضافة لعقده مقارنة واضحة بين التجربة المصرية والتجربة الإيرانية، في محاولة لرصد كيف تمكن تيار الإسلام السياسي فى كلا البلدين من اختراق قطاعات عدة من أبناء الشعبين.

الرواية الثالثة وهي «أساطير رجل الثلاثاء» تقدمها الباحثة بوصفها نموذجا لعالم روائي مثير، يعتمد فيه الكاتب على بناء درامي يقوم على المغامرة و«الحروب الباردة» على حد وصفها بين العرب والعالم الغربي، ومن ثم يقدم الكاتب ظاهرة الإسلام السياسي بكل تفاصيلها ليس على المستوى المصري فقط، وإنما الظاهرة في صورتها الكلية على المستوى العالمي أيضا، وذلك عبر تقديم قيادات تنظيم القاعدة، بن لادن والظواهري، في نسيج درامي يستعرض العديد من الأحداث، كان من بينها هجمات الحادي عشر من سبتمبر بأمريكا، إضافة للتعرض لعدد من المدن التي تجلت فيها ظاهرة الإسلام السياسي.

الشاه.. والخومينى.. وجيل الثورة

أما الروايات الثلاث التي اختارتها الباحثة لتسليط الضوء على حضور ظاهرة الاسلام السياسي في التجربة الروائية الإيرانية، فكانت: «ثريا في غيبوية» (1984) للكاتب الإيراني «إسماعيل فصيح» ورواية «الآرضة» أو «الموريانه» (1994) للكاتب «بزرج علوي»، ورواية «سجينة طهران» (2007) للكاتبة «مارينا نعمت».

 تدور أحداث رواية «ثريا في غيبوبة» عام (1979)، في أعقاب قيام الثورة الإيرانية، على مستويين، الأول يتناول ما تعانيه إيران من مشكلات بالداخل والهجوم الوحشي الذي تعرضت له من الخارج، أما المستوى الثاني فيتناول مشكلات المنفيين الإيرانيين من كتاب وشعراء وفنانين في باريس وانفصالهم وضياعهم بعد انهيار عالمهم الخاص القديم، وذلك في محاولة من الكاتب للإجابة على تساؤل ضمني يتمثل في: «هل الحضارة تعنى العودة إلى القديم متمثلا في الدين أو المذهب وما يمليه المجتمع على أفراده من قيود، أم تعنى اللحاق بالمفهوم الغربي للحريات وفي السلوك والملبس؟».

أما رواية «الآرضة» أو «الموريانة» فتقدمها جهاد عواض بوصفها محاولة من الكاتب لتأريخ حركة المعارضة الدينية بقيادة الخميني ضد نظام الشاه، من خلال نقده لجهاز مخابراته الرهيب (السافاك) الذي كان سببا مهما في القضاء على ذلك النظام. ففي هذه الرواية يتناول الكاتب الفساد السياسي والإداري والإقتصادي للشاه وحاشيته ورجال حكومته، وذلك عبر تناول اعترافات أحد كبار موظفي جهاز الأمن والإستخبارات الإيرانية، حول ما تعرض له رجال المعارضة السياسية خاصة رجال الدين من مآسي وفظائع، أدت في مجملها إلى إندلاع أحداث الثورة.

أما رواية «سجينة طهران» التي صدرت في «نيويورك» باللغة الإنجليزية فتمثل من وجهة نظر الباحثة قصة جيل الثورة الإسلامية الإيرانية بكل أوجاعها وجراحها، حيث تتناول الكاتبة قصة «مارينا» المسيحية التي تحولت إلى الإسلام بالإجبار داخل سجن «إيفين»، كما تروي الكاتبة في روايتها تفاصيل ما تعرّض له مئات الآلاف من المواطنين الإيرانيين من جلد بالسياط  داخل ذلك السجن وقدرة التعصب الديني على دفع بعض الناس إلى التخلي عن دينهم وتغيير هويتهم الأصلية نتيجة ما يتعرضون له من عنف.

النخب الفاسدة.. والإزدواج الثقافى

عبر تحليل يستند إلى دراسة أنساق وبنية المجتمع المصري والإيراني في علاقتهما بظاهرة الإسلام السياسي تنتهي الباحثة إلى أن بروز جماعات الإسلام السياسي المسلحة وممارستها للعنف إنما جاء كنتيجة شبه حتمية لإنتشار الصفوات أو النخب الحاكمة الفاسدة، مع وجود الإزدواج الثقافي، أو ما تصفه «بالإنحطاط الأخلاقي»، فظهور جماعات الإسلام السياسي من وجهة نظر الباحثة يعد بمثابة صرخة تعبر عن الاحباط من مجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بل والثقافية المتدنية أيضا، في مقابل فقدان أي دور فاعل للصفوة العلمانية المثقفة في تطوير المجتمع. كما ترصد الباحثة عبر تحليلها للأعمال دور الأجهزة الأمنية في تغذية ونمو ظاهرة «الإسلام الأصولي» في كل من البلدين.

ومن جانب آخر أكدت الباحثة على أن دعاة الإسلام السياسي إنما يُلحقون الكثير من التشوه بصورة الدين الإسلامي أمام الغرب، كما أن قضية العلاقة بين «الدولة والدين» تعد من المشكلات الهامة التي ينبغي على مختلف الباحثين في مجال الفكر السياسي والديني تناولها بشكل أكثر تعمقا.

 وتنتهي الباحثة في دراستها إلى أن الأدباء الإيرانيين كانوا أكثر قدرة من الأدباء المصريين في طرحهم ومعالجتهم لقضية الإسلام السياسي،  وبينما  غابت الشخصيات «النسائية الأصولية» عن الأعمال الروائية المصرية، حضرت تلك النماذج النسائية بقوة في الأعمال الإيرانية.

إنتقادات

وفي مداخلته خلال الندوة التي عقدت بمكتبه القاهرة الكبرى حول كتاب الدكتورة جهاد عواض، أكد الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة القاهرة ووزير الثقافة الأسبق أن أهمية هذا الكتاب تكمن في تناوله لقضية المشترك الثقافي بين الشعوب، غير أنه أخذ على الباحثة إستبعادها تماما لمفهوم «الأيدلوجيا» وذلك على الرغم من كون ظاهرة الإسلام السياسي تندرج بشكل أساسي – من وجهة نظره – تحت مفهوم «الإنتماء الايديولوجي».

كما انتقد الدكتور شاكر عبد الحميد اختيار الباحثة لنوعية الروايات التي تناولتها بالدراسة، وضرب مثالا برواية «أساطير رجل الثلاثاء» والتي تتناول شخصية أسامة بن لادن والظواهري وتدور أحداثها بالمجمل بين السعودية وأفغانستان، ومن ثم تساءل.. كيف لمثل تلك الرواية أن تكون معبرة عن واقع المجتمع المصري؟.. كما نوه الدكتور شاكر إلى أهمية مفهوم «الهوية» ودعا الباحثة إلى ضرورة العمل على إستكمال دراستها تلك بدراسة أخرى تتخذ من مفهوم «الهوية» إلى جانب مفهوم «الإغتراب» و«رؤية العالم» منطلقا لها.

وفي تعقيبها على الدكتور شاكر عبد الحميد، دافعت الدكتورة جهاد عواض عن اختيارها لتلك الروايات التي وردت في دراستها، موضحة أنها استندت على فكرة النماذج المتنوعة، حيث عمدت كل رواية من الروايات الست إلى تقديم نموذج أو أكثر من النماذج التي تخص معالجة ظاهرة الإسلام السياسي، سواء كانت نماذج مؤيدة الإسلام السياسي أو معارضة له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق