منوعات

«أم الدنيا» وكنوزها.. أساطير مصرية بعيون إسلامية

عندما يكون الكلام عن مصر في غير تعصب ولا أكاذيب ولا مزاعم، يصبح كلامًا طيبًا شريفًا ،تطمئن به قلوب محبيها وتسمو به عقول أولادها، وهذا ما فعله الدكتور عمرو عبد العزيز منير في كتابه الجليل «الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين»، والذي صدر مؤخرا عن دار نشر عين للدراسات التاريخية.

الدكتور عمرو عبد العزيز منير، هو أستاذ التاريخ الوسيط بالجامعات المصرية، وهو عضو اتحــاد كُتـاب مصر، وعضو اتحاد المؤرخين المصريين وعضو اتحاد المؤرخين العرب وعضو الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية، حصل على جوائز مصرية وعربية وعالمية تقديرًا لجهوده في الدراسات التاريخية، له ما يزيد على ثلاثة عشر كتابًا في التاريخ القديم والوسيط.

يبدأ الدكتور عمرو كتابه باقتباس صغير ولكنه عظيم من الدكتورة سهير القلماوي التي قالت: «كلما بَعُدَ التاريخ عن القصص والخيال ازداد بُعْد العامة عن تذوقه وتعلمه».. كلام الأستاذة القلماوي مهم جدًا لشرح رسالة الكتاب القائم على الفصل بين التاريخ من حيث هو علم وبين الأساطير المعتمدة على القصص والخيال.. ولكن مَنْ ذا الذي يزعم لنفسه امتلاك الحقيقة التاريخية ؟..الأمر لا يخلو أبدًا من وجهات نظر متضاربة  بتضارب مصالح الناظرين، ثم لا يخلو من الاعتماد على الرائج من القصص والحكايات التي قد لا تقدم الجواب «العلمي» ولكنها تقرب المعلومة وتحاول تفسيرها بحسب ثقافة الناظر والمتعامل مع المادة التاريخية.

د. سهير القلماوي

أم الدنيا.. حقيقة التسمية

مصر عريقة جدًا وقديمة قدم الزمان، وهذا من المعلوم العام الذي لا ينكره سوى الجاحد ولكن كيف بدأت مصر، ثم ما حقيقة تسميتها باسم مصر تحديدًا؟.. في بحثه  عن إجابة على هذا السؤال الابتدائي يلجأ المؤلف إلى أقدم ما وصلنا من كتابات المؤرخين المسلمين، أعنى ما كتبه المؤرخ العظيم ابن الحكم في كتابه «فتوح مصر وأخبارها».

يقول ابن الحكم ما ملخصه: «يرجع السر في تسميتها إلي حفيد سيدنا نوح عليه السلام، وذلك حين رغب نوح إلى ربه سبحانه وتعالى وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته، فنادى نوح أبناءه فلم يجبه أحد إلا حفيده مصر بن بيصر بن حام حيث قال: يا جدي قد أجبتك إذ لم يجبك أبي ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعوتك.. ففرح نوح عليه السلام ووضع يده على رأسه وقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها.

 وكان لسيدنا نوح أربعة أبناء هم حام و سام و يافث ويحطون، وكل منهم لديه أبناء، وكان مصر هو أكبر أبناء بيصر بن حام بن نوح و هما أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله قوم نوح فسكنا منف وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق. وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف و مصر هو أكبر أولاده فنزل بأبيه وجميع إخوته إلى مصر، فسميت مصر بذلك نسبة إليه.

اليقين الوحيد في تلك القصة أن ابن الحكم قد رواها نقلًا عن مصادر أقدم منه، وتلك المصادر نقلت عن مصادر وهكذا جرى الأمر لكي نعرف نحن أن بلدنا عريق جدًا، عرفه التاريخ منذ عهد نوح عليه السلام، وبعض العلماء يقولون: إن سيدنا إبراهيم الخليل الذي جاء بعد نوح عليه السلام، مضى على وجوده عشرة آلاف عام، وكانت مصر معروفة في زمن إبراهيم الذي زارها وزار فرعونها، فكم بيننا وبين زمن نوح؟.

بعد فراغ المؤلف من فح4 حقيقة اسم مصر ونسبها ذهب إلى مؤرخ تركي مسلم هو أوليا جلبي بن درويش محمد أغا ظلي المعروف بلقبه أوليا چلبي (يقال إن اسمه شلبي ثم حرفه اللسان التركي) وقد ولد في 10 محرم 1020 4ـ، الموافق 25 مارس 1611 م، في إسطنبول، وتوفي في عام 1095 هـ الموافق1684 م

و هو رحّالة ومستكشفٌ سافر عبر أراضي الإمبراطورية العثمانية والأراضي المجاورة على مدار أربعين عامًا ابتدأها عام 1040 هـ – 1630م من إسطنبول، حيث دوّن مشاهداته في رحلاته في كتابه المعروف سياحتنامه أي «كتاب الرحلات» المكون من عشرة أجزاء. وقد عاش جلبي في مصر ثمانية أعوام متصلة تجول بين أقاليمها لكي يكتب عنها جزءًا كاملًا من أجزاء ك4ابه. وتعود أهمية المؤرخ جلبي لمناقشته حقيقة اللقب الذي تعرف به مصر وهو لقب «أم الدنيا».

يقول جلبي إن: «السبب في تسمية مصر بأم الدنيا، أنها تحتوي على جميع أجناس الخلق وأنواع الأمم، التي يبلغ عددها اثنين وسبعين أمة ، تتكلم بمئة وأربعين لغة، كما تشمل على أقوام من التابعين للمذاهب الأربعة، فبفضل مصر هذه يعيش كل هؤلاء الخلائق، فضلًا من الله ومنة. وما ذلك إلا أن كثرة أهالي مصر وسكانها من الفلاحين، أعني أنهم من أهل الكد والعمل الشاق، ومعاناة الأهوال في سبيل إسعاد الغير إذ أن هؤلاء المساكين بعملهم الدائب هذا، يجعلون مصر في بحبوحة من الخيرات والخصب، وعلى جانب عظيم من النعم ورغد العيش الذي يتمتع به الناس والحيوان فلأجل هذا سميت مصر بحق أم الدنيا، كالأم الرءوم تعني بجميع أركان الدنيا، وتحدب عليها وتبذل لها من متاعبها وسلعها وهكذا تكون الأقاليم السبعة من الدنيا عالة عليها».

خير المحروسة.. للناس جميعا

ما قرره المؤرخ جلبي من مكانة الفلاحين في بناء الحضارة المصرية ونسب الخيرات لهذه الطائفة على وجه التحديد له سند أكيد من التاريخ الثابت المحقق. فقد عرفت مصر تصدير خيرات فلاحيها منذ أقدم الأزمنة، فلم تكن مصر يومًا منكفئة على نفسها، بل كانت تهتم بالشأن الإنساني العام، حتى إنها كانت تقدم خيراتها لوجه الله لا تريد جزاءً ولا شكورًا.

ينقل الدكتور عمرو عن المؤرخ الكبير المقريزي قوله: «ومن فضائل مصر‏:‏ أنها تمير أهل الحرمين وتوسع عليهم، ومصر فرضة الدنيا يحمل خيرها إلى ما سواها فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصين وعمان والسند وساحلها من جهة تنيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الروم والإفرنج وسواحل الشام والثغور إلى حدود العراق وثغر إسكندرية فرضة أقريطس وصقلية وبلاد المغرب ومن جهة الصعيد يحمل إلى بلاد الغرب والنوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن».

والأمر هنا ليس أمر أسطورة، فالأساطير نجدها في الإجابة على سؤال حاول العلماء القدماء الإجابة عليه وهو: لماذا مصر خصبة جدًا ومعطاءة جدًا؟

ولأن البحث العلمي لم يكن بالحضور الذي نعرفه اليوم، فقد لجأ المؤرخون إلى الرائج والشائع عن دعاء الأنبياء والمرسلين لمصر بالبركة، كما اعتمدوا على مواد شفاهية يكاد يكون من المستحيل التثبت منها.

كنوز مصر

الحقيقة الثابتة لدينا في هذا المجال هى الآية الكريمة: «فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم».. هذه الآية عن مصر ووجود كلمة كنوز بها، ألهب خيال كل المؤرخين الذين بحثوا في هذا الأمر حتى أن المقريزي كان صاحب مصطلح «علم الكنوز». كما يورد الدكتور عمرو عن ابن الوردي قوله: «ويقال إن غالب أرض مصر من ذهب مدفون، حتى قيل إنه ما فيها موضع إلا وهو مشغول بشيء من الدفائن».

كلام ابن الوردي أسطوري لا شك في ذلك، وأسطورة الثراء الفاحش المجاني ستدفع مصر ثمنها، فقد صارت مطمع كل باحث عن الثروة والرخاء، ومقصد كل مغامر أو محتل، وهذا ما يشير إليه بوضوح إمام علم الاجتماع ابن خلدون عندما يقول: «ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما يقضى منه العجب، حتى أن كثيرًا من الفقراء بالمغرب، يتراعون إلى النقلة إلى مصر، لما يبلغهم من أن شأن الرفة بمصر، أعظم من غيرها ويعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار في أهل تلك الآفاق على غيرهم، أو أموال مختزنة لديهم، وأنهم أكثر صدقة، وإيثارًا من جميع أهل الأرض».

يمضي الكتاب الجليل مفندًا أسطورة الكنوز المجانية معتمدًا على الواقع المعاش، ثم على قراءة ما بين سطور المؤرخين، فواحد مثل المؤرخ العظيم المقريزي أسرف في الكتابة عن كنوز مصر، ثم في نهاية كلامه قال: إن مفاتيح الكنوز مدفونة في القسطنطينية!

وقد فهم الدكتور عمرو إشارة المقريزي الذي كان يحرض على فتح القسطنطينية من وراء ستار البحث عن كنوز وطنه.

أما ابن خلدون فحاول بعقله الفذ الناقد أن يضع لأسطورة الكنوز تصورًا معقولًا، فنقل عنه المؤلف قوله: «وأما ما وقع في مصر من أمر المطالب والكنوز، فسببه أن مصر في ملك القبط منذ آلاف السنين أو يزيد من السنين، وكان موتاهم يدفنون بوجودهم من الذهب والفضة والجواهر على مذهب من تقدم من أهل الدور فلما انقضت دولة القبط ومَلَك الفرس بلادهم نقروا على ذلك في قبورهم وكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم ما لا يوصف».

ثم يواصل المؤلف رحلته مع الأساطير كاشفًا عن مدى اهتمام كل المؤرخين المسلمين بمصر تاريخها وحاضرها، ولَمَ لا وهى أم الدنيا؟.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق