منوعات

الفن القبطي.. من الإضطهاد الرومانى إلى صناعة الهوية

الفن القبطى هو ذلك الفن الذى يهتم بكل الأشكال الفنية التى تخص الكنائس والأديرة وكافة تفاصيل الحياة القبطية فى مصر. نشأ فى نهايات القرن الثالث الميلادى وتبلورت ملامحه فى القرن الرابع ليمثل ملمحا مميزا من ملامح الفنون المصرية، ويتعانق مع الفن الإسلامى الذى ظهر فيما بعد ليشكلا معا جزءا من الهوية المصرية الحضارية والإنسانية.

ويعتبر الفن القبطى إمتدادا للفن المصرى القديم، رغم وجود اختلافات عديدة فيما بينهما، إلا أن الفن القبطى قد تأثر – بشكل كبير- بما أبدعه المصرى القديم على جدران المعابد. ويتميز هذا الفن بعدة خصائص لعل أهمها أنه فن عفوي تلقائي، نشأ فى ظروف صعبة شهدت قهرا للأقباط اضطهادهم من جانب الرومان، وتعتبر الأيقونات أحد أهم أشكال هذا الفن العريق. 

فن مصري خالص

يعتبر المصريون هم أول من اعتنق المسيحية وجهَروا بها أمام قسوة وعنف الرومان الوثنيين، حيث دعا القديس «مرقص» للمسيحية علنا بمدينة الاسكندرية خلال حكم «نيرون» (54-68 م). وقد بلغت قسوة الرومان ضد المسيحيين المصريين ذروتها أثناء حكم «ديقلديانوس» عام 284 م، عندما قام بجريمة إبادة جماعية لعدد كبير من المسيحيين والتى عرفت بحادثة «الشهداء» وأقيم عامود السواري بمدينة الاسكندرية تخليدا لذكرى شهداء تلك المذبحة.

ومنذ ذلك العام، الذى يمثل نقطة تحول فى تاريخ المسيحية بمصر، أتخذ المسيحيون أسما لهم يميزهم عن باقى المسيحيين فى العالم وهو «جيبت» Gupt المشتق من كلمة Jإيجبتوس» اليونانية أحد أسماء مدينة منف القديمة. وفي ظل تلك الأجواء وفى نهايات القرن الثالث الميلادي ظهر الفن القبطي وتبلورت ملامحه مع القرن الرابع الميلادي.

ورغم التشابه ما بين الفن القبطي خلال القرون الميلادية الأولى والفن البيزنطي اليوناني، بسبب ارتباط الكنيسة القبطية بالكنائس المسيحية بشكل عام فى العالم إلا أنه أخذ منحى مغايرا مع القرن الرابع الميلادى، الذى شهد تحولا جذريا للأقباط حيث إعتنق الإمبراطور قسطنطين الديانة المسيحية، وأعتبرت المسيحية الدين الرسمى للبلاد، ومن ثم شجع هذا التحول فى مسيرة الأقباط على ازدهار وتألق الفن القبطي. وقد استمر الجدل حول طبيعة هذا الفن ،وهل هو قبطي يخص المصريين أم أنه بيزنطي يوناني حتى جاء عالم المصريات الفرنسى «جاستون ماسبيرو» ( 1846- 1916)، ليؤكد بالأدلة استقلال الفن القبطي عن سواه من الفنون الأخرى. وفى هذا الشأن يقول الفرنسي بيير برجيه «إن الفن القبطي هو فن له خصوصية واضحة، وهو بدون منازع يحتل مكانة أولي كفن أصيل و،هو شاهد حضاري يمثل الشخصية المصرية في عمق امتدادها واتصالها بمنابع الحضارة المصرية القديمة، فن يمثل حلقة الوصل في استمرارية هذه الفنون المصرية وتأثيرها الواضح علي كل حقب تاريخ الفن المصري حتي يومنا هذا، ويحمل نزعة كبيرة ورائعة بمقاييس فنون الحداثة في عصرنا الحاضر وله تأثير واضح علي فنون مصر الاسلامية».

«جاستون ماسبيرو» عالم الأثار الفرنسي

فن شعبي

نبع الفن القبطي من الحياة اليومية بكل ما فيها من بساطة وعفوية، وتميّز بأنه فن شعبي وليس فنا ملكيا أو امبراطوريا، إذ كان الشعب يبدعه وينفق عليه من ماله الخاص بعيدا عن أى مساندة رسمية. كما أنه فن ريفي نشأ فى أجواء الإضطهاد ،وقد عكست الرسوم أشخاصا عاديين وحيواناتهم الأليفة التي تملأ كل بيت، ومناظر تمثل الحياة الريفية والشعبية البسيطة.

 كما تميز بأنه يعتمد على الارتجال والبعد عن التخصص الفني، لأن الرهبان الذين كانوا يشرفون عليه لم تكن لهم دراية فنية وكانوا يرسمون في جو مشحون بالقلق بعيداً عن الطمأنينة وتسوده حالة الإضطهاد الدينى.  

وتميز أيضا باستخدام الهالة على رؤوس القديسين والشهداء أوالتاج أو الاثنين معاً و ابتعد عن محاكاة الطبيعة وتقليدها

نحن إذن أمام فن إتجه نحو الرمز والنظر داخل النفس بحثاً عن القيم الروحية لذلك اهتم بالروح والجوهر أكثر من الشكل والمظهر، الوجوه فيه مستديرة وتُحاط بهالة التقديس الذهبية على رؤوس القديسين والشهداء أما العيون فتُصوَر مستديرة ومحددة بإطار ولا يوجد أى تجسيم أو إبراز للبعد الثالث للعناصر.

امتداد للفن الفرعوني

يعتبر الفن القبطي مدرسة إستخدم فيها الفنان الخشب والذهب والالوان النورانية، ويؤكد علماء التاريخ والمصريات أن الفنان القبطى أخذ عن الفن المصرى القديم الكثير ليصبح  امتدادا  طبيعيا للفن الفرعونى، وإن اختلف عنه في أن الفن القبطي ارتجالى بسيط من إبداع  الشعب لم توجهه السلطة ولم يقم به متخصصون فى الفن فى بداياته.

 ومن أهم أشكال الفن القبطي التصوير الجداري، الذى كان سائدا في العصر القبطي وهو التصوير بألوان الأكاسيد على الجدران المغطاة بطبقة من الجبس، ومنه انتشرت هذه الطريقة بين مسيحيي الشرق والغرب، وظل الأمر كذلك حتى بداية عصر النهضة. واهتم الفن القبطى جدا بزخرفة الجدران والمحاريب الموجودة في الكنائس ورسوم  أشكال مستوحاة من قصص الأنبياء والأحداث الدينية، من بينها رسوم للسيدة العذراء والسيد المسيح، الملائكة، الرسل، القديسين، الشهداء، مواضيع من التوراة والانجيل.

الأيقونات

تعتبر الأيقونات القبطية أهم عناصر الفن التى تتزين بها الكنائس والأديرة الأثرية، ويظهر فيها مدى تأثرها بملامح الفن الفرعونى، كما استمدت عناصرها فى بادئ الأمر من الديانة المصرية القديمة وخليط من نماذج إغريقية مصرية تصوِّر الوقائع المسيحية. ثم تطورت موضوعاتها  إلى مرحلة الرموز وفيها مثلا جسد السيد المسيح فى شكل الراعي الصالح، ثم مرحلة الكتاب المقدس وأُستخدمت فيها أيقونات تُصوِّر موضوعات من الكتاب المقدس وآخر مرحلة هى الأيقونات الأخروية التى ظهرت بعد إعتناق بعض الفلاسفة للمسيحية واهتموا بالمجىء الأخير للسيد المسيح.

 وقد أبتكر أقباط مصر عناصر الفن المسيحي المتمثل في صناعة الأخشاب والفخار والزجاج والمعادن والعاج والعظم ،بالإضافة إلى الأيقونات والمنسوجات والعمارة، وكان الشعب القبطي فنانًا بطبيعته فزخرف المنازل والمباني والكنائس بعناصر مثل النسيج والأحجار.

استمر تزيين الخشب ونقشه برسم صور دينية ومناظر من حياة الأقباط  وأعمالهم إلى حوالي القرن العاشر الميلادي في عصر الفاطميين عندما تبدلت هذه الصور بأشكال هندسية ونباتية تخللتها صور الطيور والحيوانات.

و يرجع تقليد نحت العاج وإستخدامه فى التطعيم إلى مصر القديمة، ومع ذلك  يرجع تاريخ معظم القطع العاجية، الموجودة فى متحف مكتبة الأسكندرية الى القرن الثانى الميلادى، وقد استمر إنتاج المشغولات العاجية خلال العصر الإسلامى و طعمت أعمال الأرابيسك الخشبية الفنية بقطع عاجية صغيرة.

المتاحف القبطية

 يرجع الفضل فى إنشاء المتحف القبطي إلى «مرقص باشا سميكة» في القاهرة عام 1910 بالقرب من الكنيسة المعلقة. ويضم هذا المتحف رسائل قديمة تعكس الحياة الاجتماعية التي عاشها الرهبان في الحقبة القبطية، ومشغولات معدنية ذهبية وفضية وأوانى وأدوات فخارية ومنسوجات مستوحاة من الحياة اليومية، كما يضم مجموعة نادرة من الأيقونات الملونة ومخطوطات مزخرفة من مجموعة «نجع حمادي» الشهيرة و«مخطوط دفنار»، كما يضم أناشيد وتراتيل قبطية وعربية سجلت مسار العائلة المقدسة إلى مصر، وأفاريز حجرية وخشبية «أيقونة التعميد» التى ترجع إلى 1774.

ولا يتوقف الأمر عند المتحف المصري، فقد اهتمت المتاحف الكبرى في العالم بعرض نماذج من الفن القبطي، مثل متحف اللوفر في باريس ،ومتحف برلين في ألمانيا، ومتحف المتروبوليتان في الولايات المتحدة، ومتحف لندن في بريطانيا و المتحف الملكي في بلجيكا. كذلك اهتمت جامعات في العالم بإنشاء أقسام متخصصة لدراسة هذا الفن، منها  قسم تاريخ الفن القبطي في جامعة ليدن في هولندا، وقسم الدراسات القبطية في جامعة مونستر في ألمانيا، وقسم الفن القبطي في جامعة وارسو في بولندا.

المتحف القبطي

بين الفن القبطي والإسلامي

رصد عشرات المؤرخين والمهتمين بالفنون تأثيرا كبيرا فيما بين الفن القبطي والإسلامي، ومن بين هؤلاء «الدكتور محمد عبد العزيز مرزوق» الذى أكد فى كتابه «قصة الفن الإسلامي» أن الفن القبطي يعد أصلا من أصول الفن الإسلامي بشكل عام والفن الإسلامي المصري بشكل خاص».

كما  أكد محمد شفيق غربال في كتابه «تكوين مصر» أن طرائق الفن القبطي وأساليبه كانت عاملا من العوامل المؤثرة في فنون مصر الاسلامية وصناعتها وهذا دليل علي أهمية العنصر القبطي في تكوين الشخصية المصرية».

ويذكر المؤرخون  أنه فى عهد  الخليفة عمربن عبد العزيز تمت الإستعانة  بمعماريين من القبط في بناء الجامع النبوي و بنوا فيه أول محراب مجوف في الاسلام، كما أن من قام ببناء مسجد «بن طولون» هومهندس قبطى اسمه «سعيد الفرغانى»، كما ظهر تأثر الفنان المسلم بنظيره القبطى، حيث نجد بصمات الحضارة القبطية في عمارة المساجد نفسها، في المحراب المجوف وفي المئذنة القبطية. وهكذا تفاعل الفن القبطي مع الفن الإسلامي ليصنعا معا سبيكة شديدة التميز، لا مثيل لها فى فنون العمارة الدينية فى العالم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق