منوعات

مي والحجاب والتحرش.. والشعب المتدين بطبعه!

بعد مرور ما يقرب من أسبوع على الواقعة، قمت باقتراف جريمة في حق نفسي ومشاهدة فيديو التحرش الجماعي بفتاتي المنصورة، ثم تابعت مداخلات إحداهما – مي- فلفتت نظري بشجاعتها وذكائها وقوتها ونزاهتها، وهذه خصال، ليست بالضرورة يمكن أن تتوفر في كل ضحية، يكفي أنها ضحية وفقط، إلا أنه من حسن طالعي شخصيا أن أستمع لمداخلاتها فأشعر بقدر بسيط من الراحة. فلو أنها ضحية تعاني من جهل أو ضعف، لكان وقع المصاب مضاعفا عليّ.

علشان الناس ما تقولش حااااااجة!

القصة كما يعرفها الجميع أن فتاتين من المنصورة نزلتا لقضاء سهرة احتفالا برأس السنة الميلادية.الفتاتان كانتا ترتديان ملابس السهرة، إلا أنهما فوجئتا بمجموعات من الشباب تلاحقهما، وأعداد غفيرة من الرجال تتزايد حولهما والبعض يقوم بتصويرهما وكأنهما مخلوقتان فضائيتان. بدأت الجماهير في مد أياديها نحو هاتين الفضائيتين وانتهاك حرمة جسديهما، فلاذتا بأحد المحال التجارية، إلا أن الجماهير التي تجمهرت أمام المتجر، دفعت صاحبه لأن يطلب منهما الخروج: لأن «ده محل أكل عيش» مستعيرا عبارة عبد المنعم مدبولي الشهيرة في فيلم الحفيد قائلا بالنص: «عشان الناس ما تقولش حاااااااااجة»

ولا أعلم أي ناس الذين سيقولون حاجة في ظل هذا المشهد العبثي؟ وما هي الحاجة التي يمكن أن يقولها «الناس» عن صاحب المتجر الذي يحمي فتاتين من نهش هؤلاء الناس؟

تطوّع بضع شباب لإنقاذ الفتاتين حتى استقلتا سيارة، تم تهشيم أجزاء منها، وهربتا من المكان وتوجهتا إلى الشرطة  التى تعهدت لهما بأنها ستقوم باللازم، وأن التسجيلات المصورة لن يتم نشرها.

وبالطبع تم نشر التسجيلات المصورة، وتفضلت الشرطة مشكورة بسرعة التحرك وإلقاء القبض على.. أشخاص ليس لهم أدنى علاقة بالواقعة، مما دفع الفتاتين إلى الإدلاء بأقوالهما والإصرارعلى إلقاء القبض على المتهمين الحقيقيين وإخلاء سبيل «الأطفال» المقبوض عليهم، كما كان من ضمن المقبوض عليهم، شباب تطوعوا لمساعدة الفتاتين.

ست البنات الأمورة

استرعى انتباهي أن إحدى الفتاتين تتمتع بشخصية مميزة: مفوهة، شجاعة، قوية، ثم أمينة.. إنها مي.. ظهر صوت مي في مداخلاتها مع الإعلامي عمرو أديب وهي تشرح ما جرى لها ولصديقتها، ثم ترد على شائعات انتشرت بإنها وصديقتها تنازلتا عن الشكوى.

قالت مي إنها لم تتنازل عن الشكوى، وإنها تعرف أولئك الذين ألحقوا بها الأذى وستتمكن من التعرف عليهم ولو كانوا وسط الملايين، كما قالت إن ما مرت به هو «صدمة عمرها»، و إنها حرة ترتدي ما تشاء، ولو أن هذا الشعب متدين بطبعه حقا لغض بصره، وأضافت أنها تأذت بشدة من تداول التسجيل المصور الذي يُظهر الجريمة التي اقتُرفت بحقها، وأن لها أسرة، ولصديقتها أسرة، وأنها تعرضت للهجوم واللوم من أصدقائها والمقربين إليها لإنها مارست حقها في السير في الطريق! وقالت أنها لن تقبل بإيقاع مظلومية على أطفال أبرياء وشباب شهم تطوع لمساعدتها ولن تهدأ حتى يتم القبض على من انتهك حرمة حقها، ولو استدعى الأمر عدم إغلاق الملف بما يستتبع ذلك من أذى متواصل عليها. وأخيرا قالت أنها لم تتلق اتصالا واحدا من أي جمعية من جمعيات حقوق المرأة، ولم يعرض عليها أحد أن يعالجها من جراء الصدمة البشعة التي مرت بها، وأن كل من اتصلوا بها كانوا من وسائل الإعلام، وأنها رفضت الظهور.

تحليلات وتنظيرات وأمشاط وفلايات!

أمر بالغ السوء أن تتحول آلام الإنسان وصدماته إلى مادة لمزيد من النهش والسخرية أو التنظير والتأملات الفلسفية.  فقد انقسم شعب مواقع التواصل الاجتماعي إلى مجموعات:

مجموعة رئيسية تلوم الفتاة على السير في الطريق بملابس السهرة وفي وقت متأخر من الليل. وكأن الطريق، والسهر، والاحتفال، والملابس، والأناقة، هي حق ذكوري بحت، أما النساء: فلهن الاكتئاب و”الكمكمة” والانطواء والحبس الانفرادي داخل البيوت.

مجموعة «ولكن»: وهي المجموعة المهذبة المتدينة الراقية بأخلاقها الأميرة بنقابها الملكة بعادتها المحترمة بأسلوبها، والتي تدين التحرش بشدة، «ولكن»… ولكن على النساء توخي الحذر طالما أننا نعيش في هذه الغابة المسماة بالوطن.

مجموعة «اللعنة على الرجال»: والاستطرادات الأليمة حول التجارب الشخصية، والتي قد تكون مفيدة إلى درجة ما، وتساعد على إعلاء صوت طالما تم اسكاته، إلا أن الإغراق فيه سيحول الأمر إلى عقد شخصية، وإلى تصوير من تتبناها على أنها «الرفيقة الدادا أم عطيات»، وأن القضية لا تعبر عنها سوى مجموعة نساء معقدات، يكرهن الرجال، بسبب حوادث فردية.

مجموعة «دنيا وفيها العجب هو اللي مستعجب»: وهي مجموعة لا أدري كيف وصلت إلى هذا المستوى من الانفصال عن الواقع والانقطاع عن العالم، حيث تعبر عن اندهاشها، وتتساءل في براءة: أين أخلاقنا؟، رغم أن حوادث التحرش الجماعي لها تاريخ طويل عريض في مصر، وربما قد تحولت إلى طقس متبع، خاصة في الأعياد والمناسبات.

 وللتذكرة ففى 2006 قامت مجموعة من المدونين، ومنهم مالك مصطفى ووائل عباس ومحمد جمال بشير و محمد الشرقاوي و محمد خالد وغيرهم، بنشر صور التقطوها مصادفة خلال ارتيادهم لدور السينما في عيد الفطر. وكان المشهد مشابها، إلا أن الضحايا تعددن، وكن كلهن، كلهن يعني كلهن، محجبات، وبعضهن يرتدين الإسدال أو النقاب. كما أن الضحايا لم تفكرن في تقديم شكاية في قسم الشرطة.

قام المدونون بنشر هذه الصور، وكانوا أول من تحدث عن التحرش الجماعي. اتصل بي محمد الشرقاوي لينبهني للواقعة، فقلت له «إنني ذاهبة الآن لمناقشة مسلسلات رمضان في برنامج العاشرة مساء الذي كانت تقدمه وقتها المذيعة منى الشاذلي»، لم يزد عن أن قال: «طيب بس قبل ما تروحي تتكلمي عن المسلسلات افتحي النت لو سمحتي وشوفي الصور».

في عجالة فتحت المدونات لأرى مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: خليط من الصدمة والغضب والحزن والخوف والهلع. أثناء مشاهدتي للمدونات اتصل بي سائق السيارة التابع لقناة دريم: يا أستاذة أنا منتظرك.

دخلت الاستوديو وأنا معبأة بالغضب والخوف، بمجرد أن وجهت لي المذيعة سؤالا حول أكثر المسلسلات الرمضانية نجاحا، فوجئَتْ بعاصفة من الغضب تنطلق من فمي، أصف لها ما رأيت، وكيف أن الرجال كانوا يتجمعون على النساء ويجردوهن من ملابسهن تماما.

فبدا الحرج والغضب على المذيعة التي شعرت بالغيظ لأنني أقحمتها فيما لم تتأهب له.

لكن: أهو ده اللي صار وآدي اللي كان.

فمن أين جاء هؤلاء الأبرياء بسؤال: راحت فين أخلاقنا؟

محمد رمضان هو السبب!

ينقلنا اسم الفنان محمد رمضان إلى مجموعة أخرى تتحدث عن تأثير محمد رمضان وعادل إمام وأغاني تميم يونس على الشباب وتسببها في زيادة نسبة التحرش!

لا بصوا… أنا لا سني ولا لياقتي يسمحوا لي بالرد على الكلام ده.

هذا منطق، فوق تفاهته وسطحيته، أبوي ذكوري سلطوي، يهدف إلى إحكام مزيد من المصادرة والقمع، وإلى جانب الرغبة في السيطرة على النساء، يرغب أصحاب هذا المنطق في كتم أنفاس الفنانين وتحميل الفن فوق ما يحتمل.

ماذا عن القناعات الدينية يا جماعة؟ ودور خطب الجمعة والخواطر القرآنية والإيمانية التي رسخت لتصور أن العفيفة هي التي تحتجب احتجابا لا تقوى النساء على بلوغه، فحتى المنقبة التي تتعرض للتحرش تتهم بإنها تستحق ما جرى عليها لإن نقابها ملون، وأن الله قد خلق الرجل محكوما بشهوته، وأن العفيفة عليها أن تتجنب مواضع الشبهات، وأن غير العفيفة تستحق ما يجري عليها، وأن «الذي في قلبه مرض» يحق له أن يطمع، ولا تلومين إلا نفسك، وأن المرأة لابد لها من ولي شرعي يتحكم في ملبسها وحركاتها وسكناتها، وأنه في حال العثور على امرأة شاردة بدون صاحب، فهي مشاع وسبيل، و«مالكيش أب ولا أخ ولا جوز سايبينك نازلة كده»، وكأنها عنزة لابد لها من راع؟

لا أريد تكرار حديث أصبح ممجوجا عن نساء الستينيات اللاتي كن يرتدين الميني والميكروجيب، ولم تكن وقتها السينما «النظيفة» قد ظهرت، ولم يتعرضن لهذه الأهوال. لقد كان التحرش  موجودا طوال الوقت، حتى في فترة الستينيات، لكن هذا الهجوم الجماعي ليس تحرشا جنسيا، إنه أشبه بتنفيذ مجزرة جماعية ضد امرأة كتلك التي نفذت بحق هيباتيا منذ عشرين قرنا. هذا الهجوم كاد يودي بحياة عدة نساء. وهذه المجاميع  أو القطعان تتحرك بثقة تامة في أن جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير الرسمية تقف خلفهم وسوف تبرر لهم، لأن الضحايا لسن من «المحصنات»! مهما فعلت فهي ليست محصنة.

المحصنة الوحيدة هي المرأة التي تجاوزت الستين… قبل بلوغ هذا السن الرسمي فليس للمرأة ثمن!

ما الحل؟

لا أعرف حقا، الحل ليس بأيدي النساء، لأنهن ببساطة خائفات. حتى اللاتي يصفن أنفسهن بالنسويات، يجلسن في بيوتهن خلف الشاشات ويوجهن خطاباتهن الغاضبة لأصدقائهن ويتعرضن لتحرش وتنمر إلكتروني، تعده الضحية أخف وطأة من تعريض حياتها للخطر في الشارع. ولا أجد أن الاستسلام للضغوط المجتمعية وفرض زي موحد على النساء – كما هو كائن بالفعل – سيحل المشكلة، ناهيك عن القمع والقهر، فإن فكرة «الاحتشام» و«مراعاة مشاعر الشباب والرجال»، فكرة مجردة وهدف مستحيل المنال، فطالما تم «تشريس» الرجل وتدريبه على ملاحقة النساء مع إلقاء اللوم عليهن، لن يرتدع هذا الرجل ولن يتوقف ولو سارت المرأة بلا مَعْلَم يحدد هويتها الجنسية. سيظل الرجل يبحث عنها ويلاحقها ويطاردها، حتى في عقر دارها، ثم يصب عليها فى النهاية جام غضبه ولومه، ويالها من مهزلة..

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق