منوعات

عصمت سيف الدولة.. صاحب نظرية الثورة العربية

هو مفكر من طراز رفيع، جمع بين فصاحة اللغة وجمالها، وخاض غِمار معارك فكرية جديدة ومُتجددة، وبدا – عبر مسيرته- مِقداماً ورائداً يغرد بمفرده.

دخل معارك لا تُعد ولا تُحصى، خرج في الكثير منها مُنتصراً، وفي القليل منها مُنهزماً، وفي كل هذه المعارك  ظل قوياً شامخاً، غير أن الابتسامة لم تكن  تعرف وجه هذا الصعيدي الصلب إلا في حالة النصر الْمُبِين، فهو لا يعرف أنصاف الحلول، ولا يقبل بعطايا الأفراد أو الحكومات أو أي سلطة، حتى لو كانت تلك السلطة، هي القريبة الى فكره وفلسفته ومنهجه في الحياة.. إنه الدكتور عصمت سيف الدولة، الذي  كانت رحلته مزيجا من الشجاعة والفكر والنضال السياسي القومي.

عصمت سيف الدولة مع المقاومة الشعبية ضد الاحتلال 1952

لا كرامة لنبى فى وطنه

ثلاثة مواقف كنت شاهدا فيها  على هذا الصعيدي ابن قرية «الهمامية» التابعة لمركز البداري بمحافظة أسيوط ،والمولود في أحد بيوتها في العشرين من أغسطس من عام 1923م..الموقف الأول جرت وقائعه في واحدة من أهم مكتبات وسط البلد، في قلب القاهرة، وعند مُنتصف الستينيات من القرن الماضي. كُنتُ أبحث عن كتاب له عنوانه «أسس الاشتراكية العربية» سمعت عنه تحت تأثير كتابات نقدية ماركسية، مُتهمة إياه بأنه جاء مُخالفاً لما جاء في «ميثاق العمل الوطني» (وثيقة «عبدالناصر» الأهم)، والتي أكد فيها أن «الاشتراكية العلمية» هي المنهاج الصحيح للتقدم.

دخل الدكتور «عصمت» إلى تلك المكتبة موجهاً سؤالاً بدا حاسماً لصاحبها ومديرها، عن معدل توزيع كتابه، وعندما سمع  أرقاما  متواضعة، خرج غاضباً لا يلوي على شيء، ولم يترك لصاحب المكتبة الشهير أن يُفسّر له ما نطق به.

وعرفت وقتها أن ذلك الزائر العابر هو الدكتور عصمت سيف الدولة لا سواه، مُبدياً أسفاً وندماً عَلى ضياع فرصة معرفة هذا المفكر الكبير. غير أن تلك الفرصة لم تأت مرة أخرى إلاّ بعد اثني عشر عاماً، وفى ظروف صعبة، في محكمة باب الخلق.. فقد كنت وقتها  ضمن معتقلي اليسار المصري إثر الانتفاضة الشعبية في يناير من عام ١٩٧٧، وكان الدكتور «عصمت» على رأس هيئة الدفاع عن معتقلي حزب التجمع وباقي التيارات اليسارية والقومية الأخرى، وكان ملف قضيتي بين يديه.

غير أن المُهم، والذي لا أنساه أبدا في هذا الموقف، هو ذلك الحوار الرائع الذي دار بين الدكتور «عصمت» وجاري في ذات القفص الذي يُضمُنا، وهو الأستاذ «محمد يوسف الجندي» مدير «دار الثقافة الجديدة»، الذى كان متهما بعضوية اللجنة المركزية للحزب «الشيوعي المصري».. كان الحوار بين الرجلين يدور حول إدارة الدكتور «عصمت» لدار الثقافة الجديدة، التى أوكلها له الأستاذ الجندي، والتي تُعرف بأنها أهم دار يسارية وماركسية في مصر، وربما في الشرق كله، وهو من هو. فلم يجد الأستاذ «محمد» ابن «يوسف الجندي» أحد أبطال ثورة1919، وصاحب «جمهورية زفتى»، من بين رفاقه في الحزب الشيوعي، رَجُلاً مؤتمناً، وكفؤاً، لإدارة الدار فى غيابه، سوى الدكتور «عصمت»، ذلك المقاتل الصلب، العنيد. وكان الحوار بينهما نموذجا فى الصدق والأمانة والنزاهة والوطنية أيضا.

 أما اللقاء الثالث والأخير مع الدكتور عصمت، فكان في بلد عربي خليجى شقيق في مُنتصف الثمانينيات، إذ قرأت إعلاناً صغيراً في صدر الصفحة الأولى للصحف الثلاثة الرئيسية في ذلك  البلد عن مُحاضرة للدكتور «عصمت سيف الدولة».. فذهبت قبل الموعد المُحدد للمحاضرة بنحو ساعة، وهالني ما رأيت.. فالقاعة الكبيرة التي تتسع لأكثر من خمسة آلاف فرد، غُصت عن آخرها، ولا موضع لقدم، حتى أن مستضيفيه فكروا في نقل المحاضرة إلى الملعب الرئيسي لكرة القدم، غير إنهم امتثلوا لقراره بالبقاء في القاعة المُحددة.

بدأت محاضرة الدكتور«عصمت» وبدا الحضور كأن على رؤوسهم الطير، حتى أنني تيقنت يومها من صدق ما كان يُقال عن الدكتور «عصمت» بأن شهرته في أقطار الوطن العربي من المحيط الى الخليج، تفوق بعشرات المرات معرفة أهل مصر بهذا المفكر الكبير ذائع الصيت، وبدا صحيحا ذلك المثل العربي الأثير الذي يقول: «زمار الحي لا يُطرب». أو تلك الكلمات المأثورة عن أنه «لا كرامة لنبي فى وطنه».

الحركة العربية الواحدة

الدكتور عصمت سيف الدولة، الحاصل عَلى ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام ١٩٤٦، وعلى درجة الدكتوراه في القانون عام ١٩٥٧ من جامعة باريس، سبقته مؤلفاته في الفكر القومي والتشريع والقانون، ومنها «نظرية الدفاع الشرعي في القانون المصري المقارن»، وهي رسالته للدكتوراه، وهي بالفرنسية، و«أُسس الوحدة العربية»، و«النظام النيابي ومشكلة الديمقراطية»، و«الاستبداد الديمقراطي»، و«رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة»، و«عن الناصريين وإليهم»، و«المحددات الموضوعية لدور مصر في الوطن العربي» وغيرها.

كان عصمت سيف الدولة مفكرا قوميا غزير الانتاج، لا ينافسه في تاريخ الفكر القومي، وطوال القرن العشرين، سوى «ساطع الحصري» المفكر القومي العربي الأول. غير أن واحدا من مؤلفات الدكتور «عصمت» حظي بخصوصية فريدة لم ينلها أى  كتاب من كتب مفكري الإتجاه القومي العربي، بما فيهم «ابن  خلدون و ساطع الحصري» .فقد اتفقت قيادتا حزب البعث العربي، في العراق، زمن صدام حسين، وفي سوريا حافظ الأسد، أن يجعلا كتابه «نظرية الثورة العربية» وهو مؤلف من سبعة أجزاء، النظرية والفلسفة الرسمية لنظامي الحكم، وفلسفة الحزب، رغم معارك الدم، وحروب الثأر بين فرعي الحزب الواحد. بل  إن  من المُدهش حقاً، أن صدام حسين وغريمه حافظ الأسد اتخذا هذا القرار الحزبي في وقت واحد، وخلال حياة «ميشيل عفلق» مؤسس الحزب التاريخي، وفيلسوفه طوال أكثر من نصف قرن.

فما هي تلك الفلسفة التي أقام عليها الدكتور «عصمت» نظريته في فهم العروبة والوحدة العربية والعمل القومي العربي؟

طمح «سيف الدولة» إلى وضع «نظرية» لـ «الحركة العربية الواحدة» التي دعا إليها جمال عبدالناصر سنة ١٩٦٣، إثر فشل محادثات الوحدة الثلاثية بين قادة مصر والعراق وسوريا، للتغلب على الاختلافات الحزبية بين الأُطر السياسية والحزبية العربية ذات الانتماء القومي، وقد ظهرت فيما بعد دعوته الى قيام تنظيم «حركة أنصار الطليعة العربية» كما هو مُّبِيّنْ في ما أسماه «بيان طارئ» الصادر عنه ممهوراً باسمه في سنة ١٩٦٨. وكان يتصور أن الرئيس عبدالناصر سيتبنى تصوراته لهذا التنظيم، وفكرته عن الاشتراكية العربية عندما يُعيد النظر في التكوين التنظيمي للاتحاد الاشتراكي العربي، ومراجعة «الميثاق» كما  كان مأمولا في سنة ١٩٧٠.

كانت نقطة انطلاق الدكتور «عصمت» في بناء هذه الفلسفة، ما يسميه بـ «جدل الإنسان»، والتي تتجلى في تطور الأُمم وإرساء الديمقراطية، والاتجاه الى المزيد من «الحرية» التي تعني لديه إرساء أسس ثابتة لتغيرات اقتصادية واجتماعية جذرية تؤدي بالضرورة الى قيام «الاشتراكية» ليخلص الى الاستنتاج التالي  

«وبهذا يكون جدل الانسان قد أرسى الاشتراكية عَلى أساسيْن: الديمقراطية والحريّة، بشرط قيامهما في إطار عربي قومي، لا قُطري أو جزئي» ويخلص الى أنه «لابد طبقاً لجدل الانسان، من أن نبدأ من حيث نحن، وظروفنا نحن، ولذلك تستقيم لنا من واقع قراءاتنا لظروفنا غايات ثلاث: الحرية والوحدة والاشتراكية»

وهكذا تمضي اجتهادات الدكتور «عصمت سيف الدولة» من واقع حالم لأمة عربية لا يؤمن حكامها وقادتها بفكرة الوحدة العربية الحقيقية إلا القليل والنادر!!

جمال عبد الناصر، عصمت سيف الدولة

عن ناصر والعروبة والإسلام

بيد أن هناك ثلاثة أعمال أدبية وفكرية، من بين أكثر من عشرين كتاباً تركها لنا هذا المفكر الكبير، بلغ فيها الدكتور «سيف الدولة» قمة الثراء الفكري والقومي، وهي: «مذكرات قرية» الصادر في القاهرة عن دار الهلال عام ١٩٩٤ في جزئين، وقبل انتقاله الى رحاب الله بعامين حيث توفي في ٣٠ مارس ١٩٩٦، وكتاب «هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً؟»، الصادر في بيروت سنة ١٩٧٧، وكتابه الرائع «عن العروبة والإسلام» والذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام ٩٨٨. وفي ظني أن أهمية الكُتب الثلاثة ترجع إلى أنها ناقشت مشكلات ذات طابع واقعي وإشكالي راهن، وتعتمد عَلى أسس موضوعية، ولذلك تطرح رؤية شاملة وراسخة، تقترب من حد الكمال.

ففي اطلالة سريعة، على كل من هذه الكتب، يتضح الدليل على ما أقصده، ففي «مُذكرات قرية» يكاد يكون النص بمثابة دراسة رائعة عن قرية «الهمامية» مسقط رأس الدكتور «عصمت»، فهي السيرة الذاتية له، وخصوصاً في مرحلة الطفولة والصبا والشباب خلال سنوات الأربعينيات من القرن الماضي، لكنها – فى ذات الوقت- إبحار رائع ومُدهش في تاريخ مصر والإنسانية في مختلف العصور، حيث توقف عند عشرات الوقائع الانسانية والتاريخية، حتى أنني لا أُبالغ اذا قُلتُ أن تلك المذكرات، وهي أقرب الى الرواية، قد جمعت بين جماليات اللغة وبؤس الواقع، عند طه حسين في رائعته «الأيام» وتحديداً في جزئها الأول، ورواية توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» في واقعيتها المريرة ولغتها الساخرة.

أما كتابه «هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً؟» فهو يناقش بلغة سهلة واضحة، تلك الاشكالية التي ما برح أعداء ثورة يوليو يوجهونها سهاماً الى صدر قائدها، باعتبارها كعب أخيل في تجربته الرائدة، وهو الأمر الذي يقع فيه أيضاً، وللأسف الشديد، الكثير من أبناء الثورة ذاتها. حيث يفند الدكتور عصمت ،وعبر أربعة عشر فصلاً  هي فصول الكتاب، تلك الأكذوبة التي تتهم «ناصر» بإجهاض التجربة الديمقراطية السابقة لسنة ١٩٥٢، حتى أنه يُصدّرُ كتابه بتلك الكلمات المنقولة عن الرئيس عبدالناصر، والتي تقول: «هناك اتصال عضوي بين الاشتراكية والديمقراطية، حتى ليّصدُق القول بأن الاشتراكية هي ديمقراطية الاقتصاد، كما أن الديمقراطية هي اشتراكية السياسة».

وهو قول يراه الدكتور «عصمت» أساساً موضوعياً أقام عليه هذا البحث الرائد بكل المقاييس، فقد استخدم مخزونه الثقافي الهائل، وخبرته القانونية والدستورية الكبيرة في مناقشة العشرات من القضايا، مثل أسطورة المُستبد العادل، والسلطة، كل السلطة للشعب، وتحرير الفلاحين، والنقد والنقد الذاتي، غير أنه يستخلص الدروس المهمة لمن يريد أن يتعلم

وبنفس المنهج يقدم «سيف الدولة» أطروحته الفذة «عن العروبة والإسلام» فمن خلال ثلاثة فصول وهي «الظالمون، والمنافقون، والجواب» وعبر خمسمائة صفحة من القطع المتوسط، يُناقش أكثر من خمسين قضية هامة وخطيرة في حياة العرب والإسلام والمسلمين، ويعلن وبلغة واضحة لا ينقصها التحدي في مُفتتح كتابه تلك الكلمات الحاسمة التي تحدد الهدف من عمله الخطير: «في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا، طائفة تناهض الإسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالإسلام، فهما مُختلفتان، وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام كليهما.. فهما متفقتان، وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تُضِّل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم، وانهما لتحرضان الشباب العربي عَلى معارك نكراء تكاد تلهيه عن معارك تحرير أمته».

وهكذا مضي ذلك المقاتل الصلب، والمفكر الكبير في كل معاركه حتى النفس الأخير من حياته، غير هيّابْ من مخاطر، أو مُتراجع عن حرب قرر خوضها، أو مُتصالح مع عدو يحتل أرضه، أو قابل بحلولٍ وسطٍ، حتى مع بعض حلفائه، رافضاً كل صور الهوان لأمته، أو الحّطْ من تاريخها، أو اغتيال أحلام الأجيال الصاعدة من شبابها.. رحمه الله

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق