رؤى

نهاية عقد مضطرب: الحالة السلفية.. من الدعوة إلي السياسة.. إلى التدهور

إذا كان العقد الماضي عقدا مضطربا، فقد كانت السلفية أكثر الاتجاهات التي تعرضت لاضطرابه وتقلبه، ولا تزال الحالة السلفية تواجه اليوم -هي ذاتها- تقلبا وتدهورا.

لم تشتهر الحالة السلفية إلا في سبعينيات القرن الماضي، في سياق الصعود الإسلامي في الجامعات بتياراته المختلفة، حيث أطلق مجموعة الطلاب، الذين اختاروا تلك التسمية علي أنفسهم «الدعوة السلفية»، أو «المدرسة السلفية». وكان وجودهم الرئيسي في جامعة الاسكندرية، وقد رغبوا في تمييز أنفسهم عن الإخوان المسلمين بعلامة جديدة عنوانها «السلفية».

ربما لم يكن هؤلاء الطلاب يقدّرون في ذلك الوقت أن التسمية التي أطلقوها على أنفسهم لكي يميزوا بها وجودهم الجديد ستصبح ملء السمع  والبصر وموضع الجدال والنزاع والأخذ والرد. كانوا يركزون على التعلم ذي الطابع المدرسي، بعيدا عن أية نزعات سياسية أو مطامح ومطامع في السلطة.

الدعوة السلفية.. الزمن الماضي

اتخذ هؤلاء الطلاب الشبان لأنفسهم مسار الزمن الماضي وليس المستقبل، لكي يحددوا هويتهم ويعلنوا عن تأكيد مغايرتهم لغيرهم من الاتجاهات الإسلامية الأخرى، خاصة الإخوان المسلمين وبالطبع الصوفية والأزهرية والأشعرية والمعتزلة والفلاسفة والمتكلمين، فضلا عن الليبراليين والتيارات التي يصفونها بالعلمانية.

ركزت الدعوة السلفية علي الوعظ والدعوة وتجاوزت تيار «أنصار السنة» بميلها إلي شكل من أشكال التشبيك التنظيمي، الذي لا يرقى إلي مستوى تعقيد تنظيم الإخوان المسلمين، فليست هناك بيعة، ولكن هناك ترتيب تنظيم ومجلس إدارة للدعوة والتركيز علي خطاب المجتمع من أسفل، وفق منهج الألباني «التصفية والتربية»، أي تصفية العلوم الإسلامية مما أصابها من دخيل عليها، خاصة علم الحديث وتربية المسلمين علي قيم الإسلام الحقة، وليس التعجل بمواجهة الحكام والخروج عليهم.

تطور الدعوة السلفية مناهجها نحو إشاعة مايرونه عقيدة سلفية صحيحة في أوساط المسلمين، عبر شبكة أفقية مرنة لكنها تملك قدرا من الفاعلية والترابط والتنظيم الأفقي تجعل من الدعوة والتعليم وتصحيح المفاهيم مركزها الرئيسي، وهي في ذلك تركز علي مظاهر التدين الشكلي، فتجد مؤلفاتها تركز علي وجوب إطلاق اللحى وارتداء النقاب وبقاء المرأة في المنزل  وعدم عملها وعدم اختلاطها بالرجال، وعدم المصافحة بين الرجل والمرأة، والالتزام بما يطلقون عليه الهدي الظاهر من تقصير الثوب ووضع غطاء علي الرأس. وقد أصبح لدي الدعوة السلفية جيش من الدعاة ينطلقون في مساجد القري والريف وفي محافظات الدلتا بشكل رئيسي حيث انتشرت دعوتهم من الاسكندرية إلي كفر الشيخ إلي الدقهلية إلي البحيرة إلي الفيوم حتي عمت البلاد كلها تقريبا.

سلفية بصيغة متشددة

رفضت الدعوة السلفية رفضا قاطعا اقتحام عالم السياسة، وأشار ياسر برهامي في مقاله عن السلفية ومناهج التغيير إلى أن «الدعوة ترى عدم المشاركة في هذه المجالس المسماة بالتشريعية، سواء بالترشيح أو الانتخاب أو المساعدة لأي من الاتجاهات المشاركة فيها»، كما رفضت الدعوة سبيل التيارات الجهادية بمواجهة الحكام والخروج عليهم، كما رفضت الدعوة الفردية ورأت أن السعي لتكوين ما أطلقت عليه «الطائفة المؤمنة» هو القاعدة الصلبة لتحقيق ما أسمته «فروض الكفايات» المختلفة.

ياسر برهامي

والملمح الرئيسي هنا هو أن الدعوة السلفية المعاصرة في السبعينيات تجاوزت سلفية محمد عبده ورشيد رضا، ذات الطابع الإصلاحي العام والخطاب التوافقي فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر الأشعري أو غير المسلم أو حتي التواصل مع المستشرقين والحوار معهم، وفيما يتصل بالمرأة ومساواتها بالرجل وعدم الذهاب إلي القول بوجوب النقاب. وذهبت إلي استلهام صيغة مقفلة ذات طابع متشدد لا يتلاءم مع الواقع المصري ويكلفه ما لا يطيقه ويرهقه، فقد كان تأثير الوهابية النجدية المفاصلة عليها طاغيا، كما كانت تأثيرات الألباني واضحة أيضا، وهو في التحليل النهائي مهتم بعلم الحديث ولا يعرف سياقات الواقع. كما أن الدعوة السلفية أغرقت نفسها في المعترك النصي، دون اعتبارٍ مطلقا للمقاصد العامة للشريعة، أو للانفتاح علي فهم مقتضيات الواقع للقبول بإمكان تطبيق ما اعتبرته مشروعا لها، وهو مشروع اجتماعي دعوي بالأساس ليست السياسة وعوالمها جزءاً منه أو موضعا للاهتمام أو التناول.

وقد رأت الدولة المصرية أن الدعوة السلفية بثقلها الدعوي النصوصي الوعظي المغلق الذي يتصور أنه يمكنه تغيير المجتمع عبر الخطابة والدعوة والوعظ والتعليم الديني والتربوي، تشكل فرصة لها لكي تقوم بشغل مساحة من الفضاء الديني المفتوح علي مصراعيه، ولا تستطيع مؤسسات الدولة الرسمية شغله، بينما تتمدد فيه قوي مناوئة للدولة، كالإخوان والتيارات الجهادية. ويبدو أن نظر الدولة المتسامح مع الدعوة السلفية مكّنها من التمدد والوجود والانتشار، لكنه كان وجودا في سياق مغلق و نزاعي، وسياق لجماعة في مواجهات جماعات أخري، ولم تملك تلك الدعوة في أي لحظة مشروعا متكاملا أو رؤية متماسكة لتحقيق فلسفتها، وهو ما جعلها غير قادرة علي تجذير وجودها في قلب المجتمع المصري. فقد كانت شكلية وسطحية وتفتقد الرؤية والفلسفة القادرة علي بناء تكتيكات أو خطط عملية وحقيقية لتجذير مشروعها الدعوي ذي الطابع الاجتماعي.

الاقتحام العشوائي لعالم السياسة

رغم أن الدعوة السلفية اعتبرت الثورات العربية التي اندلعت خلال العقد الأخير في بداياتها حالة من حالات الفتنة، لا يجوز الانخراط فيها أو دعمها، إلا أنه بعد نجاح هذه  الثورات، غيّرت الدعوة السلفية اجتهاداتها فيما يتصل بالعمل السياسي والحزبي والبرلماني، وانخرطت بقوة لتنتهز ما اعتبرته فرصة لها لتؤسس حزبا سياسيا «حزب النور».

بيد أن المشهد السلفي العام بدا منقسما متوزعا، حيث لاحظنا تأسيس سيل من الأحزاب السلفية الأخرى، فسمعنا عن حزب «الفضيلة» ثم حدث للحزب انشقاق أسفر عن ظهور حزب «الأصالة»، وظهر علي الساحة «حازم صلاح أبو اسماعيل» متحدثا عن حزب سلفي «الأمة» ثم «الراية». وفي الخلفية لم يشأ العلماء السلفيون أن يبقوا بعيدا عن المشهد، فكان هناك أسماء مثل «مجلس شورى العلماء»، و«الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح».

حازم صلاح أبو اسماعيل

وكما انقسم حزب النور هو الآخر باستقالة مؤسسه الأول «عماد عبد الغفور» وتأسيسه لحزب سلفي جديد هو «الوطن»، شهدت مؤسسات العلماء خلافات وانقسامات أيضا، فانسحب «محمد حسان» الداعية السلفي من «مجلس شورى العلماء» و«الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح» بزعم أن الإخوان هم الذين يسيطرون علي الهيئتين وأن «خيرت الشاطر» هو الذي يوجههما، كما انسحب حسن أبو الأشبال من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح لعدم سرعتها في حسم اختيار مرشحه الإسلامي للرئاسة وهو «حازم صلاح أبو إسماعيل»، كما هاجم «فوزي السعيد» الهيئة والإخوان معا، وهاجم «عبد الرحمن عبد الخالق» القطب السلفي البارز المقيم في الكويت جماعة الإخوان بقوة وذلك لما اعتبره نقضا لعهدها بعدم تقديم مرشح للرئاسة، بل إنه قال لا يجوز التصويت لمرشح الإخوان، لأن المصوت له يدخل في صفقة نقض العهد التي أقدم عليها الإخوان.

نحن أمام تحول ذي دلالة يكشف الحالة السلفية، ويُظهرها للعيان كحالة قابلة للتشرذم والانقسام والذهاب كل مسلك، كلما لاح لفريق منها أن يتخذ مسلكه الخاص ورؤيته الذاتية المدعومة برؤية دينية مغلقة، ترقي لمستوى العقيدة التي لا يمكن التنازل عنها، أو الوصول لحلول توافقية تحفظ المشهد السلفي الجديد المقتحم لعالم السياسة من الانكشاف والهشاشة.

حزب النور والإخوان

الملفت والمفاجئ في الانتقال السلفي الجديد من الدعوة إلي السياسة خلال السنوات العشرة الأخيرة، كان حصول حزب النور علي 27% من أصوات الناخبين  انتخابات أول مجلس نواب بعد ثورة يناير، حيث كان منافسا لا يباري للإخوان المسلمين. بيد إنه كان يخشى من جماعة الإخوان، فظل يحمل في نفسه جذور خلافه القديم وأساس نشأته الأولى في مواجهتها، ومن هنا لم يصوت السلفيون لمرشح الإخوان في الرئاسة، بل وزار «ياسر برهامي» المرشح المنافس لمرشحهم في الجولة الثانية من الانتخابات «أحمد شفيق». وقد بادل الإخوان السلفيين تخوفا بتخوف، فلم يشركوا أحدا منهم في السلطة، ومن كانوا هناك في قصر الرئاسة لم يلبثوا أن تركوه، وكان السلفيون هم من تحدثوا عن «أخونة الوظائف» في الدولة، وقالوا إن لديهم ملف محاولة سطوة الإخوان علي مفاصل الدولة. ويبدو أن الدعوة السلفية كانت تخاف من استمرار الإخوان في السلطة، ولذلك قال ياسر برهامي: لو خرج الشعب بالملايين ضد محمد مرسي، فإنه سيدعم ذلك، وبعد الاطاحة بحكم الإخوان المسلمين، كان «جلال مرة» الأمين العام لحزب النور حاضرا في مشهد الثالث من يوليو 2013، إلي جانب شيخ الأزهر والبرادعي وبابا الكنيسة، وهو ما جعل الحزب هدفا لكل القوي السلفية التي تحالفت مع الإخوان، واعتبرت أن مشروعها للحكم بالشريعة وإقامة دولة دينية قد سقط.

كسوف السلفية

لم يستطع حزب النور السلفي أن يحصل في انتخابات 2015 علي نسبة تذكر من أصوات الناخبين، مقارنة بما حققه عام 2012، وذلك لطبيعة النظام الانتخابي من ناحية، وللهجمة التي تعرض لها الحزب بعد انحيازه لمن نزعوا السلطة من الإخوان من ناحية أخرى. فقد أصبح الحزب والدعوة السلفية هدفا لهجوم سلفي عات من الدعاة المستقلين الذين انضموا للإخوان في محنتهم خاصة «فوزي السعيد» و«محمد عبد المقصود» و«نشأت أحمد»، وهم من كان يُطلق عليهم «سلفيو القاهرة». كما انشق عدد كبير من قواعد الدعوة السلفية عنها، كما حدث في مطروح التي أعلن منتسبوها انسحابهم من الدعوة السلفية والاكتفاء بالعمل الدعوي. كذلك انشق بعض رموزها المهمين كـ«سعيد عبد العظيم»، وانزوي معتزلا «محمد إسماعيل المقدم». ورغم أن الحزب بقي مستمرا في العمل السياسي بنوابه الاثني عشر، فإن الدعوة السلفية لا تزال تري أن الحزب والسياسة ليست سوي أدوات لحماية الدعوة من الانهيار والتدهور وبقاء الدعوة السلفية كأساس للحركة.

 إلا أن ضغوط السياسة علي الدعوة السلفية جعلتها تبدو كتيار براجماتي لا تحكمه ثوابت دينية، وهو ما وضعها موضع الريبة وعدم الثقة، سواء من جمهورها الأصيل، أو من عموم الشعب المصري الذي لم تعد قضايا السلفية تشغله، كما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي وبعد مطلع القرن الجديد.

 أما من أطلقوا علي أنفسهم «التيار الإسلامي العام». والذين كانوا داعمين لحازم صلاح أبو إسماعيل والجبهة السلفية ،فذهبوا أدراج الرياح، ذلك أنهم جميعا لم يملكوا مشروعا سياسيا، كما لم يملكوا رؤية مستقبلية وحشروا أنفسهم جميعا في سياق الماضي وزمنه، دون انفتاح علي عوالم المستقبل، وتمسك جميعهم بصيغة منغلقة لم تتماس مع اجتهادات النهضويين أو السلفيين الإصلاحيين، وإنما كان تماسهم أكبر مع تيارات الوهابية المنغلقة وخطابات الولاء والبراء، والكفر بالطاغوت، ومخاصمة الآخرين من القوي السياسية والاجتماعية، ومخاصمة الواقع المصري وعدم فهمه وبناء واقع مواز له، دون خوض حقيقي في مشكلاته ومعرفة حاجاته.

تبدو السلفية اليوم بكل اتجاهاتها وتياراتها في حالة تدهور عام، لا يبدو أنها قادرة علي الإفاقة منه في الأمد القريب المنظور  وكما قلنا في بداية هذا المقال، فإن العقد الماضي كان عقدا مضطربا، وكانت الحالة السلفية أكثر الاتجاهات التي تعرضت لاضطرابه وتقلبه ولا تزال تواجه اليوم تقلبا وتدهورا.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق