منوعات

العمامة الثائرة.. الأزهريون ومعركة الاستقلال الوطني

على مدار سنوات الثورة المصرية المطالبة بالاستقلال (1919-1922)، كان الأزهر جزءاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية المحركة للجماهير في تلك الثورة. وكان الجامع الأزهر ذاته، بمثابة مركز للثورة ومقرلها، يتناوب خطباؤها على المنابر وتُعقد فيه حلقات التنظيم للتظاهرات والاضرابات، خاصة الطلابية منها.

ولم يتغير دور الأزهريين كثيرا في أعقاب صدور تصريح 28 فبراير عام 1922، الذي منح مصر استقلالاً شكلياً فقط عن سلطة الاحتلال البريطاني، حيث استمر نضال المصريين والأزهريين بشكل خاص، من أجل تحقيق هدفي الثورة الأساسيين: الاستقلال الوطني والحكم الدستوري النيابي.

طلبة الأزهر وتصريح 28 فبراير

لم ير طلبة مصر وفي مقدمتهم طلبة الأزهر، كما يؤكد الدكتور عاصم محروس عبد المطلب في دراسته عن «الطلبة والحركة الوطنية في مصر» ما بين 1922 و1952، في هذا التصريح سوى استمرار للحماية البريطانية على مصر وإن بشكل مقنّع.وبالتالي استقبلوا التصريح بالتظاهر والاضراب، حيث أضرب طلبة الأزهر في 13 مارس 1922، وحاولوا اخراح من بقي من الطلبة من جامع محمد بك أبو الدهب المجاور لمقر الأزهر.

وعندما استقالت وزارة عبد الخالق ثروت التي تشكّلت عقب تصريح فبراير واعتبرتها الحركة الوطنية حكومة غير شرعية، أصدرت اللجنة العامة للطلبة الأزهريين بياناً تؤكد فيه أن الأمة قد شبعت «من مواعيد فاقت المواعيد العرقوبية»، وأنها -أي الامة- لا تقنع بغير «العمل الذي يشرف البلاد من المبادرة إلى الافراج عن جميع المنفيين والمعتقلين والمسجونين السياسيين والاسراع إلى إنكار تصريح 28 فبراير».

عبد الخالق ثروت

وفي ذكرى فرض الحماية البريطانية على مصر يبرق طلبة الأزهر إلى بيت سعد زغلول الذي بات يلقب باسم «بيت الأمة» وإلى رئيس الوزراء، وإلى الملك فؤاد الأول، مذكّرين باليوم الذي «انتهكت فيه حرمة مصر واعتدي فيه على حقوق شعب بأسره»، ومنددين في رسالتهم بتصريح 28 فبراير، معتبرين أنه «قائم على أساس موهوم».

الملك فؤاد الأول

وقد أظهر طلبة مصر، ولا سيما الأزهريين منهم، نضجاً وإدراكاً سياسياً مدهشا في المناقشات التي كانت تدور حول كيفية وضع دستور للبلاد، حيث نقلت صحيفة «الأفكار» عن الطلبة في ديسمبر 1922 رأيهم، وهو أن يكون الدستور وليد جمعية وطنية منتخبة انتخاباً صحيحاً، يعبر عن استقلال وادي النيل –أي مصر والسودان- استقلالاُ كاملاُ.

كما أن انشقاق بعض السياسيين عن الوفد المصري وتأسيسهم لما عُرف لاحقا باسم حزب الأحرار الدستوريين، قوبل بشك وريبة من الطلبة الأزهريين، الذين أكدوا في بيان لهم، بشأن هذا الحزب، أن نشأته «ليست في صالح الأمة». واعتبر البيان أن قادة الحزب «انحازوا إلى أعداء الأمة»، وخاطب هولاء  القادة قائلاً: «إن كنتم قد ضللتم الطريق وغاب عنكم معرفته واختلط عليكم الأمر، فها نحن نرشدكم بالنظر إلى جبل طارق»، في إشارة إلى منفى سعد زغلول ورفاقه، ونصح البيان ساسة الحزب بأن يتبعوا تلك القيادة المنفية «حيث تنحصر الرئاسة وتقصر عليها الزعامة وتتجسم فيها الوطنية».

سعد زغلول

وكما رفض الأزهريون وزارة ثروت باشا، لم يرضوا بوزارة توفيق نسيم التي خلفتها في نوفمبر عام 1922، حيث أصدرت اللجنة العامة لطلبة الأزهر بياناً تؤكد فيه أن «لا تصفيق لهذه الوزارة حتى نرى السجون تلفظ ضحايا العسف والوشايات، ويعود المنفيون وعلى رأسهم سعد، ويصدر الدستور وليد إرادة الأمة».

ولم يفت طلبة الأزهر بطبيعة الحال أن يرفضوا أن تمثل هذه الوزارة مصر في مؤتمر لوزان بسويسرا الذي عقد لتسوية الأوضاع الناتجة عن الحرب العالمية الأولى، وأكدوا أن من يمثل مصر هو الوفد برئاسة سعد زغلول.

ولم يكن تمسك الأزهريين بزعامة سعد يتبدى في بياناتهم السياسية فقط ،بل تعدى ذلك إلى عشرات البرقيات التي كانت تنهال على السياسي المنفي ،وهو في سيشل، حيث كانت تؤكد لزغلول، كما جاء في نص إحداها، أن المصريين وبخاصة الطلبة «على العهد كما كنا، يزيدنا الضغط إيماناً بالتمسك بمبادئك».

محمد توفيق نسيم باشا

الافراج عن سعد ورفاقه

ويتوج النضال الوطني المتواصل بقرار بريطاني بالافراج عن سعد زغلول ورفاقه في مارس من عام 1923، ويقع على عاتق الطلبة مسؤولية تنظيم احتفال شعبي بعودتهم، فيؤلف الطلبة لجنة خاصة لهذا الغرض وتضم مندوبين عن طلبة الأزهر.

ورغم الاحكام العرفية التي كانت مفروضة على البلاد آنذاك، ورغم التضييق الذي مارسته السلطات في محاولة لمنع كافة أشكال الاحتفال الجماهيري، إلا أن اللجنة المنظمة نجحت في نصب الأقواس وتزيين المحطات وما بينها على طول الطريق بين القاهرة والاسكندرية ونشرت اللجنة الانتخابية للأزهر مقالا يرحب بعودة زغلول ورفاقه.

وبالفعل يصل القائد المنفي إلى الاسكندرية في وسط احتفال واحتفاء شعبي مهيب ويقام له حفل خطابي في المدينة الساحلية ولدى وصوله إلى داره في القاهرة يتوافد عليه المهنئون من كل حدب وصوب.

عودة سعد زغلول من المنفى

ويخوض سعد زغلول والوفد المعركة الانتخابية التي تسفر عن فوز الوفد بأغلب مقاعد البرلمان، ويشكل زغلول وزارته الأولى في يناير من عام 1924، وهنا تبدأ مظاهرات الابتهاج من جموع الشعب.

تكشف برقية لطلبة الجامع الأحمدي عن موقف الأزهريين خاصة الطلبة منهم ،من هذه الوزارة، حيث تؤكد أن الطلبة هم «جنود سعد»، وتضيف «لقد آن للأزهر أن ينثني فرحاً وتيهاً، وللمعاهد الدينية أن تفخر بسفينة سعد ومن فيها»، وتخاطب زغلول قائلة «واصل جهادك فنحن مؤيدوك وأرواح الشهداء تحرسك».

وبطبيعة الحال، زادت مظاهر الفرح والاحتفاء بالوزارة الوطنية المنتخبة، حين قررت الافراج في فبراير من عام 1924 عن كافة المعتقلين إبان الثورة وهو المطلب الذي طالما نادت به الحركة الوطنية.

ولعله من مفارقات التاريخ أن الأزهر، الذي كان على مدار سنوات خمس نصيراً لسعد زغلول وصحبه وحزبه، بدأ بالبعد عنه وعن زعامته عقب توليه الوزارة.فقد استطاع الملك فؤاد الأول عقب صدور الدستور، أن يستميل الأزهر إلى جانبه في صراعه مع الوفد، وذلك من خلال مادة دستورية أبقت تنظيم الأزهر والمعاهد الدينية في يد الملك لا يد الوزارة أو البرلمان.

كما أن الصراع الحزبي كان له دور بارز في هذا الشقاق بين الأزهر والوفد، حيث يشير الشيخ محمد الظواهري، الذي تولى مشيخة الأزهر في ثلاثينات القرن العشرين في مذكراته، إلى أن الأزهريين «أشفقوا على أنفسهم» من الصراع الحزبي الذي برز على الساحة السياسية في أعقاب تصريح فبراير 1922، ففضلوا التبعية للملك بعيداً عن البرلمان والحكومة.

وبعد وفاة الملك فؤاد وتولي ابنه فاروق الحكم عام 1936، سار الأخير على نهج أبيه في استمالة الأزهر من خلال علاقته الشخصية مع الشيخ محمد مصطفى المراغي، وذلك في صراعه مع مصطفى النحاس، خليفة سعد زغلول وزعيم الوفد من بعده. ولهذا السبب تحديداً، بقي الشقاق والفجوة بين الأزهر ومشيخته، وبين قيادة الحركة الوطنية المصرية ممثلة في الوفد قائماً، حتى قيام ثورة يوليو عام 1952.

الشيخ محمد مصطفى المراغي مع الملك فاروق

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق