ثقافة

شوقي ضيف.. حارس الضاد

«أوصيك يا شوقي باللغة العربية خيرا، فلا شك عندي أنك ستكون حامل لوائها، وحارسها الأمين في المستقبل القريب». بهذه الكلمات شجع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الطالب أحمد شوقي ضيف، المتقدم للالتحاق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول؛ بعد أن رفع رأس العميد عاليا، وأثبت صحة وجهة نظره في أحقية خريجي تجهيزية دار العلوم، وحملة الثانوية الأزهرية في الالتحاق بقسم اللغة العربية المفتتح حديثا بالكلية، وقد كان القبول قاصرا على حملة شهادة «البكالوريا» دون غيرهم..

كان رأي «طه حسين» فى أحقية خريجى تجهيزية دار العلوم فى الالتحاق بكلية الآداب قد وجد معارضة شديدة من بعض رجال الكلية والجامعة، قرر عميد الأدب العربي، أن يوضع اختبار بالغ الصعوبة؛ حتى لا يجتازه إلا صفوة الطلاب، وترأَّس بنفسه لجنة الامتحان.. لكن هذا المرتقى الصعب كان بالنسبة لـ«ضيف» سهلا خصيبا، صال فيه وجال، وأتى بالعجائب.. حتى أن العميد لم يمنع نفسه من كيل المديح له والثناء عليه.

صدمة.. وأمل

كان ميلاد «شوقى ضيف» فى الثالث عشر من يناير عام 1910 فى قرية أولاد حمام التابعة لمحافظة دمياط، وحيث تتشابه قرى الدلتا في بؤسها وهدوئها ورقة حال أهلها وطيبة قلوبهم، وآمالهم البسيطة؛ بتأثير الطبيعة الوادعة التي تبطئ الزمن؛ فيتمدد ضجرا دون أدنى رغبة في إحداث ما يبدد هذه الرتابة الثقيلة، الأفدنة‏، ‏في ذلك الوقت الذي بدا فيه العالم منبهر الأنفاس بعد انصرام العقد الأول من القرن العشرين، مخلفا عديدا من الأحداث السياسية الكبرى، كانت مصر تتهيأ لدخول مرحلة هامة من مراحل نضال شعبها ضد الاحتلال البريطاني، بعد اغتيال رئيس وزرائها بطرس باشا غالي، الذي كان من أكثر من حابوا إنجلترا على حساب مصر وحريتها واستقلالها ومصالح شعبها.

بطرس باشا غالي

لم يكن والده الشيخ عبد السلام في هذا اليوم مشغولا بأي مما سبق ذكره إذ كان ينتظر على أحر من الجمر مولوده الأول الذي سيسميه «أحمد شوقي» آملا له أن يكون شاعرا كبيرا، أو شيخا أزهريا مثله على أقل تقدير.

ويشب «شوقي» وقد بدت عليه أمارات النبوغ والذكاء وخاصة في ما يتعلق بالقدرات اللغوية التي فاق فيها من هم أكبر منه سنا؛ وقد عززت هذه الأمارات آمال الوالد سالفة الذكر، لكن هذا الحلم البسيط –على تواضعه- تناوئه صروف الدهر- لحكمة يعلمها الله- فيصاب الطفل في عينه اليسرى بمرض يذهب بنورها، فتقيم الأسرة كلها في حزن شديد لفترة؛ لكن الوالد لا ييأس فيدفع بالصبي إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم؛ فيحفظه في غضون العام، مما يجعله محل إعجاب كل من يعرفه، ثم يلتحق الصبي بالمعهد الديني الابتدائي، فيأتي بأمر لم يُعهد من قبل فيمن هم في مثل سنه، إذ يضع مؤلفا يلخص فيه كتاب قطر الندى في النحو لابن هشام؛ ثم ينتقل شوقي بعد ذلك للمعهد الثانوي الأزهري بالزقازيق؛ ليتخرج فيه بعد سنوات بتفوق، ويزداد نهمه للعلم الذي وجد فيه سبيلا لا محيد عنه؛ فيلتحق بتجهيزية دار العلوم ويقضي فيها فترة وقبيل عامه الأخير فيها يحقق الله له رجاء حسبه بعيد المنال، وهو الالتحاق بكلية الآداب.. فيكون من تصاريف الأقدار ما سبق ذكره.

وتمضي سنوات شوقي الأربع الأولى بين أروقة قسم اللغة العربية بكلية الآداب وهو منكب على الدراسة وطلب العلم لا يشغله عنهما شاغل، ويتخرج فيكون ترتيبه الأول، ويعين محررا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة قبل أن يجري اختياره معيدا بالقسم، ليقضي أربع سنوات أخرى يواصل فيها البحث بدأب حتى يحصل على درجة الماجستير مع مرتبة الشرف في النقد الأدبي لكتاب الأغاني للأصفهاني، ثم درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الممتازة في رسالة عنوانها الفن ومذاهبه في الشعر العربي بإشراف الدكتور طه حسين الذي حرص في تقديمه أن يوجه الشكر للجامعة التي أنتجت الدكتور شوقي ضيف الذي استطاع أن ينتج رسالة علمية على هذا النحو الرائع، الذي سيكون بداية لمسيرة حافلة بالجهد والعطاء لم يُعرف لها نظير في تاريخ الأدب العربي.

دفاعا عن الأساتذة

لم يعرف عن الدكتور شوقي ضيف ميل نحو خوض المعارك الأدبية، كما كان حال كثير من مجايليه، اللهم إلا ما اضطر إليه اضطرارا، فقد كان شديد الإخلاص لأساتذته من القامات الرفيعة التي حفل بها زمنه، إذ شهدت الأوساط الأدبية في مطلع الستينات دفاعه الرصين والهادئ والموضوعي عن العقاد، في كتاب حمل اسم العقاد بعد أن تعرض الأديب الكبير لحملة من الانتقادات العنيفة غير المبررة، كما دافع عن محمود سامي البارودي وأحمد شوقي، غير أن معركته الأدبية الكبرى كانت دفاعا عن أستاذه ورائده طه حسين، الذي دان له بالفضل طيلة حياته، لكن خوضه لتلك المعارك لم يلهه عن مشروعه الأهم والأكبر؛ ألا وهو حفظ تراث العربية الأدبي وتحقيقه؛ من خلال تأليفه لأكبر وأهم الموسوعات المعنونة بـ«تاريخ الأدب العربي»، ويعد هذا المؤلف الضخم الذي صدر في عشرة أجزاء، واستغرق ثلاثة عقود من الزمن هو مشروع حياة شوقي ضيف حيث تناول تاريخ الأدب العربى على مدى ألف وخمسمائة عام، وقد بلغت مؤلفات ضيف أكثر من ستين مؤلفا تنوعت بين تاريخ النقد العربي والبلاغة والنحو واللغة والتفسير القرآني، وتعتبر موسوعة تاريخ الأدب العربى أكثر كتب الأدب طباعة وتوزيعا إذ طبع من الجزء الأول من تاريخ الأدب العربي اثنتان وعشرون طبعة، بينما طبع الجزء الثاني فى تسع عشرة طبعة أما بقية الأجزاء والمؤلفات فلم يبتعد عدد طبعاتها كثيرا عن هذه الأرقام، وقد ترجمت بعض أعماله مثل كتابه (عن النقد) إلى الإيرانية كما ترجم كتابه (الأدب العربي المعاصر) إلى الصينية وكتابه (عالمية الإسلام) الى الإنجليزية والفرنسية.

متسامح.. وثائر

وقد تدرج الدكتور شوقي في المناصب الأكاديمية إذ أصبح مدرسا بقسم اللغة العربية سنة 1943، فأستاذا مساعدا سنة 1948، فأستاذاً لكرسي آداب اللغة العربية سنة 1956، فرئيسا للقسم سنة 1968، فأستاذا متفرغا عام 1975، ثم أستاذا غير متفرغ بعد ذلك، كما انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية سنة1976، فأميناً عاما له سنة 1988، فنائبا للرئيس 1992، فرئيسا للمجمع ولاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية 1996، وكان قد ناهز السادسة والثمانين، ولا شك أنه لم يلق التقدير الذي يستحقه إلى الآن إلا أنه حاز عديدا من الجوائز والأوسمة والدروع منها: جائزة الدولة التقديرية في الآداب 1979م و جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي 1983، كما مُنح وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى ودروع جامعــات القاهـرة والأردن وصنعاء والمنصورة والمجلس الأعلى للثقافة.

د. شوقي ضيف يتسلم جائزة الملك فيصل

ولقد كان الدكتور شوقي صفوحا متسامحا لأبعد حد إذ تجاوز عن تعيين تلاميذ له في مناصب إدارية رفيعة بالكلية؛ ليصبحوا بمثابة رؤساء له، ولكنه تمرد على وضع شبيه بهذا عندما استقدم للعمل بجامعة الكويت عام 1970م واستُقبل بحفاوة بالغة كتعبير من المسئولين الكويتيين عن المكانة السامية التي يحتلها في قلوب تلاميذه ومحبيه في الكويت، وقد ساهم الدكتور شوقي في تأسيس النظام الجامعي هناك، ووضع جُل خبرته من أجل إرساء الأساس المتين لجامعة رائدة بالكويت، وقد نجح في تحقيق ذلك أيما نجاح، وظهرت بصماته واضحة في التعليم الجامعي بدولة الكويت، ولكنه عندما تم تعيين الدكتورة العراقية «وديعة طه النجم» رئيسة لقسم اللغة العربية؛ تقدم باستقالته وقرر العودة إلى مصر، وتضامن معه العالم المؤرخ المحقق الدكتور عبد السلام هارون؛ فتقدم باستقالته هو الآخر وعاد معه إلى مصر، وربما تكون هذه هي المرة الوحيدة التي يعلن فيها الدكتور ضيف عن احتجاجه على وضع يرى فيه انتقاصا من قدره؛ فلقد اتسع حِلمُه لاستيعاب الكثير من هذه المواقف التي كان يرى أن الانشغال بها والخوض فيها ربما يستغرق وقتا وجهدا هو أحوج ما يكون إليهما في مشروعه الأدبي، هذا المشروع العظيم الذي لم ينسه-رغم أهميته- رسالته كمعلم يحمل مشعل النور للأجيال؛ فكان له الفضل أن تخرّج  على يديه آلاف المثقفين الذين قادوا حركة الثقافة العربية في أنحاء العالم العربي.

وفي العام 2005م يرحل الدكتور أحمد شوقي عبد السلام ضيف بعد حياة مديدة قاربت القرن من الزمان، قضى معظمها راهبا في محراب اللغة العربية، حارسا لها ورافعا للوائها ومجددا لعلومها قيما على تراثها بالتحقيق والدراسة على خير ما يكون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق