ثقافة

عميد الأدب العربي يفضح أعلام عصره

يقف رأيان في وجه الذي يتعامل مع الكلام «الخاص» للمشاهير.. الأول يقول بعدم جواز كشف المستور، وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى مقولة: إن «المجالس بالأمانات» وتلك المقولة مأخوذة من حديث نبوي يقول نصه: «المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دمٍ حرامٍ، أو فرجٌ حرام، أو اقتطاع مالٍ بغير حق». وقد قالت جماعة عظيمة من علماء الحديث إنه ضعيف.معنى هذا الحديث – على ضعفه – هو وجوب ستر الكلام الخاص في المجالس، إلا إذا  تكلم أحد عن أنه سيقتل فلانًا، أو سيزني بفلانة، أو سيأكل مال فلان، ففي هذه الحالات يجوز إفشاء السر لمن يهمه الأمر، بعد نصح القائل وتحذيره. أما الرأي الآخر، فيرى أن خصوصيات المشاهير وثائق عامة يجب أن تُنشر وتُعرف.

قلتُ ما قلتُ، وعيني على كتابين تناولا المجالس الخاصة، الكتاب الأول هو «طه حسين يتحدث عن أعلام عصره» لكاتبه الأستاذ الدكتور محمد السيد الدسوقي وسنتناوله في سطور هذا المقال، والكتاب الثاني هو «شاهدة ربع قرن» للأستاذة عايدة الشريف ونتناوله في الأسبوع المقبل بإذن الله.

فرصة ذهبية

وُلد الدكتور محمد الدسوقي في العام 1934، ويعد بحق من كبار أساتذة الشريعة الإسلامية في الجامعات المصرية والعربية، وهو عضو بارز بالمجامع العلمية، وقد اختير خبيرًا بمجمع الفقه الإسلامي العالمي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بجدة في بعض دوراته، وكتب سبعين كتابًا معظمها يتعلق بالفقه الإسلامي. وقد عُرف الدسوقي بشدة الاهتمام بعميد الأدب العربي طه حسين، وقد كتب عنه كتابين، أولهما هو كتاب مقالنا وثانيهما هو كتاب «أيام مع طه حسين». وقد كان من حسن حظه أنه عمل في شبابه سكرتيرًا خاصًا للعميد وقد بدأت صحبتهما في العام 1964 وتواصلت حتى العام 1972 أي قبل رحيل العميد بعام واحد فقط، وقد ترك الدسوقي العمل عند العميد لكي يتفرغ لعمله الجامعي وذلك بعد حصوله على الدكتوراه.

والعمل مع طه حسين فرصة ذهبية، وقد أحسن الدسوقي استغلالها.

يقول الدسوقي عن كتابه الذي تفاعلت معه الساحة الأدبية العربية والمصرية: «هذا الكتاب الذي أقدمه اليوم عن علاقة العميد الرائد ببعض أعلام عصره ليس فيه إلا رواية النصوص والأخبار كما سمعتها، على أن تلك الروايات والأخبار التي اشتمل عليها الكتاب ينشر معظمها لأول مرة، ولذا تصبح لها قيمتها العلمية الهامة، والذي أود أن أشير إليه أني كنت أحرص على ألا يعرف العميد أني أدون شيئاً مما يقول، وكنت أنصت لحديثه وأسجله فور سماعه، ويعلم الله أني ما تقولت على العميد الجليل أو حذفت بعض ما قاله، وأني كنت أتغيا من وراء حرصي على التدوين لكل ما أسمع وأرى، خدمة الفن والتاريخ. علي أنني قد أمسكت عن نشر بعض ما أفضي به العميد لأنه لا جدوي منه في دراسة الحياة الفكرية لهؤلاء الأعلا».

هل أوفى الدسوقي بما أشهد الله عليه؟.. أقولُ: نعم. فليس في الكتاب ما يعد سرًا قام المؤلف بإفشائه، فرجل في ذكاء العميد كان يعرف قدر نفسه وكان يعرف أن ما يقوله سينشر يومًا ما حتى ولو لم يضع توقيعه عليه.

ثم ما نسبه الدسوقي للعميد تشهد الوقائع على صحته. أقولُ: لم يتقول المؤلف على صاحبه الجليل، ولم يقم بإفشاء أسراره.

كره الأمير للعميد

تناول الكتاب أربعًا وعشرين شخصية عامة، يأتي في المقدمة أمير الشعراء أحمد شوقي، وعنه يقول العميد: «كان شوقي في لقائه معي لطيفاً ولكنه كان يكرهني، لنقدي الشديد له وقد ذهب إلى لطفي السيد وقال له: قل لصاحبك: «إنه لن يستطيع أن يهدمني».

موقف العميد من الأمير كان عجيبًا فهو يقول عنه: «إن شوقي أول شاعر في العربية كتب المسرحية الشعرية، لكننا بدأنا في هذا الفن من حيث انتهى سوانا، ثم أن هناك عيباً في المسرحيات الشعرية العربية سواء مسرحيات شوقي أو غيره، وهو عدم التزام وزن واحد في المسرحية كلها وفي رأيي إن عدم التزام الشاعر في المسرحية وزناً واحداً دليل على ضعفه، فالشعراء الفرنسيون يلتزمون وزنًا واحدًا».

هذا النقد العنيف يدل على أن وراء الأكمة ما وراءها، فالعميد يعترف بفضل شوقي في سبقه إلى المسرح الشعري ثم يسلب منه هذا الفضل بحجتين متهافتتين، فشوقي متأخر عن الرواد وهم من الأجانب ثم هو يتنقل بين الأوزان وهذا ما لا يفعله الفرنسيون، هل الفرنسيون هم مسطرة الإبداع؟.

طه حسين، وأحمد شوقي

الأعجب أن موقف طه من شوقي لم يلن حتى بعد رحيل شوقي فقد علم  العميد أن الدولة اشترت بيت شوقي لتحوله متحفاً. فقال: إن شوقي حين نظم قصيدته في مدح كمال أتاتورك، نقدتُ هذه القصيدة وذهبت إلى أن شوقي أخذها من البحتري».

ومع هذا العداء الذي تجاوز حدود النقد الأدبي فإن ابن طه حسين الدكتور مؤنس قد تزوج من حفيدة شوقي ليلي العلايلي، وقد كتب في رثائها ديوانًا كاملًا!.

معاش المازني

رأينا كيف تواصل نفور العميد من شوقي وشعره حتى بعد رحيل أمير الشعراء، ولكن تلك الحدة يبدو أنها ليست من أخلاق العميد الراسخة فقد أحسن للمازني في حياته وفي مماته.

نقد المازني كتاب «حديث الأربعاء» وبعض القصص التي ترجمها الدكتور طه نقدًا قاسيًا جدًا.

قال المازني: «لقد لفتني من الدكتور طه في كتابه حديث الأربعاء أن له ولعًا بتعقب الزناة والفساق والفجرة والزنادقة».

لم يكتف المازني بهذا بل راح يقارن بين الدكتور طه وبشار بن برد وأبي العلاء، في تناولهم للحياة الجنسية ثم ختم المقارنة قائلًا: «فلا عجب إذا رأينا الدكتور كلفًا بتناول المُجَّان وأهل الخلاعة من شعراء العرب وتلخيص القصص التي تدور على الخيانات، وتسويغ ذلك والاعتذار له حتى لكأنما يحاول أن يقول بلسانه غير ما تلج به الرغبة في الكشف عنه والإفضاء به من مكنونات النفس».

ما بين سطور المازني أوضح من أن نشير إليه أو نخوض فيه، ولو غضب العميد من هذا الكلام لكان محقًا.

المدهش أن طه كان ينظر للمازني بعين الاحترام والتقدير.

يقول العميد: «لقد كنت أحب المازني وأقدره كل التقدير، لقد كان المازني أديبًا مرحًا، يعشق الفكاهة والسخرية، وكان له أسلوب خاص في الكتابة يجنح فيه إلى اليسر، وقد يظن بعض قرائه أنه يستعمل ألفاظًا عامية، لكن هذا الظن في غير موضعه لأن ما يُظن عاميًا هو فصيح كل الفصاحة، غير أن جريانه على الألسن وشيوعه بين الناس قد يوحي بأنه عامي ولما مات لم يكن له معاش، لأنه ليس موظفًا حكوميًا، ولكني وأنا وزير للمعارف طلبت من مجلس الوزراء أن يقرر لورثة الأستاذ المازني معاشًا، واستطعت أن أحمل مجلس الوزراء على أن يكون معاش ورثة المازني ثلاثين جنيهًا في الشهر، ولو استطعت أن يكون أكثر من ذلك لفعلت».

نلاحظ أن المازني قد توفي في العام 1949 ومبلغ الثلاثين جنيهًا كان يعد فلكيًا في تلك الفترة، ثم هو لم يكن من موظفي الحكومة ومع ذلك فعلها العميد مع واحد نقده بقسوة بالغة!.

وبخصوص المال يظهر من الكتاب أن العميد لم يكن يسعى خلف الأموال، فإن جاءت من طريق يرضاه لنفسه ولكرامته ولدينه فأهلًا وسهلًا، وإلا فلا، ويظهر من الكتاب أيضًا أن العميد -وقد ذاق مرارة الفقر -فإنه كان يسارع بتقديم العون لكل محتاج، وكان طه قد عجز عن سداد مستحقات دراسته في الجامعة المصرية، وكانت جنيهًا واحدًا فقط لا غير، فطلب الجنيه من صديق عمره أحمد حسن الزيات، ثم قال: «لم أرد له الجنيه ولن أرده».

طه حسين، والمازني

كتاب «هايف»

رأي العميد في تلميذه الشهير الدكتور محمد مندور كان في غاية السلبية، فهو  وفقا لما قاله العميد عنه للدسوقي: «ليس بذي بال في الثقافة، وليس له دور مهم في حياتنا الثقافية في هذا القرن ـ العشرين ـ.. وكتابه المعنون بـ«النقد المنهجي عند العرب» «كتاب هايف»، وأعلم أن هذا الكتاب -هو رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الدكتور مندور إلى جامعة القاهرة، فقد أوفدته في بعثة إلى باريس ومكث فيها اثنتي عشرة سنة، ولم يمكنه طوال هذه المدة من الحصول إلا على درجة الليسانس بسبب عبثه ولهوه وعدم إخلاصه للعمل. وبعد عودته، قدم ذلك الكتاب كرسالة حصل بها على درجة الدكتوراه وقد ترك العمل الجامعي مقابل العمل في صحيفة «المصري» لأن الراتب الذي سيحصل عليه من العمل في الصحافة ضعف راتبه في الجامعة».

 أما بخصوص حديث طه حسين عن حرص محمد مندور على جمع المال، فقد ذكرت عايدة الشريف كلامًا يؤيد رأي العميد، (سنعرضه الأسبوع المقبل)، وأما عن المستوي العلمي لمندور فقد تصدى له الناقد الكبير الدكتور إبراهيم عوض الذي كتب كتابًا حمل عنوان «د. محمد مندور  بين أوهام الادعاء العريضة، وحقائق الواقع الصلبة.. ثلاث قضايا ساخنة».. وقد اتهم عوض  محمد مندور بسرقة كتابه: «نماذج بشرية» من الكاتب الفرنسى جان كالفيه، وتحدث عن سر إخفاقه فى الحصول على درجة الدكتوراه من فرنسا ثم ضعف ترجمته لرواية فلوبير: «مدام بوفارى» وركاكتها.. والعجيب أن كتاب الدكتور عوض منشور قبل عشرين عامًا ولم يكذبه واحد من تلاميذ مندور وما أكثرهم!

د. محمد مندور، وطه حسين

لم يفت الدكتور الدسوقي أن يسأل طه حسين عن قرينه عباس محمود العقاد، فنفى العميد وجود خصومة بينه وبين العقاد، بل راح يثني عليه ويصفه بالأديب العملاق. وقد أورد الدسوقي قطعة من رثاء طه للعقاد تدل على صدق المحبة، لكن فجأة قال العميد: إن العقاد كان على علاقة غير شرعية بامرأة تسكن حي العباسية وقد أثمرت تلك العلاقة فتاة، انتحرت يوم وفاة العقاد». وما قاله العميد عن هذه الواقعة سبق وذكر تفاصيله الكاتبان كمال النجمي في كتابه «القلم والأسلاك الشائكة» وأنيس منصور في كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام».

عباس العقاد، وطه حسين

لم يصدمني شيء من كلام الدكتور طه حسين سوى رأيه في الأديب الكبير والسياسي الشهير الدكتور محمد حسين هيكل. فقد بدأ العميد كلامه عن هيكل بالثناء عليه، وكيف عمل معه على إحياء فن «الجدال» وذلك عندما اختارا موضوع الحرب، فكتب طه عن الحرب بوصفها المطر الذي يبشر بخصوبة قادمة، وعارضه هيكل الذي تحدث عن الخراب الذي هو نتيجة طبيعية للحروب.

ثم فجأة قال للدسوقي: «الدكتور هيكل لم يكن يؤلف كتبه، وإنما كان يكتبها له أناس آخرون ثم ينسبها لنفسه، ومع هذا تشتمل على أخطاء علمية»، ويا لها من صدمة!

أما الصدمة الثانية فكانت عندما تحدث العميد عن الدكاترة زكي مبارك فقال: «خروج زكي مبارك من الجامعة يرجع إلى سلوكه الشخصي، فقد كان هذا السلوك يتنافى مع كرامة أستاذ الجامعة، فمثلًا ذكر لي فؤاد سراج الدين أنه كان ينجح في الامتحان عندما كان يدرس بكلية الآداب، قبل أن يتلقى دروس كلية الحقوق ـ فقد كان النظام في ذلك الحين يفرض أن يدرس طلبة الحقوق في كلية الآداب بعض المناهج في اللغة والأدب قبل دراسة الحقوق ـ ذكر لي فؤاد أنه كان لا يذاكر علوم الأدب، وكان يعطي لزكي مبارك زجاجة كولونيا فينجح في الامتحان».

زكي مبارك، وطه حسين

وبعد فإن هذا الكتاب الممتع يعد أرضًا خصبة للباحثين في شئون الأدب وأعلامه، فلعل أحدهم ينهض لفحص وتدقيق كلام العميد فقد يكون صادقًا وقد يكون غير ذلك. ولعل كتابا كهذا كان من الممكن أن يثير جدالا ومعارك فكرية ساخنة، لولا أننا نعيش تراجعا ثقافيا وفكريا فجا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق