فن

مات وهو يمثّل.. حسين رياض.. «أبو السينما المصرية»

من منا ينسى فيلم «شارع الحب» وشخصية الموسيقار جاد الله الهارب من حكم الإعدام الذى يفضل أن ينفذ بحقه الإعدام ولا يفشل تلميذه النجيب المطرب الصاعد عبد المنعم صبري؟.. لا أحد بالطبع من جمهور السينما المصرية يمكنه أن ينسى دور «مختار» الملحن والموسيقارالذى يعيش باسم مستعار هو «عم جاد الله» هربا من العدالة بعد أن أدين بقتل زوجته، لكنه يكشف عن شخصيته الحقيقية ليقود الفرقة الموسيقية ليلحن  لتلميذه الموهوب عبد المنعم (عبد الحليم حافظ) وينقذه من الفشل.. إنه الفنان الكبير حسين رياض الذي برع في تجسيد هذا الدور، غير أن حسين رياض كان فى حياته الحقيقية يحظى بمحبة الناس وودهم، وكان يلقى قبولا انسانيا نادر المثال.

بدايات عاشق التمثيل

هو عاشق حقيقي لفن التمثيل لدرجة أنه غير اسمه فى بداياته حتى يستطيع أن يمارس التمثيل، اتقاء لغضب والده الذى عارض تماما دخول ابنه حسين عالم الفن، وبالطبع لم يكن هذا الأب الكاره للتمثيل يتابع أيا من مسرحيات أو أفلام ذلك الزمن الذى برزت فيه موهبة نجله بعيدا عن رقابة ووصاية الوالد محمود شفيق تاجر الجلود الشهير بحى السيدة زينب، وهو الحى الذى ولد فيه حسين رياض فى الثالث عشر من يناير عام 1897.

 دخل حسين رياض عالم التمثيل من باب المسرح الذى عشقه وأخلص له إخلاصا شديدا، وفى المرحلة الثانوية كان أحد أعمدة فريق التمثيل بالمدرسة، وكان يتلقى التدريب على أداء أدواره على يد إسماعيل وهبي شقيق يوسف وهبى، وقد عرفه إسماعيل على شقيقه يوسف الذى فُتن بمواهب حسين رياض، ليصبح رياض بعد ذلك واحدا من مجموعة من الفنانين  الأوائل الذين تألقوا على خشبة المسرح، وكوّن مع يوسف وهبي وأحمد علام وعباس فارس وحسن فايق فرقة هواة التمثيل المسرحي.

حضور مسرحي

كانت أولى مسرحيات حسين رياض هى مسرحية «خلى بالك من إميلى» أمام روز اليوسف مع فرقة عزيز عيد التى غير فيها حسين اسمه من حسين محمود شفيق إلى حسين رياض. وفى بداياته المسرحية تنقل حسين رياض بين أكثر من فرقة فعمل فى فرق نجيب الريحاني ومنيرة المهدية، ويوسف وهبي الذى كان شديد الإعجاب بقدرات رياض الفنية بعد انضمامه عام 1923 إلى فرقة رمسيس، ليصنع تاريخا مسرحيا فريدا. وقد مثّل حسين رياض فى تلك المرحلة المبكرة من حياته ومن حياة المسرح المصري عددا هائلا من المسرحيات، منها عاصفة على بيت عطيل وتاجر البندقية ولويس الحادى عشر وانطونيو وكليوباترا ومدرسة الإشاعات والناصر والعباسة والقضاء والقدر.

وقد ساعدته قدراته الصوتية المتميزة وإجادته التامة لقواعد اللغة العربية، على أن يبرع على خشبة المسرح، فكان حسين رياض ممثلا مسرحيا متفردا، لتستمر مسيرته المسرحية لا يوقفها شىء، ولا يعطلها تهافت السينما عليه. فمثل هذا الفنان الكبير في حوالى 250 مسرحية أبدع فيها وتميز وترك علامات خالدة فى تاريخ المسرح المصرى مثل أدواره فى مسرحيات شهرزاد والأرملة الطروب والعشرة الطيبة.

أبو السينما المصرية

فى بدايات السينما المصرية شارك حسين رياض بأدوار متباينة الحجم والتأثير، فشارك فى الفيلم الصامت «كشكش بيه» ثم شارك فى أعمال ناطقة مثل الدفاع وسلامة فى خير ثم أصبح رياض بعد ذلك واحدا من أصحاب الوجود المستمر والمتواصل على الشاشة الفضية.

وقد أطلق عليه «أبو السينما المصرية» لكثرة ما أداه هذا الممثل العملاق من أدوار الأب، التى جسدها ببراعة منقطعة النظير، ذلك أن ملامح وجهه الطيبة، ونبرات صوته الحنون، ساعدته تماما فى تجسيد هذه النوعية من أدوار الأب، وبالطبع لا يمكن لأحد أن ينسى أدوار الأب التى جسدها رياض فى أفلام «رد قلبي» و«موعد مع الحياة» و«السبع بنات» و«فى بيتنا رجل».

فى فيلم «رد قلبي» نحن أمام أداء تمثيلي مبهر لحسين رياض من خلال دور الريس عبد الواحد الجنايني البسيط الذى يعمل لدى أسرة أرستقراطية يشاء القدر أن يربط الحب بين ابنه الضابط على وإنجي ابنة الباشا الذى يعمل الريس عبد الواحد فى أرضه وعندما تنكشف قصة الحب لعلاء ابن الباشا وشقيق إنجي تثور ثائرة الباشا، ويدفع عبد الواحد ثمن تجرؤ ابنه على حب بنت الباشا، ليصاب بالشلل. كان أداء حسين رياض فى الفيلم عبقريا، حتى لنكاد نظن أن هذا الممثل العملاق هو جنايني بسيط بالفعل. وقد حصد هذا الفيلم المأخوذ عن قصة يوسف السباعي والذى أخرجه عز الدين ذو الفقار من بطولة شكرى سرحان ومريم فخر الدين وأحمد مظهر وصلاح ذو الفقار والذى أنتج عام 1957 المركز الثالث عشر فى قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

أما في فيلم «موعد مع الحياة» فيجسد حسين رياض دور الأب الحزين المكلوم  بسبب مرض ابنته الخطير فهو  الدكتور علي والد الفتاة آمال التى تحب المهندس أحمد والتى يتم اكتشاف مرضها الخطير بالقلب، ويعيش هذا الأب ممزقا وحائرا وحزينا على ابنته، وفي فيلم «فى بيتنا رجل» يجسد حسين رياض دور زاهر رب الأسرة الذى يعيش مع زوجته وابنيه محيي الطالب الجامعى ونوال الفتاة الجميلة، وزوجته فى حالهم بعيدا عن السياسة ومشاكلها، فهو أب لا يحب السياسة وغرس فى ابنه وابنته نفس الكراهية للعمل السياسي، وهو يخاف على ابنه وابنته من أى شىء وكل شىء، لكن هذا الأب واسرته يجدون أنفسهم فى أتون ذلك العالم الذى كانوا يتجنبونه تماما، عندما يلجأ اليهم الشاب المناضل الوطنى إبراهيم حمدي  زميل محيي بالجامعة ليختبىء فى بيتهم الذى كان يدرك أنه أبعد ما يكون عن شكوك وتوقعات البوليس الذى يطارد إبراهيم حمدي، ومرة أخرى يجسد رياض دوره بعبقرية ما بين خوفه الشديد على ابنه وأسرته وما بين شعوره وحسه الوطني، وينحاز فى الأخير لوطنه ووطنيته.. دور آخر أداه حسين رياض ببراعة واقتدار.

 وفي فيلم «بابا أمين» أول أفلام يوسف شاهين يجسد حسين رياض دور البطولة من خلال شخصية الموظف البسيط أمين زهدي وهو رب أسرة يعول زوجته وابنته وابنه، يطمع فى المكسب السريع ويعطى مدخراته لنصاب ليستثمرها له نظير مكسب ثلاثة آلاف جنيه فى السنة، وينام فيحلم أنه مات وأن مدخراته ضاعت وأن أسرته تشردت وحين يستيقظ من نومه يقوم مسرعا ليلحق بالنصاب، ويسترد أمواله، ويزوج ابنته للشاب الذى أحبها، وقد شاركه البطولة كل من فاتن حمامة وكمال الشناوى. ولم يكن «بابا أمين» الفيلم الوحيد الذى قام فيه رياض بالبطولة المطلقة، فهناك أفلام أخرى كثيرة كان بطلها المطلق مثل «النائب العام» و«هارب من السجن» و«الخطيئة» و«عدل السماء» و«بيت الله الحرام».

 لم يكتف حسين رياض في السينما بدور الأب فقط، وإنما قام أيضا بدور الجد فى أفلام عديدة منها الفيلم الكوميدى «آه من حواء» مع لبنى عبد العزيز ورشدي أباظة، حيث قام بدور الجد خفيف الظل.

أدوار الشر

ورغم ملامحه الطيبة والقبول الإنساني البادي على قسمات وجهه بحيث لا يتصوره الكثيرون إلا فى أدوار الخير، إلا أن حسين رياض وبطاقته الفنية الجبارة وقدراته التمثيلية العالية، استطاع فى عدد من الأفلام مثل «أنا حرة» و«صراع فى المينا» أن يتمرد على تلك الأدوار التى حصره المخرجون فيها ليؤدى أدوار الشر التى برع فيها وأجاد بشكل لا يقل عبقرية عن إجادته لأدوار الخير، ففى صراع فى المينا يقوم رياض بدور صاحب شركة للنقل البحري، يحاول أن يستغل العمال ويفتعل معهم مشاكل كثيرة، وفى نفس الوقت يشجع ابنه ممدوح على استهتاره وتهوره فى علاقاته بالآخرين، وفى فيلم أنا حرة يقوم حسين رياض بدور رجل متغطرس ومتسلط يمارس سطوته على زوجته وابنه وعلى ابنة شقيق زوجته التى تعيش معهم وبسببه تتولد الرغبة الجامحة لدى الفتاة بطلة الفيلم للنزوع إلى الحرية الكاملة والتمرد على قوانين المجتمع.. نحن إذا أمام فنان من طراز نادر قادر على التنوع والتجدد وتغيير وجوهه التمثيلية بتفرد وعبقرية.

واذا كان حسين رياض قد أبدع فى السينما وفى المسرح، فإنه ايضا كان له حضوره فى الأعمال الإذاعية والتليفزيونية، فقد مثل للإذاعة عددا كبيرا من الأعمال منها مسألة ضمير وثقوب فى الثوب الأسود والأستاذ حاشر نفسه و أوديب، ورغم أن حسين رياض رحل بعد انطلاق البث التليفزيونى بأقل من خمس سنوات فإنه شارك فى عدد من المسلسلات التى أنتجت فى بدايات التليفزيون مثل هارب من الأيام أول مسلسل تليفزيونى مصرى وخيال المآتة وعواصف وجواز البنات.والمعروف أن حسين رياض هو الشقيق الأكبر للفنان فؤاد شفيق، الذى لم يغير اسمه عند دخوله الفن مثل شقيقه لأنه دخل عالم التمثيل بعد رحيل والدهما، ولم تكن مسيرة فؤاد كبيرة وحافلة مثل شقيقه، فمثل فى أعمال قليلة جدا ربما أهمها وأبرزها دوره فى فيلم أم رتيبة.

وفى السابع عشر من يوليو عام 1965، وبينما كان حسين رياض يستكمل تصوير مشاهده فى فيلم «ليلة الزفاف» أصيب بأزمة قلبية توفى على أثرها تاركا لنا رصيدا عظيما من الأعمال والأدوار التى تشهد بعبقريته الفنية.. رحمه الله..

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق