منوعات

الأميرة التي صادقت كل عقول مصر.. «نازلي فاضل».. صاحبة أول صالون ثقافي في الشرق

صورة في غرفة نوم سعد زغلول ببيت الأمة بالمنيرة لا تزال حتى الآن، وقصر صغير خلف قصر عابدين في أرض شريف تم محوه من على وجه الأرض، ومقبرة في الإمام الشافعي بقطع رخام محطمة.. في هذا المثلث،  تعيش حكاية الأميرة «نازلي فاضل»، التي كثرت حولها الأقاويل في كثير من كتب ومذكرات عظماء الأمة المصرية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مثل: محمد عبده ومعلمه جمال الدين الأفغاني، وأحمد عرابي ورجاله، وسعد زغلول ومصطفي كامل وقاسم أمين.

إمرأة متناقضة

تظل سيرة الأميرة نازلي فاضل، تحمل ملامح تتناقض مع بعضها البعض، وعلامات استفهام كثيرة وغامضة فى آن، فالبعض اتهمها بالجاسوسية لحساب الإنجليز، بينما يؤكد الكثيرون على وطنيتها، ومصريتها الخالصة. فصالونها كان يجمع سعد زغلول ومصطفي كامل وقاسم أمين والشيخ محمد عبده وغيرهم، بل بسببها تغيرت أفكار قاسم أمين. كما يمكن الجزم بأن بوادر ثورة 1919 ولدت فى بيتها. إنها المراة التي لم ترتد الحجاب، وفهمت الحياة الأوربية وجالست رجالها في صالوناتهم الأدبية، وخبرت أمورا كانت سدودا عالية حينها أمام أي سيدة.

 لتظل الأميرة نازلي فاضل، نموذجا مختلفا و فريدا لامرأة في تاريخ مصر المعاصر، فهل ثقافتها وتعلمها ونشأتها هي من جعلتها تلك الشخصية، أم غضبها ضد العائلة الملكية بسبب تغير نظام الحكم حينها، ففقد والدها حقه في العرش؟.

في البداية يجب أن نفهم سر هذا التناقض في سيرتها، فإذا كانت صورتها معلقة في غرفة نوم زعيم الأمة سعد زغلول حتى اليوم، ورغم قوله في مذاكراته: «إنها امرأة مثقفة لها دور نشط فى الحياة الثقافية لبلادها، تغار على بلادها وتدافع عنها ضد أى هجوم»، فإن المناضل محمد بك فريد يصفها في مذكراته أيضا بأنها: «أميرة مدللة تحتقر المصريين وتزدرى رجالهم».. فمن نصدق؟!

 كان قصرها الذي كان يقع خلف «قصر عابدين»، ملتقى لعلية القوم ومفكري مصر،. وقد جذب صالونها الشرق والغرب، بل الأعداء والمناضلين والثوار.. فنجد من رجال الاحتلال: اللورد كرومر وكتشنر وستورز، يقابلهم فى حينها رواد الحركة الوطنية المصرية في مقدمتهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه النجيب الشيخ محمد عبده والزعيم سعد زغلول وقاسم أمين ومحمد فريد والمويلحي وغيرهم. وقد استمر هذا التناقض مصاحبا للأميرة نازلي طوال حياتها ومسيرتها، حيث نجدها غاضبة من الرجال المصريين أو شباب مصر وتصفهم بقولها «إنهم لا يستحقون ثمن حبل المشنقة»، لكن إذا اكملنا البحث نجدها تقول ذلك كي تحثهم على النهوض لمقاومة الاحتلال..

فهل كانت «نازلي فاضل» امرأة سبقت عصرها، أم كانت جاسوسة استطاعت أن تخفي ما تريده في جمال ملامحها وثرائها وثقافتها؟

غربة

كان يمكن لنازلي فاضل أن تكون ذات يوم ابنة خديو أو ملك يحكم مصر، فهي حفيدة محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وجدها مباشرة هو القائد العظيم إبراهيم باشا، ووالدها هو الأمير مصطفي بهجت فاضل المولود في عام 1830، وكان الأخ غير الشقيق للخديوي إسماعيل، الذي نال الخديوية لأنه كان أكبر من أخيه غير الشقيق مصطفى بأربعين يوما. ولهذا السبب نشأت العداوة بينهما، فإذا أضفت إلى ذلك سعي إسماعيل عندما تولي العرش لدي الباب العالي في جعل نظام الوراثة لأكبر الأبناء بدلا من الأخ، نعرف سببا آخر للكراهية، وبالتالي اختفي والدها مع على مسرح الأحداث المصرية، حيث أخذ أسرته وغادرها إلى الأستانة ثم أوروبا حزنًا على ما حدث.

وكان الأب مصطفي بهجت فاضل قد تزوج ثلاث زوجات، والأميرة نازلي هي الإبنة الكبري له، وقد ولدت في عام 1853، وكان أخوتها خمسة عشر، عشرة ذكور وخمس إناث، لكنها كانت الابنة الوحيدة لأمها «دل آزاد هانم». وقد ظلت نازلي خارج مصر تتجول وتتعلم وتتقن اللغات لكنها حملت في غربتها كراهية للعائلة المالكة، وبالأخص الخديو اسماعيل وأبنائه، فعندما غادرت مصر مع والدها كان عمرها ثلاثة عشر عامًا، وقد توفي والدها في عام 1875. بينما رحلت والدتها في عام 1885.

مصطفي بهجت فاضل

وقد عادت نازلي إلى مصر وهي متزوجة بعد رحيل والدها في عام 1875، حيث تزوجت زواجها الأول عام 1873 من خليل باشا شريف، وكان يكبرها بحوالى ثلاثين عاماً، وكان رجلاً مثقفاً تلقى علومه فى فرنسا ضمن بعثات محمد علي باشا، ثم التحق بالعمل الديبلوماسى والسياسي وهو ابن محمد شريف باشا والى الشام فى عهد محمد علي.

وعند عودتها من الخارج مع أسرتها أمر الخديوي إسماعيل بتجهيز سراى الحصوة وهو قصر العباسية لإقامتها. لكن إقامتها في مصر لم تطل في هذا القصر، حيث جاء تعيين زوجها خليل باشا وزيراً للحقانية فى الدولة العثمانية سنة 1876، ثم عين سفيراً فى باريس سنة 1877، فسافرت معه لتبدأ مرحلة هامة فى حياتها، تبلورت فيها مداركها الثقافية وصقلت معارفها فى مختلف الشئون.

فى عاصمة النور كانت الصالونات الأدبية في ذلك الحين، هي الموضة التي يجتمع فيها أهل الفكر والسياسة والثقافة والآداب، وبالتالي فإن كل سيدة تستطيع أن تستضيف في قصرها كل تلك العقول. وقد بدأت الأميرة نازلي فاضل الاحتكاك بتلك الصالونات وتفاعلت مع الحياة الثقافية الفرنسية حينها بكل طريقة متاحة، فقرأت الكتب، وأطلعت على الأفكار الثورية والتقدمية، وتواصلت وناقشت كل من قابلها، فأدركت أهمية هذه الصالونات في جذب عقول النخبة وبالتالي تفاعل الآراء وتجاذبها.

وفي يناير 1879 توفي خليل باشا زوجها، فعادت نازلي إلى مصر مرة اخرى، ويقال أنهما انفصلا قبل وفاته. وعندما عادت لم تكن نظرتها مثلما عادت في المرة السابقة بعد وفاة والدها، فقد جاءت بثقل ثقافي وفكر عظيم جمعته من جلساتها هناك، وبالتالي بدأت نازلي فاضل في إقامة اول صالون ثقافي سياسي في الشرق، فى قصرها.

صورة باستديو للأميرة نازلي فاضل و(في الأغلب) احد وصيفاتها

عقول مصر.. في فيلا هنري

وهنا نأتي لـ«فيلا هنري» تلك التي كانت موجودة خلف قصر عابدين، والتي كان يعيش فيها السير «هنري لايارد»، الذي عمل سفيرا لبريطانيا العظمى لدي الباب العالي، وكان أيضا رحالة وعالم آثار، والذي سيصبح بالنسبة للأميرة نازلي فاضل المعلم الخاص ومساعدها في الحصول على الكثير من المعارف. وكانت قد تعرفت عليه في اسطنبول أثناء إقامتها هناك، فاعجب بحماسها وذكائها وعشقها للثقافة،مما دفعه لمساعدتها فى اكتساب الكثير من المعارف.

السير هنري لايارد، عالم الآثار والسياسي

في هذا القصر ذي الحديقة الفسيحة، والذي اتخذته مقرا لإقامتها، بدأت الأميرة نازلي عقد أول صالون ثقافى فى تاريخ مصر المعاصر. وقد أصبح هذا الصالون القبلة التي تجذب عقول مفكري وفلاسفة ومشايخ ومناضلي مصر، حيث بدأت المناقشات والأفكار تطرح بحرية كبيرة.

وفي صالون الأميرة بدأ الرواد في التعبير عن أفكارهم، فمثلا تعرف الشيخ محمد عبده عليها بعد عودته من المنفي بعد الثورة العرابية 1888، بل أن الأميرة نازلي فاضل هي من طلبت من الخديوي توفيق العفو عنه، فوافق على شرط إلا يعمل محمد عبده في السياسة، وكان قد سبقه في معرفته بها أستاذه جمال الدين الأفغاني والذي تعرف عليها في باريس وكان معجبًأ بها لمناصرتها له في حركة العروة الوثقي التي كان يتزعمها.

محمد عبده

ويقال إن نازلي هى من دفعت محمد عبده  لتعلم اللغة الفرنسية وإتقانها، وظلت علاقتهما قوية حتى رحيله عام 1903. وقد سجل الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر الأسبق، والذي كان والده صديقًا مقربا للإمام محمد عبده، فى بحث له أثر  هذه الأميرة فى حياة محمد عبده.

وبرفقة محمد عبده جاء اثنان من أهم تلاميذه، وهما سعد زغلول وقاسم أمين إلى صالون نازلي..وأصبح سعد هو المحامي الخاص بالأميرة التي اقنعت اللورد كرومر بأن يعين سعد زغلول مستشارا بمحكمة الاستئناف، ودفعته أيضا لتعلم اللغة الفرنسية والقراءة بأدابها. ويقال إنها كان لها نصيب كبير في زواجه من صفية زغلول «أم المصريين». كما كانت من سعت بالصلح بين سعد وقاسم أمين، بعدما دب الخلاف بينهما.

ومن المؤكد أن نقاشات الصالون الوطنية وضعت فى فكر وعقل سعد بذور قضية الاستقلال لتمهد بذلك لثورة 1919. ففي مذكرات سعد زغلول نلمح جانبا من صداقته للأميرة قد ظلت صداقته بها مستمرة حتى وفاتها عام 1913. وقد احتفظ سعد بصورتها في غرفته نومه والتي لاتزال بها حتى اليوم.

سعد زغلول ورفاقه

أما قاسم أمين، أكبر مناصري المرأة، فقد تدهش إذا علمت أن من كان وراء تبنيه قضايا المرأة، هى الأميرة نازلي فاضل. فعندما عاد قاسم من فرنسا بدأ في كتابة عدة مقالات بجريدة «المؤيد»، كانت جميعها هجوما على المرأة المصرية، ووصفها فيها بالمتخلفة. وقد قارنها بالأوربية وكان يؤيد ضرورة حبسها أو إلزامها البيت وعدم مشاركتها في الحياة العامة. وعندما قرأت نازلي تلك المقالات، شعرت كأنه يخاطبها هي ويتهمها هي وصالونها وما تفعله، فطلبت من الشيخ محمد عبده أن يدعو قاسماً لصالونها. لأنها كانت غاضبة جدًا منه ومن كتاباته. لتبدأ الأفكار داخل عقل وفكر قاسم أمين في التغير.

فعندما التقى مع نازلي، في صالونها وجد محرر المرأة نفسه أمام صورة رائعة للمرأة المسلمة المستنيرة، تعرض آراءها بثقة وتثبتها بأسانيد المنطق، تتفاعل مع ضيوف صالونها فى حوارات رفيعة تديرها بعدة لغات تتحدثها بطلاقة واقتدار. باختصار، انبهر قاسم أمين بنازلي كنموذج راق لما يمكن أن تصل إليه المرأة المصرية، إذا أتيحت لها الفرصة، واقتنع أن تخلف المرأة الشرقية  كان نتيجة قيود اجتماعية فرضت عليها، وليس لنقص طبيعى فيها. وهكذا كانت لقاءات الصالون -على ما يبدو- هى البذرة التي بسببها اعتنق قاسم أمين مبدأ ضرورة تحطيم أغلال المراة، لتساير الحياة ونهضتها، فجاء كتاباه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» دعوة لذلك. وقد تولت نازلي على نفقتها الخاصة طبع كتاب «تحرير المرأة».

قاسم أمين

وأما عن نهايتها فيروى السلطان حسين أنه زار الأميرة نازلي يوم 28 ديسمبر 1913 في منزلها فوجدها بصحة جيدة وإن كان قد لاحظ تدهور معنوياتها. وقد أخذت تتحدث عن أنها تعرف أن النهاية ستواتيها خلال شهر ديسمبر الذى شهد وفاة والدتها من قبل، وهذا ما حدث بأسرع مما توقعت. فعند الفجر داهمتها أزمة قلبية ماتت على أثرها، لتوارى الثرى في مدفنها الخاص بمدافن الإمام الشافعي، ولتطوى صفحة هذه الأميرة الفريدة لا يذكرها الكثيرون، ولا يعرفها معظم الناس في مصر.

مصادر:

  • أبوالقاسم محمد كرو: الأميرة نازلى فاضل، رائدة النهضة فى مصر وتونس.
  • إلياس الأيوبى: تاريخ مصر فى عهد الخديوإسماعيل باشا.
  • سعد زغلول باشا: مذكرات سعد زغلول.
  1. عباس محمود العقاد: سعد زغلول- سيرة وتحية.
  2. قاسم أمين: المصريون.
  3. محمد فريد بك: أوراق محمد فريد، مذكراتى بعد الهجرة (1904-1919)،
  4. مصطفى عبد الرازق باشا، الشيخ: أثر المرأة فى حياة الشيخ محمد عبده.
  5. ولى الدين يكن: المعلوم والمجهول.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: