رؤى

نهاية عقد مضطرب: تحولات الإرهاب الإلكتروني.. من الصعود إلى الانحسار

انتهى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وقد شهد محطات هامة في التطور التكنولوجي، سواء من خلال التطبيقات أو من خلال حجم الانتشار والنفاذ للإنترنت والاتصالات، ورافق ذلك التحول الكمي تحول كيفي آخر ارتبط بحجم التأثير في المؤسسات القائمة، وحالة التغير في القيم والسلوك، سواء للفاعلين من الدول أو من غير الدول. وقد أنتج هذا التفاعل قيما جديدة ذات طبيعة إيجابية وأخري سلبية، ألقت بظلالها على أجندة الاهتمام المحلي والدولي على حد سواء.

الإرهاب والتكنولوجيا

إن كانت التكنولوجيا في حد ذاتها محايدة إلا أنها تأخذ طابعها من ثقافة المستخدم وبيئته والسياق العام وطبيعة الرغبات والأهداف التي تقف وراء ذلك. وكان من أبرز من قام بتوظيف تلك المنجزات التكنولوجية الجماعات والتنظيمات الارهابية والمتطرفة التى استفادت كثيرا من تلك الثورة التكنولوجية من جهة، و حاولت إضفاء الغطاء الديني على ذلك الاستخدام من جهة أخرى، وهو ما كان من شأنه تعزيز عملية المزج بين مدلولات القوة المادية والقوة الروحية. وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي يكتسب الدين فيها دورا كبيرا في المجال العام ناهيك عن التنوع العرقي والمذهبي فى المنطقة التى تعد مرتكزا للصراع بين القوى الدولية على ثرواتها، وموقعها الجغرافي المتميز، وشهدت المنطقة معدلات غير مسبوقة في انتشار الانترنت فاقت بكثير قدرة البنية الثقافية والاجتماعية على امتصاص تحدياتها.

  (مخطط الولايات داخل مشروع الخلافة الاسلامية وفق رؤية تنظيم داعش يظهر في حساب تويتر للتنظيم)

 وقد طوّر الإرهابيون تفاعلهم مع التكنولوجيا واعتمادهم عليها بشكل غير مسبوق خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وأخذت الظاهرة الارهابية تتطور من حيث قوة الفاعلين والتأثير ومجال الانتشار، وأصبحت العلاقة بين الإرهاب والتكنولوجيا في تصاعد مستمر، حيث امتلك الإرهابيون القدرة بشكل أكبر على التجنيد والدعاية، وبخاصة من خلال الإنترنت، وقد اعتمد تنظيم القاعدة بشكل أساسي على غرف الدردشة والمواقع الإلكترونية، وقد كان قادة التنظيم على قناعة تامة بأهمية الإعلام في حربهم ضد الغرب وفق زعيمهم الراحل «أسامة بن لادن»، وزاد تأثيرهم الإعلامى حينها بقيام قنوات فضائية بنشر خطابهم المتطرف.

(أول شريط لأسامة بن لادن يتم بثه عبر قناة الجزيرة لتبدأ علاقة تنظيم القاعدة بالإعلام)

كما ظهرت تطبيقات الكترونية جديدة تتميز بخصائص فريدة مثل الشبكات الاجتماعية ثم الهواتف الذكية والتي شكلت المنصة الأبرز لخطاب تنظيم داعش مقارنة بمحدودية دور التطبيقات الأخري مثل المواقع الالكترونية وغرف الدردشة والمنتديات والمدونات.  

وقد ساهمت تلك التطبيقات الجديدة في تعزيز قدرة التنظيمات المتطرفة على الانتشار والتفاعل وبخاصة في ظل الانتقال من نموذج «البث» من الفرد الى الفرد ثم من «بث» الفرد الى الكل ثم مرحلة «بث» الكل الى الكل. إلى جانب التطورات في مجال تقنيات معالجة المحتوى -سواء للنص والصورة والفيديو، وهو ما أنتج في الأخير ثورة في مجال النشر والمعالجة والتسويق، والانتقال من التأثير المحلي إلى الإقليمي ثم العالمي.

وتم توظيف ذلك كله في نشر الخطاب «المتطرف» للتأثير في الجمهور المحلي والمحتمل للجماعات الارهابية، إلى جانب جمهور أعدائها من وجهة نظرها.

صراع الفضاء السيبراني

ساعدت حالة التوترات الأمنية والسياسية التي نشبت أثر اندلاع ما عرف بـ «ثورات الربيع العربي» في بداية عام 2011 فى إذكاء المزيد من الصراعات بين التيارات المدنية والاسلامية المعتدلة من جهة، وما بين الجماعات المتطرفة من جهة أخري، وتحول ذلك الصراع الى الفضاء السيبراني، وبخاصة من قبل الجماعات الجهادية مثل داعش والقاعدة. وقد تميز الجيل الجديد من الجماعات الارهابية بالقدرة على المزج بين البعد الأرضي إلى جانب البعد السيبراني، وأكتسب قوته من استخدامه الكثيف لتطبيقات الشبكات الاجتماعية، وهو ما أثّر في تضخيم الصورة الذهنية لتلك الجماعات، والنجاح في تبني تكتيكات واستراتيجيات مكّنتهم من إقامة دولة تفوق مساحة بريطانيا في زمن وجيز.

لكن تفسير هذا النجاح لا يتوقف فقط على نمو قدرات تلك الجماعات الذاتية وحسب، بل كذلك يعود إلى تلقيها دعما خارجيا من قبل قوى إقليمية ودولية عملت على توظيفها كأداة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية تجاه المنطقة.

كما تلقت التنظيمات الإرهابية، في مجال لصراع عبر الفضاء السيبراني -الدعم والمساندة من البيئة المحلية، إلى جانب مؤيدين عابرين للحدود، سواء أكانوا دولا أم أفرادا.

وقامت بتوظيف هذه التنظيمات الشبكات الاجتماعية في تطوير استراتيجيات التأثير والإقناع، بدءا من مرحلة «التأثير الوجداني» من خلال إثارة المشاعر الدينية، ثم مرحلة «التأثير المعرفي» بطرق نشر المعلومات وتفسير النصوص الدينية.

(نموذج لمرحلة ودور المواقع الالكترنية كبداية الارتباط بالانترنت)

التأثير السلوكي

ثم جاءت مرحلة «التأثير السلوكي» عبر الشبكات الاجتماعية، من خلال الانتقال من التعاطف إلى المشاركة الفعلية في ميدان القتال، أو بالتحول الى خلايا نائمة أو بالقيام بعمليات مؤيدة للتنظيم او التجنيد أو القيام بدور في المجال الاعلامي والدعائي للخطاب المتطرف.

تواجه جهود مواجهة الإرهاب والتطرف عبر الشبكات الاجتماعية تحديات مبعثها طبيعة تلك المواجهة ومنصاتها، والتي ترتكز على أساس كونها حرب عقول يعلو بها الجانب الإبداعي عن المعرفي، والبعد الفردي عن البعد الجماعي، وتسيطر عليها القدرة على المبادأة و الاستعداد، وقدرة تلك الجماعات المتطرفة على الالتفاف على المراقبة والتعقب، وتأمين تواصلهم.

يضاف إلى ذلك كله، الطبيعة السرية للتطبيقات الالكترونية لتحفيز نمو النشاط الإرهابي، وقيام الشركات المشغلة بتشفير الاتصالات، وهو ما يشكل عقبة أخرى في التتبع والرقابة من قبل الأجهزة الأمنية، فضلا عن ضعف قدرة الدول للضغط على  الشركات التكنولوجية الكبري، والتي تغولت على سيادتها، إلى جانب تحدي مواكبة القانون والتشريعات للتطور التكنولوجي المتسارع.

( الخلافة الرقمية: كيف يعمل حلفاء تنظيم داعش)

انحسار ميداني.. وانحسار أليكتروني

وفيما يتعلق بمستقبل تلك التنظيمات المتطرفة وخطابها عبر الشبكات الاجتماعية يمكن القول إنه بعد خسارة تنظيم داعش ما يزيد على 95% من الأراضي التي استحوذ عليها في سوريا والعراق، حدث انحسار ميداني للتنظيم على الأرض، إلا أن التنظيم الإرهابي وغيره ربما يتجهون إلى مناطق أخرى للبحث عن أرض جديدة، وهي تلك الفكرة التي فعلها من قبل تنظيم القاعدة، بعد فشله في إقامة دولته في أفغانستان، حيث اتجه إلى العراق، أو من خلال سعيه من جهة أخرى إلى العمل على إحياء الخلايا النائمة في مناطق رخوة أخرى.

ورغم ذلك لا يعد هذا سندا استراتيجيا للتنظيم، بل مدعاة لنقل الحرب بسهولة للجيوب الضيقة التي يحاول أن ينشط بها، وبخاصة مع التوافق الدولي الآن ضده. وهو ما يكشف أن الانحسار الميداني على الأرض سيصاحبه كذلك انحسار في الفضاء الإلكتروني لعدة أسباب، لعل أهمها هو التغير الحادث في سياسات شركات الشبكات الاجتماعية في مكافحة التطرف والعنف، وقيامها بتشكيل مجلس عالمي لمكافحة التطرف، إلى جانب حالة الارتفاع في الوعي لدى المستخدمين بخطورة مشاركة المحتوى المتطرف.

ومن جهة أخرى فقد أصبحت الشركات التكنولوجية في مواجهة ضغط مستمر من الحكومات لتعزيز سياستها لمكافحة التطرف، وهناك حالة من التقدم من جانب العديد من الدول في مجال تنظيم استخدامات الشبكات الاجتماعية عبر تبني قوانين لمكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية، وهو الأمر الذي سيعمل على الحد من النشاط الإرهابي ومروجيه،

ومن جهة ثالثة، انتباه العديد من المؤسسات الثقافية  فى دول كثيرة لتبنّي سياسات نشطة للترويج للفكر المعتدل والتسامح، والذي من شأنه أن يساهم في سد الثغرة التي تركت الساحة أمام تمدد واختطاف التيار المتطرف للشباب من الكتلة الحرجة.

 

(موقع المقاومة الاسلامية العالمية كان الحاضن الأول لتنظيم القاعدة)

ومما لا شك فيه، أن أي إستراتيجية ناجحة لمكافحة الإرهاب والتطرف، يجب أن ترتكز على العمل على الموازنة بين الحرية والأمن، وبين استخدام القوة الخشنة والقوة الناعمة، وأن ترتكز كذلك على التعاون بين الداخل والخارج. كما يجب أن تنتقل تلك الاستراتيجية من بعدها الوطني إلى البعد التحالفي – الدولي، في ظل معركة عابرة للحدود وفي معركة يسيطر عليها الاستحواذ على العقول والقلوب قبل السيطرة على الأرض.

ولعل العقد الجديد يشهد انحسار الموجة الإرهابية وعودة الدولة الوطنية من جديد وفق شروط جديدة تواكب تلك التغيرات في إدراك المجتمع والأدوات التي أصبح يمتلكها في العصر الرقمي.

(فشل الحرب الإعلامية على تنظيم داعش مايو 2017)

الوسوم

عادل عبد الصادق

خبير بمركزالأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: