رؤى

تسع سنوات على ثورة يناير.. ومقدمات التحول المحتوم

منذ بدأ هذا القرن الجديد، والعالم – ومصر في القلب منه – يمر بمنعطفات حادة وأزمات ساخنة ونذر تغيرات هائلة تتخمر في أقبية سرية تتناثر في مواقع التأثير حول الكرة الأرضية.

وقد مضى العقد الأول من القرن الجديد تاركا العالم يلعق جراح جريمة اغتيال العراق، ثم استلمته أزمة ركود اقتصادى لا تزال تمسك بتلابيب ذلك العالم الذي يبدو وكأنه فقد البوصلة تماما. ثم انفجر العقد الثانى بربيع عربى اختلط فيه الحابل بالنابل، تلاشى فيه عطر الثورة النبيلة بفعل انتهازية تجار الدين، وتراجعت آمال التقدم حين قنعت سفينة الوطن التي نجت من الدمار الشامل بالإياب دون غنيمة. وانقسم الناس بين غاضب على الثورة لائمٍ لها، وبين حزين لانتكاسها، حانق على من أجهضوها، ومن تأخروا عن ندائها.

والآن يدخل العالم بوتقة العقد الثالث وغيوم الحرب تتجمع في الآفاق والصراع المحموم على قمته يتصاعد بحزم وتربص، والمعترك الدولى يقترب من درجة غليان تنذر بعواقب وخيمة.

وقد تأرجحت الأقدار بالإنسان المصري خلال المناخ المتلاطم للعقد المنصرم بصورة حادة تركت آثارا نفسية واجتماعية ستظل تفعل فعلها فيما يليه من عقود، وليس ذلك بمستغرب. فالثورات عادة ما تكون مجرد مقدمات لعمليات تحول هائلة تأخذ طرائقها المحتومة فوق تضاريس التاريخ والجغرافيا للمجتمع، تؤثر في مشاعر الناس وتوجهاتهم، وتحفر طرقا جديدة للتفاعل مع الواقع المتغير والآمال التي تنتظر.

وعند منعطف الثورة ارتفعت آمال المصريين لعنان السماءْ وتبلورت في مطالب التقدم والعدالة فلمست قلوب الناس وعقولهم، ثم تراوحت الآمال صعودا وهبوطا حين تضاربت المصالح وتقاطعت الحسابات وانتصرت النرجسية على البراجماتية ودارت أحاديث المصطبة الريفية لساعات وساعات علي محطات التلفزيونات وانهمك الناس في الحوار والاستماع لسفسطات بيزنطية لم تثمر إلا حيرة وترددا، إلى أن سطع خوفٌ ماردٌ من هول استيلاء الرجعية الدينية على دفة الوطن، ففرض ذلك على المصريين خيارا مرا اضطروا معه إلى تأجيل مطلب التقدم والعودة للمربع الأول.

لم يكن هذا الاختيار سهلا بقدر ما كان ضروريا ومنطقيا، استبدل فيه الشعب عنت الثورة براحة الاستقرار، لكنه في كلا الحالين ظل يمنّي النفس بآمال خافتة، لعل الله الذى حفظ الكنانة أن يقيل عثرتها.

 وعندما هدأت الأمور نسبيا ظهر انقسام وجداني بين المصريين، عكس في جانبيه ردود الفعل النفسية لما حدث. فالذين سعوا للخلاص من حكم التيار الدينى تجاهلوا الثمن الذى دُفع بتأجيل آمال الثورة، واستراحوا بالعودة لمراكز الثقل ومناطق الطمأنينة في تاريخ المجتمع. وتبدى هذا في شعور عارم بالثقة في النظام الجديد والاطمئنان الى سلامة توجهاته.

ويمثل ذلك في لغة التحليل النفسي نكوصا يتخلق فكراً وسلوكاً بالعودة الى نقاط الإرتكاز التي اعتادها الناس، وهى الدولة المستقرة والنظام المرتكز على الثقة بقواته المسلحة ووطنيتها وتفانيها في الدفاع عنه. والنكوص بلغة علم النفس هو «أحد وسائل النفس الدفاعية التي يلجأ إليها الانسان بحثا عن الاستقرار متجنبا ما لا يطيق الوعى به».

وقد تكرر النكوص في تاريخ الإنسان المصرى كحل نفسى للألم أو الحيرة في مواجهة الخطوب والتحديات الصعبة، أو التوزع بين فوران الثورة وهدوء النظام التقليدي، وكان أحد أمثلته الرجوع للسلوك الديني عقب هزيمة يونيو ٦٧.

وبنفس الدرجة حدث نوع آخر من رد الفعل لدى قطاع من المصريين بإنكار التراجع الذى حدث لتيار الثورة، صاحبه إصرار على أنها مستمرة. والإنكار هو أيضا «أحد حيل النفس الدفاعية للتعامل مع حقائق جديدة تكون غير مستساغة للإنسان». وهذه الحيل تفيد فى تهدئة التفاعل إلى أن يتمكن الانسان من استيعاب ما حدث ويحدث، ولكى يطور مواقف وأساليب جديدة للتعامل مع الواقع الجديد وإعادة صياغة الأهداف والغايات.

 ومن الملفت أن كلا المعسكرين التقيا بصور مختلفة حول الحاجة لتطوير أو تحديث الخطاب الدينى ورفض سطوة الفكر السلفى وهو ما يشير الى الحيوية الكامنة في الشخصية المصرية التي تستطيع تجاوز التناقضات والوصول الى صيغ مشتركة للتقدم والاتحاد رغم الاختلاف.

إن روح الثورة التي اندلعت في يناير ٢٠١١، وتكررت في يونيو ٢٠١٣، ستُحدث أثرها بالتدريج، وفى مناحي مختلفة من حياة المصريين، وهى في هذا ربما ستكون أكثر نجاحا واستمرارا من هبَّة الأسابيع الثلاثة التي خلبت ألبابهم وأدهشت العالم عند بداية العقد المنصرم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق