فن

«ذات مرة في هوليوود».. رسالة حب من نجم يوشك على الأفول

«كوانتن ترانتينو»، مخرج وكاتب سيناريو وممثل أمريكي، تميزت أفلامه بالسخرية من العنف الدامي، كما تميزت بسبر أغوار الثقافة الأمريكية، عبر اشارات واستعراضات غير مباشرة للثقافة الشعبية الأمريكية، سواء بالإشارة إلى أبيات شعر، أو شخصيات في أفلام قديمة، أو الاستعانة بأغنيات شائعة، أو قصص متداولة، وإعادة إنتاجها من منظور مختلف. هذا بخلاف تقديم أشكال متعددة من التاريخ البديل، من خلال تصوير شخصيات تاريخية حقيقية، وتقديم رؤية تاريخية متخيلة وساخرة.

ترانتينو من مواليد 1963، وبدأ مشواره الفني في سن صغير، ويقال إن أول سيناريو كتبه كان وهو في عمر الرابعة عشرة. ويعتبر أحد أهم نجوم هوليوود في مجال الإخراج وصناعة السينما، إلا أنه تعرض لهجوم شديد من بعض النقاد بسبب تجسيده للعنف، واستخدامه للثقافة الشعبية التي قد تعكس بعض الألفاظ والتصورات العنصرية، أو على الأقل، الخارجة عن حدود «الصوابية السياسية».

كوانتن ترانتينو

كما كان دفاعه عن المخرج رومان بولانسكي عقب اتهامه بالاغتصاب على إثر ممارسته للجنس مع فتاة قاصر في الثالثة عشرة من عمرها في عام 1977، جعله موضع هجوم وانتقاد الكثيرين. فعندما إعيد فتح القضية عام 2009، اعترض ترانتينو على وصف ما حدث بالاغتصاب، معتبرا أنها جريمة ممارسة الجنس الرضائي مع شخص تحت السن، وليست اغتصابا. هذا الرأى هو ما عكسه في فيلمه الأخير «ذات مرة في هوليوود».

رسالة حب إلى هوليوود

لسبب ما، وبعد سجّل حافل بالأفلام والمهرجانات والجوائز والجدل والمدح والقدح، قرر كوانتن ترانتينو أن يرسل لهوليوود  رسالة حب وكأن أحدهما على وشك الاعتزال: إما هو أو هوليوود.

يصور هذا الفيلم، قصة أحد نجوم هوليوود «ريك دالتون» – الذي يقوم بدوره ليوناردو ديكابريو – والذي يعاني من بدء أفول نجمه، وعلاقته القوية بدوبليره الخاص، «كليف بوث» (براد بيت الذي يحل محله في تصوير المشاهد الخطرة، ويحتوي لحظات اكتئابه، وتقلباته المزاجية، ما بين اليأس من إكمال مشواره الفني، وبين الأمل في لحظات خاطفة، ويرعاه، ويعرف حدوده معه. فـ«ريك» هو النجم، و«كليف» يقر بروح رياضية بأنه لا شيء سوى تابع وسائق، وأنه لا يجد غضاضة في ذلك.

يقابل دالتون مستر شوارز (آل باتشينو)، أحد منتجي هوليود الذي يقترح عليه السفر إلى إيطاليا لتصوير بعض المسلسلات الإيطالية إنقاذا لمستقبله الفني، حيث أن دوره المتكرر كشرير في أفلام ومسلسلات «الويسترن/الغربية» الأمريكية قد مله الناس.

 يرفض دالتون السفر إلى إيطاليا شاعرا بالإحباط والاكتئاب، وما إن يبدأ في وصلة ندب على مستقبله الذي انتهى، وأثناء محاولة تخفيف «بوث» عنه، يلمح دالتون المخرج الكبير «رومان بولانسكي» وزوجته «شارون تيت»، وهما يدخلان بيتا مجاورا له. يشعر دالتون بالأمل، وينقلب مزاجه مائة وثمانين درجة، ويرسم أحلاما فورية حول استعادة مكانته الفنية عبر جيرانه الجدد.

المخرج «رومان بولانسكي» وزوجته «شارون تيت»

في أثناء قيامه بضبط الجهاز اللاقط (الدش) فوق السطح، يتذكر كليف بوث أنه تسبب في مشكلة لصديقه «ريك دالتون»،  فـ«كليف» محارب سابق، وبارع في المهارات القتالية، إلا أن هناك شائعات تتردد حول قتله لزوجته. في أثناء تصوير ريك دالتون لأحد المسلسلات التي شاركه في بطولتها نجم الحركة الراحل «بروس لي»، حيث دخل كليف بوث في تحد أمام بروس لي، وتقاتلا في موقع التصوير، وربح بوث المباراة القتالية، مما تسبب في طرده هو ونجمه دالتون. في ذات الوقت، تذهب النجمة شارون تيت إلى إحدى دور السينما لمشاهدة فيلمها الكوميدي الجديد، ويبدو على وجهها الفرح الطفولي بردود أفعال الجمهور المستملحة لأدائها.

بروس لي

يذهب دالتون لتصوير أحد مسلسلات «الويسترن»، ويشعر بارتباك بسبب نسيانه للجمل أثناء التصوير، والذي طرأ عليه  بسبب إدمانه  الخمر. لكنه يتحدى نفسه ويستكمل التصوير بعد أن يهددها أمام المرآة بإنه سينتحر إذا لم ينضبط في عمله. يؤدي مشهدا رائعا يلقى استحسان الجميع، بما في ذلك الممثل الشهير «سام واناميكر»، بطل المسلسل. أما كليف، فيتوقف ليلتقط إحدى فتيات الهيبز التي تطلب منها أن يصطحبها لمكان إقامتها. في هذه الأثناء، تعرض عليه الفتاة ممارسة الجنس، فيسألها عن عمرها، فتقول إنها في الثامنة عشرة، فيطلب منها إثبات الشخصية أو رخصة القيادة أو أي ورق رسمي يثبت  عمرها، فهو على استعداد لدخول السجن، لكن لسبب وجيه، لا لإنه ضاجع فتاة تحت السن – وهي إشارة واضحة لما حدث مع صديق ترانتينو المخرج رومان بولانسكي.

يتوسط المنتج شوارز لدى المخرج الإيطالي الشهير سيرجي كورابتشي كي يمنح ريك دالتون فرصة المشاركة في أحد مسلسلاته الإيطالية. وبالفعل يسافر «دالتون» إلى إيطاليا، وهناك يشارك في ثلاثة مسلسلات، ويتزوج من ممثلة إيطالية صاعدة، ويعود إلى الولايات المتحدة بعد أن يمل طريقة العمل في إيطاليا.

وعقب عودته يخبر دالتون صديقه «بوث» بأنه لن يستطيع تحمل تكاليف وجوده كمساعد له، و يقرر الصديقان أن يمضيا سهرة وداع سويا، وبعد الانتهاء من تلك  السهر يعودان إلى منزل دالتون، حيث يخرج بوث، بصحبة كلبه، وهو يدخن سيجارة ماريجوانا كان قد اشتراها من إحدى الفتيات، بينما يسمع دالتون ضجيجا أمام بيته، يخرج ليجد مجموعة من الهيبز داخل سيارة قديمة – بداخل السيارة شخصيات تاريخية حقيقية قامت بقتل الممثلة شارون تيت – ويبدو أنهم حضروا لتنفيذ جريمة القتل. إلا أن دالتون يعترضهم ويطردهم من الحي، فيقرر مجموعة الهيبز أن يقتلوا دالتون بدلا من «تيت» لكن «بوث» يواجه مجموعة الهيبز ويتمكن هو وكلبه من القضاء عليهم، ويصاب أثناء ذلك بطعنة في جنبه، فيذهب إلى المستشفى، بينما يذهب دالتون لقضاء سهرة مع شارون تيت التي أبدت قلقها مما حدث.

إنقاذ وجه هوليود

مثل كل أفلامه يبدو فيلم «ذات مرة في هوليوود» ممتعا وشيقا، إلا أن ترانتينو هذه المرة اعتمد على البدء بإيقاع بطيء جدا في أول الفيلم، ثم قام بتصعيد الإيقاع على مدى مدة الفيلم. هو فيلم شيق وخفيف الظل ككل أفلام ترانتينو، إلا أن هناك بعدا آخر لن تلتقطته، إلا إذا كنت أنت نفسك من عشاق هوليوود كما يعشقها ترانتينو.

اختار ترانتينو «شارون تيت»، (نجمة هوليودية كوميدية واعدة، عانت في زواجها من رومان بولانسكي، وقتلها الهيبز وهي حبلى) لتكون وجه هوليود الجميل المهدد، وقرر أن ينقذها في رؤيته التاريخية الموازية. وقد حمل الفيلم كل توترات ومخاوف نجوم هوليود من أفول مستقبلهم، ولحظات اكتئابهم، وتقلباتهم المزاجية، وأراد لسبب ما أن يخفف أحزانهم وشعورهم بعدم الأمان. فاختار عدو البطل من الهيبز، بكل ما يحملونه من أفكار تحررية، ربما لا تعترف بحقوق الملكية الفكرية، وأراد أن يقتلهم وينتقم منهم، لأنهم من وجهة نظره يهددون عروسه الجميلة الحبلى بالجديد، والتي قد يقتلها هذا الفكر.

ثم وضع مهمة الإنقاذ على عاتق كومبارس: ينقذ صديقه من المشاهد الخطرة ومن الاكتئاب، وينقذ شارون تيت من القتل، ويذهب مصابا إلى المستشفى، بينما تستكمل هوليود سهراتها. وفي كل هذه التفاصيل رسالة عرفان ولوم لصديق (بولانسكي)، أثرى السينما الهوليودية بأعماله المتميزة، ثم قضى على تاريخه في لحظة جنون ضاجع فيها فتاة تحت السن.

سواء اختلفت أو اتفقت مع «ترانتينو» فيما ذهب اليه، يبدو هذا الفيلم كحديث محب يستعرض ذكرياته مع المحبين، ويرسل برسالة عرفان لمكان صنع نجوميته.

 

الوسوم
إغلاق