فن

من سيد درويش إلى حمو بيكا.. رحلة الغناء الشعبي في مصر

تستمد الأغنية الشعبية كلماتها وألحانها وذائقتها من بيئة مجتمعها وثقافته و معتقداته، وتعتمد على جُمل لحنية و كلمات بسيطة بحيث يَسهل حفظها وتداولها بين أبناء هذا المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، وعادة ما يكون مؤلف الأغنية الشعبية وملحنها مجهوليْن حيث يتناقلها الناس فيما بينهم دون معرفة أصلها، مثل أغاني الأفراح في الريف والصعيد وأغاني الحماس والصبر التي يرددها العمال والبناءون أثناء عملهم.

مراحل غنائية

مع تطور الموسيقى على يد سيد درويش و نزوح الفلاحين إلى المدن حاملين موروثاتهم معهم، انتشرت الأغنية الشعبية في مصر وأصبحت سمة أساسية في كل الأفراح حتى لأبناء الطبقة العليا، ثم انتقلت للسينما والإذاعة وأصبح مطربوها نجوما كبارا يتابعهم الجمهور مثل عبد المطلب وعبد الغني السيد وجمالات شيحه و محمد طه ثم محمد رشدي والعزبي وغيرهم وهو ما جعل عبد الحليم حافظ يقدم هذا اللون في محاولة لجذب جمهور جديد ومختلف إليه، ومع تطور المجتمع وتغير مفرداته في فترة الانفتاح اختلف شكل المطرب الشعبي و ظهر أحمد عدوية بكلمات غريبة و جديدة على الجمهور وهو ما عرضه للهجوم واتهامه بإفساد الذوق العام آنذاك وهو ما حدث مع كتكوت الأمير وحسن الأسمر، ومع استمرار نجاحهم تقبل الجميع هذا التطور حتى أصبحوا من رواد الغناء الشعبي.

..وتغير شكل الغناء

ومع تطور المجتمع مرة أخرى ودخوله في مرحلة الخصخصة وتوحش الرأسمالية تآكلت الطبقة المتوسطة وظهرت طبقة جديدة وغريبة على المجتمع هي الطبقة العشوائية التي نمت وتضخمت في ظل غياب الدولة عن التنمية وقتها، هذه الطبقة لها مفرداتها وعالمها الخاص وبالطبع الغناء الذي يعبر عنها وهنا تغير شكل الغناء الشعبي والمطرب الشعبي مرة أخرى، وظهر سعد الصغير والليثي وشعبان عبد الرحيم ثم أوكا وأورتيجا حتى مرحلة حمو بيكا و مجدي شطة، حيث رأى أبناء هذه الطبقة أنفسهم في هذا الغناء، الذى يتسم بأن كلماته غالبا ما تكون سوقية وبها كثير من السباب ومطربيها قريبون من جمهورهم في الشكل والمظهر وحتى في السلوك العام، وكالعادة كانت الدهشة والصدمة رد فعل المثقفين والنخبة متجاهلين ما حدث للمجتمع من تغير وبالطبع الفن يتاثر بهذا التغير إيجابا أو سلبا، فـ الحارة الشعبية واخلاقها ومفرداتها التي أفرزت محمد رشدي والعزبي وعبد المطلب وكان بطلها أحمد زكي وعادل امام، تغيرت واختلفت و أصبحت شيئا آخر يُعبر عنه حمو بيكا ومجدي شطة وشاكوش وغيرهم من مطربي ما يسمى بالمهرجانات ولعدم إدراك النخبة والمثقفين ما حدث من تغيرات، لم يتغير رد فعلهم أيضا حيث هاجموا هذا اللون ومطربيه وحملوه كل الأمراض الاجتماعية من تحرش وكبت و إدمان وانهيار قيم وايضا انهيار التعليم) وهى الأمراض التي حدثت في السنوات الأخيرة وكأن هؤلاء البسطاء كانوا سببا وليسوا نتيجة، وكانت محاولة المنع هى الحل من وجهة نظر النخبة وهو ما أصبح مستحيلا في ظل التطور التكنولوجي ولأن الممنوع مرغوب زادت شهرة هؤلاء النجوم وأصبحوا مطلوبين أكثر من الأول، وباتت مشاهدات أي أغنية لهم على اليوتيوب تفوق أضعاف أي أغنية لمطربي زمن الفن الجميل كما يحبون أن يُطلق عليهم، هل منع هؤلاء من تقديم هذا اللون والذي أصبح له جمهور عريض ليس في مصر فقط ولكن في الدول العربية كلها، ينفى أن هناك أزمة في المجتمع لم يلحظها أحد أو أدركوها لكن تغافلوا عنها؟ منع حمو بيكا وشطة من الغناء لن يعود بالمجتمع وقيمه كما كان بل سوف يظهر غيرهم ويستمرون في الظهور ونستمر نحن في الرفض والشجب، والتهمة الجاهزة دائما هى إفساد الذوق العام، ونحن لا ندرك أن ما كان مرفوضا في وقت ما أصبح مٌباحا ومألوفا، بالطبع ليس هذا دفاعا عن هذا النوع من الغناء ولكنه محاولة للبحث عن الأسباب الحقيقية لظهور وانتشار هذا اللون الغنائى الغريب بهذا الشكل في ظل تراجع الغناء الراقي الجميل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: