رؤى

تسع سنوات على 25 يناير.. رواية الثورة

لم تكن ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 حدثا عابرا فى تاريخ مصر، بل كانت ثورة شعبية كبيرة وعابرة للطبقات والأيديولوجيات والثقافات، وكانت تتويجا للحراك السياسى المناهض للفساد والاستبداد اللذين ظلا يتحكمان فى مصير البلاد والعباد على مدى ثلاثين عاما.

 وكان الشعر – حقيقة – هو أول الأجناس الأدبية استجابة وتجاوبا مع هذه الثورة العظيمة، التى شهد العالم بفرادتها وقيمتها، فتوالت الدواوين والقصائد والتى منها – على سبيل المثال – «كالرسل أتوا» لمحمد سليمان و«أنا صرت غيرى لفريد أبو سعدة و«إنجيل الثورة وقرآنها» لحسن طلب و«كونشرتو التحرير» لعيد عبد الحليم. كما كتب صاحب هذه السطور ثلاث قصائد هى «فتنة الكائن» و«ذلك يوم الخروج» و«ذلك اليوم الحق».

 وعلى الرغم من أن الرواية – نظرا لبنائها المركب وشخصياتها وأحداثها المتعددة المتداخلة –  تحتاج وقتا أطول، فقد بدأ الكاتب الروائى عمار علي حسن كتابة روايته عن الثورة، والتى تحمل عنوان «سقوط الصمت» فى سبتمر 2011 ولم يكن قد مضى أكثر من ثمانية شهور على قيام الثورة. ومن الروايات التى كتبت فى هذه الفترة أيضا رواية «باب الخروج – رسالة علي المفعمة ببهجة غير متوقعة» لعز الدين شكرى فشير، التى كتبها على حلقات فى جريدة التحرير ثم أصدرها عام 2012. وكذلك رواية «ليلة التحرير» للكاتب محمد العون التى أصدرها فى ديسمبر 2011.

وبعد كتابه المهم «لكل أرض ميلاد – أيام التحرير» أصدر الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد روايته البديعة «قطط العام الفائت» فى يناير 2017، وروايته الثانية بعنوان «قبل أن أنسى أننى كنت هنا». ومن الأعمال التى يمكن أن نذكرها – أيضا – «أجندة سيد الأهل» لأحمد صبرى أبو الفتوح و«جمهورية كأن» لعلاء الأسوانى.

ويمكن القول – بصورة عامة – إن هناك نوعين من الروايات فى التعامل مع الثورة.. النوع الأول هو الذى يجعل من أحداث الثورة وتطوراتها متنا أساسيا كما هو الحال فى الروايات المشار إليها سابقا. أما النوع الثانى فهو الذى يجعل من الثورة خلفية غير منفصلة ولا غريبة على أحداث الرواية  ،لكنها لا تشكل متنا لها، ومن هذه الروايات رواية «الموريسكى الأخير» لصبحى موسى و«الخروج إلى النهار» لنجلاء علام و«منتصر» لمحمد زهران.

وعلى الرغم من أن الرواية فن موضوعى، بمعنى أنه يتعامل مع الواقع بما يشبه الحياد، ويصور وقائعه بدقة، فإن الخيال يظل عنصرا فاعلا فى البنية الروائية، وإلا فقدت الرواية كونها أدبا وأصبحت وثيقة سياسية أو اجتماعية، وهذا ماسوف نلاحظه بوضوح فى تلك النماذج التى سنقوم بتحليها.

رسالة «باب الخروج»

 تقوم رواية «باب الخروج» للكاتب عز الدين شكري فشير على إحياء فن قديم، هو فن الرسائل. فالرواية كلها عبارة عن رسالة طويلة من «علي شكرى» المترجم بالقصر الرئاسى قبل ثورة يناير إلى ابنه يحيى الذى هاجر مع أمه وأبيها إلى الخارج بعد تأزم الوضع الداخلى فى مصر وخوفهم من أن يتعرضوا لسوء بوصفهم من أعداء الثورة. وقد حدثت هذه الهجرة دون علم علي شكرى الذي ظل فترة طويلة لايعلم شيئا عن مصير ابنه وزوجته، حتى اهتدى إليهم مصادفة عن طريق الانترنت، وبمساعدة أحد أصدقائه. ومن هنا كانت رسالته الطويلة إلى ابنه التى يحكى فيها قصة حياته، أو الأحداث المهمة فيها.

 لكن مايعنينا فى هذه الرسالة ماذكره بطل الرواية عن الدوافع السياسية والاجتماعية التى أدت إلى ثورة يناير. ومن ذلك ما كان يذكره صديقه عز الدين عن انتهاك النظام المصرى للحريات وحقوق الإنسان، وهو ما جعله يكرر دائما فى كل مايكتب: إننا – كمصريين – «نجرى بسرعة نحو حائط أو هوة»، واشاراته العديدة إلى الواقع الاجتماعي المتردي، الذى كان يرزح تحت وطأته أغلب المصريين، بسبب انتشار البطالة والأجور المتدنية.

ولا شك أن رواية «باب الخروج» قد وضعت يدها على إرهاصات الثورة ودوافعها ومصيرها الذى انتهت إليه، فى أسلوب شيق ، يجمع بين المتعة الفنية والوعى السياسى العميق.

«سقوط الصمت».. نبوءة مبكرة بسقوط الإخوان

أما رواية «سقوط الصمت» لعمار علي حسن، فهى رواية الحدث الراهن، رواية كُتبت فى أتون ثورة يناير، التى مازال الكثير من جوانبها غامضا. لهذا آثر الكاتب أن يجعل سر اغتيال حسن عبد الرافع مجهولا ليصبح سؤال: من اغتال حسن عبد الرافع؟ موازيا لسؤال: من اغتال حلم الثورة؟

تحمل الرواية  طابعا ملحميا واضحا يرجع إلى تشابك أحداثها وتعدد شخصياتها، والتى تعد نماذج ممثلة للثوار وأعداء الثورة وممثلى الحكم والقوى الخارجية، والثورى الحالم والانتهازى واليساري والليبرالي والإخواني وأنصار النظام السابق.

ورغم وحدة المكان – تقريبا – وهو ميدان التحرير- فقد امتدت الفترة الزمنية التى تابعت أحداث الثورة، في الرواية، منذ إرهاصاتها الأولى وحتى وصول الإخوان للحكم، ثم التنبؤ بسقوطهم، بما يعنى استمرار الثورة.

 في هذه الرواية يصبح المكان – ميدان التحرير – مرآة لتحولات الثورة. فبعد أن كان شباب الثوار طليعة الثورة، سيطر على المكان أصحاب اللحى الذين خطفوا المكان «وهتفوا فيه»: عاش السلطان «وطالبوا بالبيعة له» (ص17)، بينما أصبح الثوار «مجموعة معزولة فى باحة الكعكة الحجرية، تلفحهم شمس الظهيرة، ويرمى الليل عليهم سدوله «مرددين» العصابة  هي هى.. شالوا حرامية وجابوا حرامية».

والحقيقة أن الرواية تراوح بين الوقائع التى حدثت بالفعل، وبين الأحداث التى يتخيلها الكاتب، فهو يشير – مثلا – إلى فتح السجون لكنه يعتمد – فى بعض المواضع – على التعبير الرمزي، حين يذكر أحد الشباب أنه طالما رأى «حسن» فى أحلامه وهو يطير فاردا ذراعيه، ويبتسم فيصحو من نومه كل صباح باحثا عنه فى الوجوه التى يقابلها. والتعبير الرمزي هنا عن علاقة مختطفي الثورة من ثوارها، كما جاء على لسان حسن وهو يتأمل الميدان «نحن نرمي النخلة العالية القيمة بالأحجار فتتساقط على رؤوسنا، فننشغل بجراحنا عن الثمار التى تناثرت تحت أقدامنا فيأتي من يجلسون فى الخلف ويجمعونها ويتركوننا جوعى نتعثر فى دمنا المسفوح». لتنتهى الرواية بهذا المشهد الموحي، وهو تحليق الشهيدين أحمد وحنا فوق ميدان التحرير تعبيرا عن الوحدة الوطنية.

«قطط العام الفائت».. التعبير الفانتازى عن الثورة

المتابع للمسيرة الإبداعية للروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد يدرك – بوضوح – ولعه بتقديم أحداث عجائبية، تتجاوز قوانين الواقع.

وقد ظهر ذلك منذ وقت مبكر، ففى «بيت الياسمين» يصدر كل فصل بحكاية عجائبية، واستمر هذا التوجه بدرجات متفاوتة فى أعماله اللاحقة. لكنه فى «قطط العام الفائت» يجعل المتن نفسه عجائبيا فنتازيا، ويتجلى هذا فى اختراعه لبلد يسمى «لاوند»، التى قامت فيه ثورة فى اليوم نفسه الذى حدثت فيه ثورة فى «مصرايم». ورغم تمويه الرمز فإنه شديد الوضوح فى الدلالة على ثورة يناير، خاصة أن أحداث الرواية ستؤكد هذا المعنى، فنحن أمام صراع بين حاكم عسكري استمر فى الحكم – خمسين سنة – أو ثلاثين لافرق – وبين جماعة النصيحة والهدى – يقصد الإخوان المسلمين – وزعيمها الشيخ شمعدان، ثم قوى الثورة الشبابية على اختلاف توجهاتهم.

 وفي مواضع أخرى يشير عبدالمجيد في روايته إلى وقائع محددة، فيستخدم اسم فاضل سعيد بدلا من خالد سعيد،. وفى مقابلة هذا الواقع الكابوسي ينزع الكاتب إلى السخرية من رموز الحكم فيطلق اسم «مز» على مدير المحن والأزمات و«مم» على وزير الأمن والأمان، بالإضافة إلى تهريب أركان الدولة أموال البلد إلى الخارج. كما يوظف الفانتازيا، حين يتحدث عن أصابع الحاكم التى تطول رغما عنه، ولايخفى أن طول الأصابع أو اليد كناية عن الفساد والسرقة. أما مدير المحن والأزمات فقد انتبه الحاكم إلى خروج الثعابين من أصابعه، ثم تحدث المفاجأة حين تحلق فتاة تشبه سعاد حسنى وتقبل الثوار، فتدب فيهم الحياة مستعيدة أسطورة إيزيس.

ويمنح الكاتب هذه الفتاة قدرات أسطورية، فحين فردت ذراعيها ظهرت على جانبيها أجنحة بيضاء، إنها روح الثورة المحلقة التى تمنح الحياة وتعيد تخليقها. وفى مقابل هذه الفتاة تتحدث الرواية عن سناء زوجة الحاكم، التى تسعى إلى توريث ابنها الحكم بتواطؤ من أبيه .كما تشير إلى خيانة جماعة النصيحة والهدى للثورة وتعاونها مع الحاكم الفاسد. كما يشير الكاتب إلى حركة «حنكسر قلة» ويعنى بها حركة كفاية.

وتبلغ الفانتازيا ذروتها حين يأمر «مز» بالقبض على كل البنات شبيهات سعاد حسنى، كما يستخدم الكاتب القطط رمزا للثوار لوداعتها، وهكذا توظف الرواية السخرية والفنتازيا والكوميديا السوداء للتعبير عن ثورة يناير وأحداثها ورموزها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: