منوعات

معين بسيسو.. أن تكون مناضلا بقلب شاعر

«أنت إن قلت مت … وإن سكت مت .. قلها ومت» تلك المقولة للشاعر والمناضل الفلسطينى «معين بسيسو» أحد أبرز من أبدعوا أدب المقاومة الفلسطينى مع رفاق دربه «محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد» وغيرهم من أدباء الأرض المحتلة، الذين نشروا بذور المقاومة، فتحولت كلماتهم إلى قنابل،تنفجر غضبا فى وجه العدو الإسرائيلى المحتل.

هو المناضل الذى حمل قضيته فى وجدانه، واكتوى بنيران حصار بيروت، وتظاهر ضد الإستيطان، وعرف مرارة السجون.. فحّول القصيدة إلى طاقة نضال بلا حدود، ورسم خريطة الحلم الفلسطينى لأجيال متتالية.

فى الثالث والعشرين من يناير 1984 تعرض «بسيسو» لذبحة صدرية عنيفة بعد ندوة شعرية ضمن الأسبوع الثقافي الفلسطيني فى لندن برفقة الشعراء محمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبى. وكانت آخر قصائده «سفر»

«هذا العَشَاءُ هو الأخيرُ

على موائِدِكُم

تعبتُ من موائِدِكُمْ

تعبتُ من العناكِبِ في قميصي

والفراشةُ فوقَ كَفّي

لم تلِدْ

غيرَ الزّبَدْ

نافورةٌ والماءُ خيطُ العنْكَبوتْ

ياَ مَنْ يَموتُ ولاَ يَموتْ

هذا العشاءُ هو الأخيرُ»

 وقد كان بالفعل عشاءه الأخير، فلم ينج الشاعر الفلسطينى الكبير من تلك الازمة الصحية المفاجئة، ليغادر الحياة عن 56 عاما من النضال والشعر والسجن والغربة.

ترك بسيسو للمكتبة العربية عشرات الكتب ومئات المقالات التي تنوعت، بين الشعر والمسرح والكتابات النثرية. كما ترك سيرة مضيئة دائما فى مسيرة نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتراثا ملهما فى العمل الوطني داخل وطنه وخارجه، وإمتد تأثيره إلى معظم بلدان العالم الثالث.

لم يصدق رفيقه الشاعر سميح القاسم  أن معين بسيسو قد مات، فقال إنه تماوت ولو يمت. وجاء ذلك في قصيدة بعنوان «أنت تدري كم نحبك» وأهداها إلى المتماوت «معين بسيسو»

«كوفيةٌ في الريح

تخفقُ

خصلةٌ من شعرك

الوثنى مشبعة بملح البحرتخفقُ

عندليبُ الروحَ يخفقُ

آخ من قضبان صدرك ضاق بالإعصار…

أنت محاصرٌ»

 مسيرة الشعر والنضال

 ولد «معين توفيق بسيسو بحي الشجاعية في مدينة غزة، في العاشر من اكتوبر سنة 1928، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارس غزة الحكومية.

وفي سنة 1943 التحق بكلية غزة وبدأ نشر  أشعاره في مجلة «الحرية» التي كانت تصدر بمدينة يافا. وكانت أول قصيدة نشرها في تلك المجلة عام 1946.

 التحق بسيسو سنة 1948 بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بعد ما أنهى دراسته الثانوية في كلية غزة، وتخرج عام 1952 من قسم الصحافة. وفى نفس العام صدرله أول ديوان شعري بعنوان «المعركة»

عاد إلى غزة ليعمل مدرسا ويمارس عمله النضالى، حيث كان «بسيسو» أحد قيادات الحركة الشيوعية الفلسطينية، وهوما وثّق علاقته بكل من محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما من رموز الثقافة الفلسطينية ورفاق مسيرة «معين» السياسية. وفي عام 1955 أصبح مديرا لمدرسة مخيم جباليا، وفى هذا العام أيضا انطلقت مظاهرات ضد ما تردد عن توطين اللاجئين فى سيناء وقادها معين، ليتم إلقاء القبض عليه ضمن عدد من المتظاهرين الفلسطينيين، حيث تم تحويله إلى سجن القناطر في مصر.

 وفى عام 1957 أطلق سراحه، ليعود  معين بسيسو  إلى غزة مجددا ينظم الصفوف وينشر الوعى ويكتب الشعر، ولكن سرعان ما عاد للسجن مرة أخرى فى 1959، بسبب نشاطه السياسي والنضالي، ليقضى أربع سنوات ويفرج عنه فى 1963.

وفى عام 1965 أصدر بسيسو ديوان «فلسطين فى القلب» وانتقل إلى دمشق ليعمل سكرتير تحرير لصحيفة «الثورة». وبعد نكسة 1967 عاد إلى القاهرة من جديد ليعمل بالقسم الثقافى فى صحيفة الاهرام لمدة ثلاث سنوات. وفى عام 1972 عزز معين نشاطه الدولى من خلال العمل بمنظمة تضامن الدول الأفروآسيوية ومجلس السلام.

وفى عام 1982 وعندما اجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت، كان معين بسيسو فى قلب المعركة مرافقا للزعيم الراحل ياسر عرفات، وكان الشاعر الكبير على متن أول السفن التى أقلت رجال المقاومة الفلسطينية إلى تونس، ليتولى هناك رئاسة تحرير مجلة «لوتس»، وهى مجلة إتحاد الكتاب الأفروآسيوى.

عطاء وإلهام

كانت تجربة «معين بسيسو» فى تونس شديدة العطاء، خاصة فيما يتعلق بدوره الدولي وإسهامه فى مسيرة النضال الفلسطينى عبر الثقافة والإبداع. فقد كتب بعضا من قصائده التي تمت طباعتها عام 1960 في ديوان شعر مع قصائد أخرى كتبها شعراء مصريون من داخل السجن وهم زكي مراد و محمد خليل قاسم و محمود توفيق وكانت بعنوان «قصائد مصرية». وكان الاهداء  الذى يمثل مفارقة لدى البعض وموضوعية شديدة إتسم بها صناع الديوان الشعرى حيث جاء الاهداء «إلى بطل التحرر الوطني جمال عبد الناصر» رغم أنهم كانوا سجناء في عهده.

  ولمعين بسيسو أربعة عشر ديوانا شعريا، تمت طباعتها فى أعماله الكاملة. وكان «المعركة» أول ديوان صدر له، بينما ضم  ديوان «المسافر أول قصائد شعرية كتبها معين، رغم أنه صدر لاحقا لديوان «”المعركة»، ثم توالت الأعمال فأصدر ديوان «الأردن على الصليب» و«فلسطين فى القلب» و«مارد من السنابل» و«الأشجار تموت واقفة» و«كراسة فلسطين» و«قصائد من زجاج» و«جئت لأدعوك بإسمى»، و«الآن خذي جسدى كيسا من رمل»، وديوان «القصيدة»، ثم «آخر القراصنة من العصافير» و «حينما تُمطر الأحجار».  

    وفى المسرح كان معين بسيسو إسهام كبير، حيث قدمت بعض نصوصه مسرحيا، سواء فى مصر أو فى بلدان عربية أخرى. فقدم «مأساة جيفارا» و«ثورة الزنج» و«شمشون ودليلة» و«الصخرة» و«العصافير تبنى أعشاشها بين الأصابع» و«محاكمة كتاب كليلة ودمنة».

أما بالنسبة لأعماله النقدية والنثرية فقد قدم «بسيسو» نماذج من الرواية الاسرائيلية المعاصرة «وباجس أبو عطوان» – قصة – ودفاعا عن البطل والبلدوزر – مجموعة مقالات وكتب فى الرحلات بعنوان «كتاب الأرض» وأدب القفز بالمظلات وكتاب «الاتحاد السوفيتى لى» و «يوميات غزة» و«يوما خلف متاريس بيروت»، كما كتب مذكرات فى كتابه «دفاتر فلسطينية» عام 1978.

 تولى بسيسو منصب مسؤول الشؤون الثقافية في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، كما كان عضو المجلس الوطني الفلسطيني. وقد نال «معين فلسطين» -كما كان يطلق عليه- جائزة اللوتس العالمية وكان نائب رئيس تحرير مجلة «اللوتس  التي يصدرها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، و حاز على أعلى وسام فلسطيني (درع الثورة) العالمي. وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية.

«نعم لن نموت

 ولكننا سنقتلع القمع  من أرضنا

هناك بعيدا بعيد

سيحملنى يارفيقى الجنود

سيلقون بى فى الظلام الرهيب

سيلقون بى فى جحيم القيود»

سيقف تاريخ النضال الفلسطينى والعربى طويلا أمام عطاء «معين بسيسو» وسيبقى ما تركه من إبداع فى الأدب والشعر، محرضا على مزيد من التمسك بالحق الفلسطينى، وباعثا على الثورة ضد كل طغيان المحتل وجبروته.

الفيديو جرافيكس:

نص وتحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: