فن

25 يناير.. القيمة الغائبة في السينما المصرية

في عام 1974، بدأت السينما المصرية في تقديم مجموعة من الافلام التي تناولت نصر أكتوبر عام 1973، الذي كان حينها، الحدث الأبرز على الساحة المصرية.

لكن أغلب ما قدم من أفلام منذ تلك الفترة وحتى يومنا هذا، بدا دون مستوى الحدث، باستثناء فيلم «أبناء الصمت» للمخرج محمد راضي الذي تناول حربيْ الاستنزاف وأكتوبر على حد سواء من خلال مجموعة من الجنود المرابطين في أحد الخنادق على جبهة القتال، لم تقدم السينما المصرية أفلاماً عن أكتوبر ذاته بقدر ما استخدمت هذا النصر كخلفية لقصص حب وحكايات اجتماعية بدا معها الحدث نفسه – أي أكتوبر- باهتاً للغاية.

شيء من هذا القبيل تكرر مع حدث تاريخي آخر هو انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011، حيث لم تقدم السينما المصرية عن هذه الانتفاضة الشعبية سوى عدد محدود من الافلام ولم تف أغلب هذه الأفلام الحدث الكبير حقه.

تغييب الحدث

كان أول  فيلم يُبرز أحداث يناير هو «الفاجومي» الذي كتبه وأخرجه عصام الشماع وتناول جانباً من حياة الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم. استخدم الشماع لقطات من أحداث يناير 2011 ليربط بينها وبين انتفاضة شعبية أخرى تصادف أنها أيضا وقعت في الشهر ذاته وهي انتفاضة يناير 1977 التي  سُجن على إثرها كل من نجم ورفيق دربه الشيخ امام عيسى، وذلك في اشاره الى الصلة العضوية بين الانتفاضتين.

حيث يُلقي نجم (خالد الصاوي) على صحبه من المساجين قصيدته في حين تنتقل الأحداث بفضل المونتاج إلى يناير 2011 مصحوبة بالصوت الشجي لأحمد سعد وهي يغني أشعار نجم:

«كل ما تهل البشاير، من يناير كل عام

يدخل النور الزنازن، يطرد الخوف والظلام».

لكن تناول يناير 2011 في هذا الفيلم اقتصر على هذه اللقطات التي جعل منها الشماع نهاية لفيلمه.

أما فيلم «صرخة نملة» الذي أنتج في نفس عام الانتفاضة، 2011، والذى كتبه طارق عبد الجليل وأخرجه سامح عبد العزيز فجاء – كما يوحي العنوان تماماً -زاعقاً إلى أبعد الحدود ومعبرا عن محاولة صناعه مواكبة الحدث الذي كان لايزال دائراً  على أرض مصر.

يتناول الفيلم أسباب الانتفاضة من خلال الشخصية الرئيسية جودة (عمرو عبد الجليل) وهو المواطن العائد  من السفر بعد سنوات ليجد كل شئ قد انقلب رأسا على عقب، حيث يعود من العراق ليجد أسرته قد تفككت تماما فأخته تزوجت من شخص مدمن للمخدرات وزوجته تضطر للعمل كراقصه في كباريه

يرصد الفيلم رؤية السلطة للمواطن ممثلة في رجل الأمن (الفنان السوري سلوم حداد) الذي يري، في حواره مع جودة أن المواطن ليس سوى «نملة» لا أكثر وينصح هذا الأخير بأن يقنع بكونه نملة لكي «يأكل السكر».

لكن الفيلم يوحي، أو على الأقل يسعى للإيحاء بأن هذه العلاقة قد تغيرت من خلال استعراضه لمشاهد الانتفاضة في قلب ميدان التحرير والتي يعلق عليها جودة بقوله أن مارداً قد صحا من رقاده.

إلا أن الفيلم لا يتناول الانتفاضة ولا من قاموا بها وانما –كما أسلفنا- تبدو خلفية لا أكثر أراد صناع الفيلم أن يختموا بها عملهم الفني مصحوباً بقصيدة للشاعر هشام الجخ.

أما العام التالي  2012 فشهد عدة محاولات لصنع أفلام عن الانتفاضة، تصدى لإحداها مخرج مخضرم هو يسري نصر الله من خلال فيلم «بعد الموقعة».

ينطلق نصر الله في فيلمه من واقعة محددة هي ما عرف باسم «موقعة الجمل» والتي وقعت في قلب ميدان التحرير في الثاني من فبراير عام 2011 في محاولة من أنصار نظام مبارك لفض اعتصام المتظاهرين وهي المحاولة التي باءت بالفشل في النهاية واستمرار الاعتصام.

لكن نصر الله لم يكن هنا معنياً بالاعتصام بقدر ما كان معنياً بأولئك الذين دُفعوا دفعاً –وفقا للفيلم- للسعي لفضه، والذين يبرزهم الفيلم كبسطاء وسذج تم التغرير بهم.

وفي مقدمة هولاء محمود (باسم سمرة) الذي ينحدر من منطقة نزلة السمان وهي منطقة يعمل معظم أهلها في مجال السياحة نظراً لقربها من الأهرامات الثلاث.

تبدأ الأحداث ومحمود المغيب –اذا صح التعبير- ينظر إلى المعتصمين كخونة ودعاة فوضى كما  تم تلقينه، لكن لقاءه بـ«ريم» (منة شلبي) الفتاة التي تعمل في مجال الدعاية والإعلان يغير من رؤيته شيئا فشيئا، لينتهي الفيلم بمحمود وقد انضم إلى صفوف المتظاهرين في إحدى ساحات التظاهرالتي كانت تنتشر فى  كل مكان في مصر.

هنا أيضا، تغيب الانتفاضة نفسها والمشاركون فيها لصالح قصة بعيدة عن ميادينها، ناهيك عن أن سيناريو الفيلم عانى من نقاط ضعف عدة خاصة فيما يتعلق بعلاقة ريم بمحمود.

تناول سطحي

في العام ذاته، سعى فيلم آخر هو «حظ سعيد» الذي كتبه أشرف توفيق وأخرجه طارق عبد المعطي وقام ببطولته أحمد عيد، إلى تناول أحداث يناير في إطار كوميدي.

حيث يدور الفيلم حول سعيد (أحمد عيد) الذي يسعى للزواج من محبوبته ويقدم طلباً للحصول على شقة ضمن أحد مشروعات المحافظة، ولكن وبعد الحصول على الموافقة يفاجأ بأحداث 25 يناير وهو ما  يحول دون استلامها.

هنا وكما هو الحال مع بطل «بعد الموقعة» يجد سعيد نفسه محاصراً في ميدان التحرير بين أنصار النظام وبين جموع المتظاهرين ضمن أحداث «موقعة الجمل» ليدرك أنه كان مخدوعاً ويقرر الانضمام المتظاهرين.

جاء تناول الانتفاضة بشكل شديد السطحية والتبسيط واختزالها في معاناة فرد واحد لا غير بل ان التناول السطحي يصل ذروته في نهاية الفيلم التي أراد لها صناعه أن تكون رمزا للانقسام الحزبي على أرض الوطن.

الاطار الكوميدي هو ذاته الذي اختاره المؤلف والمخرج محمد أمين لفيلمه الذي أنجزه في العام التالي (2013) وحمل عنوان «فبراير الأسود». تبدأ أحداث الفيلم قبل يناير 2011 وتتناول – كما أعمال أخرى لأمين- أزمة العلماء في المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع المصري بشكل خاص.

حيث يتعرض أستاذ علم الاجتماع حسن (خالد صالح) إلى تجربة مريرة مع أسرته يدرك معها أنه ومن على شاكلته من العلماء لا قيمة لهم في مجتمع لا يحترم سوى ثالوث: السلطة والثروة والشهرة.

فيبدأ سعيه المحموم مع عائلته إما للهجرة إلى بلاد تقدر العلم وأهله أو البقاء في مصر مع الحصول على قدر ما من الحماية المجتمعية من خلال تزويج ابنته لشخص من أصحاب السلطة.

لكن أحداث يناير تندلع على حين غرة، ويجد حسن وأسرته أنفسهم أمام سؤال حائر، هل يمكن أن تكون هذه الانتفاضة مقدمة لتغيير جذري في المجتمع المصري يحصلون من خلال كعلماء على التقدير الذي يستحقونه أم سيبقى الوضع على ما هو عليه.

محاولات لم تكتمل

وقرب نهاية العام ذاته، 2013، قدم المخرج أحمد عبد الله فيلمه «فرش وغطا» الذي تناول أحداث يناير، وعلى العكس من الأفلام السابقة الذكر، أفرد الفيلم مساحة أكبر للانتفاضة ويومياتها.حيث تناول الفيلم الحدث من خلال مسجون (آسر ياسين) يخرج من محبسه  بعد فتح السجون الذي حدث مع بداية اندلاع المظاهرات ، ويخرج إلى الشوارع ليجد وطنا يتغير كل ساعة ويسعى –عبثاً- لمواكبة هذا التغيير.

لم يحمل الفيلم «حدوتة» معينة بل بدا بطله الذي لم يتفوه سوى ببضع كلمات في الفيلم بأكمله أقرب لمراقب للأحداث، وسبب أسلوب الفيلم الذي جمع بين الروائي والتسجيلي بل ودمج الاثنين معاً أحياناً نوعاً من البلبلة لدى المشاهد.

وفي عام 2015 قدمت المخرجة هالة خليل فيلمها «نوارة» الذي كتبت  هالة له السيناريو والذي يتناول انتفاضة يناير من زاوية أخرى.

لا يبدو السيناريو في هذا الفيلم معنياً بأحداث الانتفاضة في حد ذاتها كالاعتصام في ميدان التحرير مثلاً بقدر ما هو عُني بتأثير ما حدث في يناير على حياة البسطاء من المصريين الذين يقدمهم الفيلم باعتبارهم صناع الانتفاضة الرئيسيين.

يتبدى هذا المعنى من خلال شخصية «نوارة» (منة شلبي) الفتاة التي تنتمي إلى حي شعبي وتعمل خادمة في بيوت الأثرياء ومن خلالها نرى آمال هذه الفئة الاجتماعية في مستقبل أفضل بعد يناير، خاصة في ظل وعود سياسية واعلامية بعودة الأموال المنهوبة.

ومن جهة أخرى يرصد الفيلم أيضا واقع من تخدمهم نوارة من الأثرياء وعلى رأسهم الوزير السابق (محمود حميدة) الذين يرون أنهم صاروا أقل أمناً بسبب يناير ويظل هاجس السفر خارج حدود الوطن يلاحقهم، لتلتقي حياة هاتين الفئتين اللتين لا تجتمعان في الواقع إلا فيما ندر بشكل مدهش في نهاية الفيلم.

واجمالاً، فإن يناير شانه شأن أكتوبر لايزال تلك القيمة الغائبة في السينما المصرية، ولازال في انتظار أعمال سينمائية تكون مكرسة له ولا تستخدمه كمجرد “ديكور” خارجي أو لغرض تجاري بحت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق