فن

«الإمبريالية والهشّك بشّك».. كيف استخدم المستشرقون الراقصات لتقديم صورة زائفة عن الشرق؟

 كان الرقص الشرقي دائما في حياة المصريين، باعثا على البهجة والانبساط، وكانت الراقصة حاضرة في المناسبات الاجتماعية السعيدة والأفراح، التي تجذب الجميع رجالا ونساء بفنها ولياقتها ومهارتها الجسدية.

 لكن أحدا لم يفكر يوما أن هذه الراقصة نفسها، كانت مصدر معرفة للمستشرقين استغلوها استغلالا خبيثا، فرسموا صورة مغلوطة عن المرأة المصرية من خلال صورة مغلوطة أيضا عن الراقصات الشرقيات اللاتي تم تكريس تصور ذهني عنهن يقدمهن باعتبارهن مصدرا للغواية والابتذال وإثارة الشهوات.

وقد وظّف هؤلاء المستشرقون مختلف الآداب والفنون من أجل ترسيخ هذه الصورة الزائفة، لاثبات دونية الشرق، وتأكيد التفوق الأخلاقي للغرب، وإعطاء بعد أخلاقي لاحتلالهم للشرق، بزعم أن الاستعمار جاء من أجل تحرير الشرق من الجهل والتخلف. 

وللأسف الشديد تبدو نادرة للغاية الكتابات التي تفند هذه الصورة الزائفة، وهذا ما دفع الكاتبة «شذي يحيى» لأن تتصدى لهذه القضية المهمة من خلال كتابها الذي صدر مؤخرا عن دار ابن رشد بعنوان «الإمبريالية والهشك بشك»، وقد استغرق إعداد هذا الكتاب خمس سنوات وركز الكتاب على تعامل المستشرقين والمثقفين الغربيين على حد سواء مع موضوع الراقصة الشرقية، و رسم هؤلاء المستشرقون صورتهم عن الشرق من خلال رحلاتهم، أو إقامتهم في الشرق، منذ القرن التاسع عشر، فعند قدومهم وجدوا صورة متناقضة.. النساء في الحرملك ممنوعات من الخروج إلى الشوارع، والراقصات في الشوارع يمارسن الرقص ويتم النظر لهن بشهوانية، هذا ما وصفه هؤلاء المستشرقون في كتاباتهم المختزلة عن الشرق، واستخدموا مختلف أشكال الفنون من أدب الرحلات والفن التشكيلي والتصوير والمسرح للتكريس لهذه الثنائية: نساء محجوبات بأمر الرجال، ونساء أخريات – المقصود هنا الراقصات- يمارس ضدهن استبداد وقمع ذكوري، يتم التعبير عنه في شهوانية الشرقيين وطبيعتهم الجنسية المنحلة، وهذا ما اعتبرته الكاتبة ترجمة لجزء من النظرة الاستعمارية التي تغذي الفكر الاستعماري من أجل تبرير احتلال الشرق والترويج لغرض أخلاقي زائف، هو العمل على الارتقاء بسلوك الشرق، ونشر التنوير والتحضر، وكانوا يستشهدون في ذلك بصورة النساء في الغرب، ووصفهن بأنهن متحررات من هذه السلطة الذكورية، ومستقلات ويتمتعن بحقوقهن.

«من الغوازي إلى الرقص الشرقي»

   توضح الكاتبة أن فترة القرن التاسع عشر هي «مرحلة الغوازي»، وهن هؤلاء النساء اللائي كن يرقصن في شوارع مصر بهدف جمع المال أو ممارسة البغاء لمن يدفع. ولم يقف الرقص الشرقي عند هذه المرحلة بل خضع الرقص المصري للعديد من المؤثرات والمتغيرات السياسية والاجتماعية منذ الحملة الفرنسية، مرورا بفترة حكم محمد علي وخلفائه الذين كانت لديهم رغبة شديدة في مواكبة أوروبا، واندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإنشاء السينما، وذهاب الراقصات إلى الغرب وتقديم عروض في مقاهي وصالات أوروبا

فقد أثرت كل هذه العوامل في شكل وشخصية الراقصة وثيابها والموسيقي، والمكان الذي يمارس فيه الرقص. ويمكن القول – كما تشير الكاتبة – إنه تم الانتقال من مرحلة الغوازى إلى الرقص الشرقي المتعارف عليه حتى الآن.

«الصالات والألحان»

شهدت بداية النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي للمرة الأولى الراقصات صاحبات الصالات، وكانت أولهن وأشهرهن  هي بديعة مصابني (1926)، ثم الشقيقتان رتيبة وإنصاف رشدي وماري منصور وببا عز الدين، كما شهدت هذه الفترة تطورا في الألحان والموسيقى الشرقية و الغناء كما تم إدخال مقاطع أجنبية ومواكبتها بحركات جديدة وأخرى مستوحاه من رقصات عالمية، وتطوير في ملابس الرقص.

 وتقول «شذي يحيى» إن بديعة مصابني كان لها إسهامات متميزة، في هذا المجال، حيث وظفت في الصالة أشهر فناني الموسيقى والرقص، في ذلك الزمان، مثل فتحية أحمد وسامية جمال.، كما أقامت بديعة عرض ماتينيه في صالتها يوم الخميس من كل أسبوع للنساء، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تذهب فيها النساء للراقصات، بدلا من ذهاب الغوازي لهن في منازلهن.

«مرحلة السينما»

ثم جاءت موجة أخرى من التغيرات منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي مع ظهور صناعة السينما، حيث اتجهت بعض  الراقصات إلى العمل في السينما، وكان منهن نعيمة عاكف وسامية جمال وتحية كاريوكا، وثلاثتهن أصبحن علامات مميزة في السينما المصرية. وقد مثلت سامية جمال وتحية كاريوكا مصر في مهرجانات ومناسبات سينمائية دولية، خاصة بعد عام 1952 وحصلتا على تكريمات من الدولة.

ومع ذلك فقد كان للسينما و من بعدها التليفزيون دور سيء في تقديم صورة سلبية عن الراقصة، وتصويرها على أنها امرأة لعوب، أو أنها الفتاة المغلوبة على أمرها، التي اضطرت للعمل في هذه المهنة المشينة. وقد تكررت هذه الصورة في العديد من الأفلام خلال فترات الخمسينيات والستينيات، إلا فيما ندر مثل فيلم «أسمر وجميل» لفريد الأطرش وسامية جمال، وكان يتحدث عن علاقة حب بين راقصة ومغني بشكل طبيعي دون إظهار الجانب المنحل واللعوب للراقصة. كما جسدت تحية كاريوكا في بعض أفلامها صورة مختلفة للراقصة، فقدمت نموذج الراقصة الجميلة المثقفة التي تجيد التحدث، ولديها علاقات جيدة بالطبقات العليا، ولديها ذوق راق في اختيار ثيابها، وقد كانت هذه هي ملامح تحية كاريوكا الحقيقية في حياتها، بعيدا عن الرقص والسينما، فقد كان لها اهتمام بالشأن العام والسياسي.

وفي السبعينات وما بعدها من القرن الماضي شهدت صورة الراقصة على شاشة السينما، نقلة نوعية مختلفة، وهو ما حدث في أفلام مثل: خلي بالك من زوزو – الراقصة والطبال- الراقصة والسياسي، حيث عالجت هذه الأفلام موضوع الراقصات بطريقة مختلفة من خلال أبعاد إنسانية واجتماعية، تجاوزت التركيز على النظرة الدونية للراقصة.    

اختيار جرىء

   بذلت الكاتبة «شذي يحيى» جهدا بحثيا معتبرا، على مدى خمس سنوات في إعداد هذا الكتاب من أجل جمع المادة من مصادر متعددة، وموثقة. وتناولت الموضوع بعمق وعبر مرحلة تاريخية طويلة. وقد حاولت من خلال هذا الجهد تقديم الصورة الحقيقية لعالم الراقصات الشرقيات في مصر.

 وقد حاز الكتاب على تقدير واعجاب العديد من الكتاب والمثقفين الذين ضمتهم الندوة التي نظمتها دار «ابن رشد» للنشر  من أجل مناقشة الكتاب في جاليري ضي. فقد وصف الكاتب الروائي سعد القرش الكتاب بأنه قيمة مضافة في مجاله، فهو قراءة عميقة في تاريخ الجسد، وأظهر كيف مارست سلطة الاستعمار سلطتين على هذا الجسد وهما «السيطرة و الاستثمار»، من خلال النظرة الدونية للراقصة واستغلالها.

الروائي سعد القرش

واتفق الكاتب أحمد سراج مع القرش في أن الكتاب محاولة شجاعة من أجل كشف تشويه الشرق والمرأة الشرقية، من خلال تحريف صورة الراقصة، فجاء الكتاب ليقدم محاولة جادة لإزالة الركام عن تلك الصورة النمطية التي كتبها الغرب.

الكاتب أحمد سراج

 وقال الشاعر ماجد يوسف إنه يحسب لهذا الكتاب أنه ينتمى لمدرسة المؤرخين الجدد التي تحاول إعادة النظر في كتابة التاريخ من خلال الابتعاد عن أخبار وشؤون السلاطين والحكام والإمبراطوريات، إلى ما يصنعه الناس العاديون من أحداث في الحارات وأصحاب المهن الصغيرة، أى التحول من «العظماء» إلى الناس.

الشاعر ماجد يوسف

كما ترجع أهمية هذا الكتاب- برأي ماجد يوسف – إلى اختياره لموضوع الراقصات، وهو اختيار يتسم بالجرأة، حيث تناولته كتابات قليلة ونادرة، كما أظهر هذا الكتاب النظرة الدونية للشرق من قِبل القوى الاستعمارية، وأن هذه القوى كانت تحاول أن تجد المبرر لما كانت تفعله في حق الشعوب المستعمرة ونهب ثرواتها.

 لكن هذا لا يجعلنا نغفل – والكلام لايزال عل لسان ماجد يوسف – أن هناك مستشرقين آخرين لم تكن لديهم هذه النظرة الاستعلائية والفوقية وقدموا صورة حقيقية عن الشرق وكانوا مغرمين به بالفعل، وكان يجب على الكاتبة الإشارة إلى ذلك حتى لا تتهم بالتعميم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق