رؤى

تسع سنوات على 25 يناير.. النخبة السياسية وأخطاؤها القاتلة

يُعد اندلاع ثورات الربيع العربي وما تلاها من إخفاق في بناء نظم ديمقراطية تعددية، من العلامات السياسية والتاريخية الفارقة خلال العقد المنصرم. فباستثناء تجربة تونس، أخفقت كل تجارب التحول الديمقراطي بعد ثورات الربيع العربي، وفى مقدمتها التجربة المصرية في بلوغ هدفها المنشود ببناء نظم ديمقراطية تعددية.

 كان غياب الثقافة الديمقراطية لدى النخبة السياسية المصرية بكافة أطيافها وأجيالها، سبباً رئيسياً في فشل تجربة التحول الديمقراطي في مصر. وهنا تنبغي الإشارة إلى أربعة أخطاء ارتكبتها النخبة السياسية المصرية خلال الفترة الانتقالية، وعكست حجم الفجوة ما بين وعيها السياسي المؤدلج، وبين أطروحات الفكر الديمقراطي ذات الطبيعة المعرفية.

صراع الفرقاء

كان الخطأ الأول هو تحول دستور الثورة من وثيقة سياسية جامعة ومهيمنة، إلى موضوع رئيسي للخلاف بين تيارات وفصائل النخبة السياسية، فالدستور في الفلسفة السياسية الديمقراطية يُعد بمثابة المكافئ الموضوعي والقانوني لمفهوم «العقد الاجتماعي» الذي يعرفه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بأنه «صيغة تتشكل بموجبها الإرادة السياسية العامة للدولة وفقاً لمجموع إرادات أفرادها»، ما يعني أن الخاصية الأساسية التي تميز الدستور تتمثل في كونه إطاراً سياسياً جامعاً قادراً على استيعاب كافة القوى الوطنية ،ومن ثم التعبير عن إرادتها مجتمعة، متجاوزاً بذلك خلافاتها  وقناعاتها الإيديولوجية.

في هذه المراحل يفترض أن يعبّر الدستور عن لحظة توافق وطني، خصوصا وأن مرحلة وضع دستور جديد تتسم بكونها مرحلة تأسيسية وفارقة، ومن ثم فإن تحويلها لمرحلة  استقطاب إيديولوجي قد أهدر قيمتها بالجملة لا سيما وأنها قد ارتبطت بصراع بين فرقاء المشهد السياسي ينم عن عدم إدراكهم بأن الجسد السياسي للدولة بعد الثورات والاضطرابات مباشرة يكون في أكثر مراحله اعتلالاً ومن ثم فإنه يكون غير قادر ولا مؤهل لاستيعاب ذلك الصراع وهو ما يقودنا إلى الخطأ الثاني.

   وهكذا تحولت المرحلة الانتقالية برمتها من مرحلة للبناء الديمقراطي، إلي مرحلة يصارع فيها الكل ضد الكل، ولعل أبرز محطات هذا الصراع  كانت بين الإسلاميين والقوى السياسية العلمانية حول هوية الدولة في الدستور، والذى يُعد -في اعتقادي – انعكاساً لأزمة هوية الدولة المصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي تنازعت على تحديدها من خلال هذا الدستور، التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية في مصر بتنويعاتها الإسلامية و الليبرالية والقومية والماركسية.

فقد  كان كل تيار من تلك التيارات، يملك في مشروعه الفكري ما يمكن أن نطلق عليه «مفهوماً للدولة وللمجتمع»، سعى لفرضه وتطبيقه خلال المرحلة الانتقالية. وقد ساهم هذا النمط الهوياتى الذى هيمن على سلوك وأفكار النخبة السياسية المصرية، في إضعافها والحيلولة بينها وبين القيام بدورها الواجب خلال الفترة الانتقالية لسببين:

-الأول هو تفرغ تلك التيارات، خلال عصر مبارك، للتنظير ورسم تصورات على الورق لطبيعة الدولة ونظامها السياسي مع يأسها التام من تطبيق تلك التصورات على أرض الواقع، بفعل تقييد وبطش السلطة، ما جعلها تتمدد نظرياً وتنكمش على الأرض متفرغة للمقارعات النظرية والإيديولوجية فيما بينها ومنعزلة عن مشاكل الجماهير وقضاياها الملحة.

 أما السبب الثاني فهو هيمنة النزعة الميتافيزيقية التراثية على خطابات تلك التيارات منذ نشأتها بحسب ما أشار المفكر المصري الراحل جلال أمين في كتابه «نحو تفسير جديد لأزمة السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر»، ويستوي في ذلك -بحسب اعتقاد جلال أمين التيار الديني الذي يحتكم بالأساس إلى مرجعية دينية مطلقة، وبين التيارات العلمانية التي تنادى بالتعاطي مع ما هو نسبي بما هو نسبي أيضاً وليس بما هو مطلق، وهو ما عمّق الفجوة ما بين التيار الديني والتيار العلماني.

   ساهم هذا الوضع في إطالة أمد الصراع والصدام فيما بين التيارين المدني والإسلامي، فالاحتكام إلي مرجعية أو فكرة ايديولوجية ثابتة جعل العقل السياسي لدى كوادر النخبة المصرية المختلفة غير قادر على تقبل فكرة المواءمة وقبول الحلول الوسط لعبور الخلافات والمشاكل السياسية.

هيمنة القضايا الأيدولوجية

أما الخطأ الثاني التي وقعت فيه النخب السياسية المصرية، فيتمثل في غلبة قضايا البنية الفوقية التي تتعلق بالأيديولوجيا ونسق القيم والأفكار على قضايا البنية التحتية التي ترتبط بالآثار الاقتصادية والاجتماعية المباشرة لتطبيق تلك القيم والأفكار على أرض الواقع. وتلك كانت إحدى سمات المرحلة الانتقالية في مصر، وأحد أبرز أسباب فشلها في ذات الوقت، حيث لم تدرك النخبة السياسية المصرية أن حراك الجماهير قبل ثورة 25 يناير وخلالها، كانت له دوافعه ومطالبه الاجتماعية والاقتصادية بالأساس، ومن ثم فقد أخطأت النخبة في ترتيب أولوياتها وأهدافها.

فبناء على مطالب الجماهير من ثورة يناير كانت الأيديولوجيات مجرد وسيلة لتحقيق الغاية المتمثلة في عدالة توزيع الثروة الوطنية وتحسين أحوال معيشة المواطنين، وبناء على وعى النخبة المبتسر انقلبت الآية وتحولت الوسيلة إلي غاية فهيمنت بذلك قضاياها الأيديولوجية وصراعاتها على خطابها الموجه إلي الجماهير ومن ثم تمت إزاحة مطالب تلك الجماهير الاقتصادية والاجتماعية جانباً.

اللعب بالحشود

أما الخطأ الثالث، فكان لجوء النخبة السياسية إلى تكتيك سياسي عقيم، وهو اللعب بالحشود في الشوارع في مواجهة بعضها البعض. وقد حدث ذلك بشكل أساسي فيما بين التيارات الدينية والقوى الثورية والعلمانية خلال معظم محطات الصراع المهمة بعد ثورة يناير. فالإشكالية الأساسية في هذا النمط تكمن في كونه مخالفا لما يمكن أن نطلق علية التصور البورجوازي للدولة، الذي دشنه مفهوم العقد الاجتماعي و ترسخت في إطاره مبادئ وأسس النظام الديمقراطي، باعتباره نظاما يقوم  في جوهره على الفردية، ومن ثم فإن الإرادات السياسية للأفراد تتلاقى وتتنافر فيه بشكل عقلاني وفقاً لمصالحهم الاجتماعية والاقتصادية المباشرة، على عكس تصور الدولة عند الفيلسوف الألماني هيجل، والذي يقوم على حشد الإرادات السياسية للأفراد بشكل عاطفي انطلاقاً من أيديولوجيا أحادية وإقصائية، يتم من خلالها الهيمنة على الشعور الجمعي للجماهير. وتكمن خطورة هذا التصور في كونه قد شكل تاريخياً الإطار المعرفي الذي انضوت داخله كل النظم الفاشية والتسلطية ومن ثم فإن تكتيك اللعب بالحشود الجماهيرية وما ترتب عليه من تأجيج لمشاعرها العدائية تجاه بعضها البعض، أدى في النهاية إلي تغذية المنطق الأحادي الإقصائي المعادي للديمقراطية لدى الجماهير، ومن ثم إجهاض كافة الفرص لبناء نظام ديمقراطي تعددي يحترمه الجميع. 

السؤال الخاطىء

أما الخطأ الرابع والأخير الذى ارتكبته النخبة السياسية المصرية أثناء العملية الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير، فقد تمثّل في تمحور رؤيتها وموقفها السياسي حول شخص الحاكم وطبيعة انتمائه السياسي، ومن ثم طرحت النخبة بكافة أطيافها سؤال الديمقراطية بشكل خاطئ، حيث كان السؤال الأساسي هو من يجب أن يحكم؟ وهو سؤال قديم طرحته الفلسفة اليونانية عبر فيلسوفها السياسي الأبرز أفلاطون الذي كان يُنظر لحكومة مطلقة السلطات ذات شكل أرستقراطي منطلقاً من ذات السؤال الذي رجحت الإجابة علية كفة النخبة المثقفة على كفة الجماهير الشعبية أو «الغوغاء».

 والخلاصة أنه بالإضافة لأسباب عديدة أخرى، كان الخلل في وعى النخبة السياسي والثقافي بأطر وأفكار النظام الديمقراطي، أحد أسباب فشل عملية الانتقال الديمقراطي وإجهاض كافة المنجزات المأمولة جماهيرياً لثورة 25يناير 2011.

الوسوم

طارق أبو العينين

كاتب وباحث سياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: