ثقافة

شخصية معرض الكتاب: جمال حمدان.. المفكر الذي عاش في المستقبل

تقديم أصوات أونلاين

منذ حولي ستة وعشرين عاما وتسعة أشهر مات جمال حمدان، وجدت جثته  في مطبخ شقته الضيقة بحي الدقي بالجيزة، وقد احترقت أجزاء من نصفه الأسفل، اعتقد البعض أن نار البوتاجاز امتدت إلى جسده الطاهر، أو أن الغاز تسرب فخنقه. لكن «يوسف الجندي» مفتش صحة الجيزة وقتها قال إن عالم مصر الكبير لم يمت مختنقا بالغاز، وأن الحروق التي وجدت بجثته ليست سببا في وفاته، الأمر الذي رجح أن جريمة مكتملة الأركان ارتكبت بحق ابن مصر العظيم دبرها أصحاب المصلحة في تغييب هذا العالم الإستثنائي الفذ. والمؤكد أن من لهم مصلحة في موت جمال حمدان كثيرون، وربما على رأسهم الصهاينة الذين  كشفهم حمدان، وفند مزاعمهم وأكاذيبهم، بالدلائل العلمية التي لا تقبل شكا ولا جدالا. فقد كشف جمال حمدان في كتابه «اليهود أنثروبولوجيا»، أن اليهود الحاليين ليسوا -على أي وجه من الوجوه- أحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد. وهدمت مقالات حمدان وكتبه في الأنثروبولوجيا كل المزاعم والأكاذيب الزائفة التي  اخترعها الصهاينة للإدعاء بحقوق تاريخية في فلسطين.

ورغم الشكوك التي حامت حول تورط الموساد الإسرائيلي في اغتياله، فإن نظام مبارك لم يول الأمر أهمية ولا انتباها، فقد كان الرجل من أولئك الذين لا يرضى عنهم هكذا نظام تجذر فيه الفساد والإفساد.

وبعد ثورة 25 يناير المجيدة أعيد لجمال حمدان الكثير من اعتباره بوصفه عالما مصريا وطنيا جليلا، وضع أهم الكتب في علم الجغرافيا الذي نزل به من عليائه ليجعله بسيطا يفهمه العامة دون أن ينال من عمقه ومن أهميته ومن فلسفته فأصبح بحق شاعر الجغرافيا كما يطلق عليه الكثيرون. غير أن الأهم هو تلك القدرة الاستثنائية التي تمتع بها حمدان، وهو يفصل ويفسر ويحلل شخصية مصر وهويتها الجغرافية والتاريخية، وكذلك قدرته العجيبة على استشراف المستقبل والتنبؤ بكثير مما حدث بعد رحيله، مثل انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه و اتخاذ أمريكا وحلفائها الغربيين الإسلام والمسلمين أعداء استراتيجيين بعد سقوط  السوفييت وانهيار الكتلة الشرقية، وهو ما حدث بالفعل كما توقع وتنبأ. كما تنبأ حمدان بتهديد وضع مصر المائي وحصتها في مياه النيل، وكذلك بمحاولات تركيا وإيران البحث عن دور أكبر لهما في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي على حساب الدور المصري والعربي، وهو ما تحاوله حاليا الدولتان اللتان حددهما حمدان بالضبط. ومن يقرأ كتب جمال حمدان وما استشرفه خلالها، ثم يتابع ما يجرى حولنا اليوم يشعر وكأنه لايزال يعيش بيننا.
واليوم تعيد مصر لابنها جمال حمدان اعتباره كاملا، وربما يكون اختيار هذا العالم الكبير ليكون شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب فى دورته الواحدة والخمسين، هو خطوة مهمة على طريق تكريم الرجل في وطنه الذي أحبه وأخلص له وأبحر في تفسير وتحليل شخصيته.

وفي إطار هذا التكريم والاحتفاء بشخصية، شهدت أروقة معرض القاهرة للكتاب العديد من الفعاليات والندوات التي تناقش الجوانب المختلفة للمشروع الفكري لجمال حمدان ورؤيته التي سبق بها عصره. وهي الندوات التي يقدم «أصوات أونلاين» تغطية خاصة لها في هذا الملف.

«أصوات أونلاين»

 جمال حمدان وأمن مصر القومي

كان الدكتور جمال حمدان من أوائل من تناولوا تحديات الأمن القومي المصري في العصر الحديث، وقد حذر مبكرا من النفوذ الإسرائيلي في منطقة حوض النيل، وتهديد مستقبل مصر المائي. وعن رؤية جمال حمدان للأمن القومي المصري ومهدداته عقدت ندوة تحت عنوان «القضايا الإقليمية واستراتيجيات المصري جمال حمدان» استضافتها قاعة جمال حمدان بالمعرض، بحضور نخبة من الكتاب والباحثين والخبراء الأمنيين، وذلك لتسليط الضوء على مفهوم الأمن القومي لدي جمال حمدان في كتبه وأبحاثه.

في بداية الندوة قالت الدكتورة سحر حسن، مدير تحرير مجلة «مصر الحديثة»، التي أدارت الندوة، إن «حمدان» يعد من قلة محدودة للغاية ممن كانت لهم رؤية استراتيجية واضحة لحل المعادلة الصعبة، لحماية الأمن القومي المصري وأخذ زمام الريادة على المستوى الأفريقي والعربي والإسلامي، مشيرة إلى أن «حمدان» ترك ثروة كبيرة من المؤلفات وصلت إلى 79 بحثا و 27 كتابا في هذا المجال، ربط فيها بين الجغرافيا والتاريخ، فوصف مصر جغرافياً بإنها «نحيفة» ووصفها تاريخياً بأن لها رأسا كبيرة.

 وأشارت إلى أن «حمدان» أول من قال إن مصر وتركيا وإيران بينهم صراع قوي على قيادة العالم العربي والإسلامي، وأن أي تراجع لدور مصر يصب مباشرة في تقدم دور هاتين الدولتين في المنطقة، وحذر أيضا من أن تركيا وإيران لهما أطماع في المنطقة ولن يوقفهما إلا مصر.

وفي نفس الإطار، قال الدكتور صبحي رمضان، أستاذ الجغرافيا بجامعة المنصورة، إن حمدان من أكثر الشخصيات التي سخّرت كتاباتها وبحوثها لحل مشكلات مصر المستقبلية، فهو عالم موسوعي تجاوز حدود الجغرافيا إلى العلوم الإنسانية في كتاباته، خاصة كتاب «وصف مصر.. وعبقرية المكان».

 وأضاف «رمضان»، أن المجتمع المصري لم يستوعب كتابات «حمدان» في البداية، لأنها كانت دراسات مستقبلية ولها علاقة بعوالم السياسة، وتعتمد على خطط واستراتيجيات في أكثر من مجال، فكان له تفكير وطني موجه لمصر، وأصدر كتابه «عبقرية المكان»، وكان له تفكير قومي وأنتج أعمالا قومية مثل جغرافيا العالم الإسلامي والعربي.

وأشار إلى رؤية الدكتور حمدان المستقبلية وتنبؤاته التي ارتكزت على منهج علمي، أسفر عن حصيلة منطقية، فرؤيته كانت تستند على أسس واقعية متينة، فأخرج كتابه «فلسطين»، الذي أصدره في 1967، بعد النكسة، وتحدث فيه عن خطة استراتيجية للحرب تم الأخذ بها في حرب 1973، تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات بأن تكون الصدارة فيها للإنتاج الحربي وإعادة تسليح القوات المسلحة، ويأتي بعدها ضرورة وحدة الصف وتلافي النزاعات الأقل أهمية.

وأوضح «صبحي»، أن جمال حمدان كان  أول من تنبأ بانهيار الكتلة السوفيتية وتفككها قبل انهيارها بأكثر من 20 عاماً، مشيراً إلى أن حمدان هو من حذر من مواطن الخطر في المنطقة العربية، وقال إن أطراف العالم العربي هي أكثر الأماكن ضعفاً، وبالفعل خسرت المنطقة العربية قرابة 10% من مساحتها، وانتهت بانفصال جنوب السودان عن المنطقة العربية.

مصر ومياه النيل

ولفت أستاذ الجغرافيا بجامعة المنصورة إلى أن «حمدان» تحدث قبل نصف قرن عن أن مصر كانت «ملكة النيل» الوحيدة، وقال «الآن انتهي هذا، وأصبحت شريكة محدودة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة والمستقبل أسود»، وهذه المقولة لم ينتبه إليها أحد لأكثر من 50 عاما، موضحاً أن حمدان حذر مما تقوم به إثيوبيا الآن، وحذر من أن القوى الاستعمارية لن تترك مصر بعد خروجها من أفريقيا، باستغلال نفوذها في تهديد مصالح وأمن مصر المائي.

وتابع «رمضان»، أن «جمال حمدان كان يرى أنه لا يجب السماح ببناء أية سدود في منابع النيل، لأن كل بناء سد في مجرى النيل سوف ينتهى بكارثة، وهي تراكم الطمي داخل السدود ولن تصمد هذه السدود أمام اندفاع مياه النيل وستنهار وستكون نتائجها كارثية على مصر والسودان»، وكان في الوقت ذاته يعلم حاجة إثيوبيا لإنتاج الكهرباء، واقترح أن يتم بناء سد لإنتاج الكهرباء على بحيرة «تانا»، «فجمال حمدان حدد استراتيجيات للسياسة المصرية في أفريقيا وحوض النيل،لأنه كان يراها ظهر مصر، الذي يجب حمايته، لذلك دعا لمواجهة التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، بإنشاء مشروعات تنمية في دول حوض النيل والإستفادة من المياه المهدرة في منابع النيل».

وقال اللواء حمدي لبيب، الخبير في شؤون الأمن القومي،إن جمال حمدان ذكر أن الله وهب مصر الوسطية في المكان والوسطية في المناخ، فجعلها قلب العالم العربي ونقطة وصل بين أفريقيا وآسيا، وبين أفريقيا وأوروبا، فكان لها دور في نقل الأديان إلى أفريقيا، وهي الوحيدة القادرة على حماية أمن أفريقيا من الشمال، وحماية أمن المنطقة العربية من الأطماع الإيرانية والتركية والإسرائيلية، وأية أطماع أوروبية مستقبلاً.

فيما قال الدكتور محمد سالم مقلد، أستاذ علم الأديان بكلية التربية بجامعة المنصورة، إن جمال حمدان دفع حياته ثمناً لكتابه «اليهود أنثربولوجيا»، الذي عبر فيه عن مخاوفه الأمنية بالمنطقة المحيطة، حيث اعتبر حمدان أن فلسطين هي  خط الدفاع الأول لسيناء، وأن على سيناء  هي خط الدفاع الأخير لمصر، لذلك كان حمدان  يري أن الأمن القومي المصري مرتبط بالأمن الإقليمي في دوائر مصر الثلاثة «العربية والإسلامية والأفروآسيوية».

شاعر المكان

و ضمن فاعليات الاحتفاء بجمال حمدان في اطار معرض القاهرة للكتاب، استضافت القاعة الرئيسية للمعرض، ندوة بعنوان «شاعر المكان والخرائط»، شارك فيها الدكتور سامح عبد الوهاب أستاذ الجغرافيا والخرائط بكلية الآداب جامعة القاهرة، والدكتور محمد السبعاوي العميد السابق لكلية الآداب بجامعة المنيا، ومحمد غنيمة خبير الخرائط بمكتبة الإسكندرية، والدكتور محمد الخزامي عزيز أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة المنيا.

وافتتح د. الخزامي الندوة بقوله «ربما لا تكون الجغرافيا أرقى العلوم لكنها أرقى الثقافات»، مؤكدا أن هناك أزمة حدود جغرافية في الشرق الأوسط، وهناك توترات في جميع دول العالم الثالث، سببها الاستعمار الذي تعمد صنعها قبل أن يرحل، فأصبحت هناك بؤر للصراعات في المناطق الحدودية بين كل دولة عربية وأخرى.

ومن جانبه، وصف د سامح عبد الوهاب، جمال حمدان بأنه عاشق للمقارنات، وأمير التشبيهات، وصانع التساؤلات، وأديب الجغرافيين، وقال إن حمدان رفض عرضا كان مقدما من جامعة الكويت ليكون مديرها بمرتب مفتوح.

وأضاف أن جمال حمدان هو صاحب فضل وتأثير عميق على تفكير الجغرافيين المصريين، مشيراً إلى أن حمدان كان لديه صندوق، احتفظ فيه بالعديد من الوثائق الهامة، ومنها كتاب عن اليهود، ذكره في حوار أجرته معه «مجلة الشباب» قبل وفاته، اختفى تماما.

وعن القضايا، التي طرحها حمدان في مؤلفاته، قال عبد الوهاب، إن هناك مجموعة من القضايا لم تتم مناقشتها بشكل جاد، مثل قضية الزحام المروري بالقاهرة، كما أنه استشرف تأسيس العاصمة الجديدة، وحذر من بناء مدن جديدة على أطراف وضواحي العاصمة.

وفي السياق ذاته، استعرض الدكتور محمد السبعاوي، عددا من المقالات التي كتبها حمدان في عدد من المجلات منذ بداية الستينيات مثل مجلة «الهلال» ومجلة «مرآة العلوم الاجتماعية» ومجلة «الكاتب»، وقال إنه كانت له مقالات في مطبوعات دولية باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

وقال السبعاوي، إن المقال الأول لحمدان نشرته مجلة «الهلال» في يناير 1965، وحلل فيه  فلسفة المكان بشكل بيولوجي، وأشار إلى مشكلة الحدود والأطراف في الوطن العربي، وتعرضها للسلخ الإقليمي لصالح دول أخرى مجاورة، الأمر الذي كانت نتيجته فقدان الوطن العربي لمساحة 620 ألف كيلومترا، وهو ما يعادل ثلثي مساحة جمهورية مصر العربية.

أما محمد غنيمة، فأشار إلى بحثه عن حمدان، الذي بدأ فيه منذ 2013 وجمع خلاله عددا من الوثائق النادرة والمقابلات التي أجريت مع الراحل، ومن بينها بعض الصور النادرة والمراسلات بين حمدان وطلبته، وعقد إيجار شقته بشارع أمين الرافعي في الدقي، ونموذج حصوله على جائزة الدولة التقديرية سنة 1986، وخطاب من الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل يطلب لقاءه.

زحام شديد على شراء كتب جمال حمدان

فيلسوف الجغرافيا

وفي السياق ذاته استضافت القاعة الرئيسية ندوة ثالثة عن حمدان بعنوان «فيلسوف الجغرافيا.. سيرة ومسيرة»، قدمها الكاتب الصحفي مصطفى عبد الغني، وتحدث فيها الدكتور ياسر خضر أستاذ الجغرافيا بجامعة حلوان، والجغرافي الكبير الدكتور فتحي مصيلحي.

وفي بداية الندوة، قال عبد الغني، إن جمال حمدان شخصية عظيمة، ولا بد أن نحتفي به، لأنه من أكثر المثقفين ذوي الوعي بفلسفة المكان، مشيرا إلى أصابع الاتهام نحو الموساد الإسرائيلي باغتياله  قبل صدور موسوعته عن اليهود.وأضاف عبد الغني، أن حمدان رحل، لكن قضية اغتياله تظل لغزا كبيرا، مذكرا بحادث مقتله المأسوي، إذ تم العثور على النصف الأسفل من جثته محترقا، واختفاء وثائق مهمة من منزله، موضحا أن من الضروري أن نعرف كيف كان جمال حمدان يفكر وكيف عاش.

ومن جانبه، قال الدكتور ياسر خضر، إن شخصية جمال حمدان تخطت عتبات الجغرافيا إلى الفضاء العام، فقد أثار حمدان قضية الهوية وكانت الشغل الشاغل له، في وقت كانت مصر فيه جريحة بعد الهزيمة.

وأشار خضر إلى أن حمدان ارتقى بالجغرافيا من الإطار الأكاديمي إلى الفضاء العام، وذكر أن الجغرافي الكبير كان غارقا في حب الوطن، ومتأثرا بتوجهه الأيدولوجي.

كما تحدث خضر أيضا عن العزلة، التي فضلها جمال حمدان في حياته، فهو لم يكن يخالط الناس، وأثرّت هذه العزلة على إنتاجه، فجعلته يستطيع رؤية الطائر المحلق ويقوم بكتابة وتأليف العديد من الأبحاث والدراسات والموسوعات، من بينها كتاب «شخصية مصر»، الذي أصدره عام 1967 وطوره بعد ذلك في منتصف الثمانينيات، ويعتقد خضر أن العزلة سببها اعتزاز  حمدان الشديد بذاته.

ولفت خضر إلى تنبؤ حمدان بسقوط الاتحاد السوفيتي وصعود التيار الإسلامي، كما تنبأ بأن مصر ستواجه مشكلات في الحصول على حصتها من مياه النيل، مشيرا إلى أن هذه القدرة على التنبؤ تأتي من استلهام شخصية المكان ودراسة الزمان والتاريخ، فحمدان تفرد باعتبار التاريخ ظل المكان على الأرض.

الاغتيال المعنوي

وكانت مداخلة الدكتور فتحي مصيلحي، الأبرز خلالالندوة، حيث تحدث عن «تحليق حمدان في أفق الزمان والمكان»، واستعرض حياة الراحل منذ مولده في قرية ناي بمركز قليوب وبين حياته في شبرا ودراسته في جامعة القاهرة، وحتى بعثه التي انتقل معها لدراسة الدكتوراه في مدينة ريدنج غرب العاصمة البريطانية لندن.

وقال مصيلحي، إن جمال حمدان استشهد ثلاث مرات قبل اغتياله، المرة الأولى على يد أقرانه الذين ظلموه كثيرا، والمرة الثانية عندما لم تضعه الدولة في مكانه المناسب، رغم وطنيته فهزمته معنويا، أما الشهادة الأخيرة، فهي أنه حتى الآن لم يتم تكريمه بالشكل اللائق.

العالم الإسلامي المعاصر

 لم يغفل جمال حمدان البعد الإسلامي في تاريخ وحاضر امتنا والعالم، وبالرغم من أن الحديث عن الإسلام من نشأته وحتى انتشاره في العصر الحديث، ليس أمرا سهلا إذا نظرنا لكم المعوقات، التي واجهت أمة الإسلام خلال تلك القرون، لكن حمدان، حاول الحديث عن ذلك من خلال دراسة الإسلام في ذاته من حيث ظاهرته في المكان، وتوزيعه وامتداده الجغرافي وعلاقاته الإيكولوجية معه، ومن حيث كونه عاملا مؤثرا في إقليمه وتشكيل تاريخه، وذلك في كتابه «العالم الإسلامي المعاصر» الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الهلال للنشر عام 1971.

وقدم حمدان دراسة في جغرافية الإسلام، تعالج فصولها القليلة مجموعة مترابطة من جوانبه الحيوية ومشاكله المعاصرة المؤثرة، أكثر مما تحاول مسحا جامعا أو مانعا للعالم الإسلامي، سواء في ماضيه أو حاضره، وللدين مكانه المقرر في الدراسات الجغرافية، كما أن للجغرافيا اهتماما تقليديا بالأديان.

وخلال الكتاب تناول حمدان تاريخ نشأة القوميات الوطنية، حيث رأى أنها ظهرت نتيجة لاستخدام الاستعمار للغطاء الديني كراية لأغراضها، وأعطى مثلا على الدولة العثمانية، التي اجتاحت العالم الإسلامي تحت غطاء الدين، وسيطرت عليه، واستحدثت نظام الملل، الذي أعانها في فترات القوة على إحكام السيطرة على ما تحت يديها، وأدى في فترات الضعف إلى استخدام النداءات الدينية والقومية في تدخل الاستعمار الغربي لانتزاع بعض البلدان تحت دعوة حماية الأقليات، ضاربا المثل بتدخل فرنسا لحماية المارونية في لبنان، وتدخل بريطانيا لحماية الدروز.

ووفقا للشكل العام للعالم الإسلامي في وقت طباعة هذ الكتاب، وتأثيره وتأثره بالمتغيرات المحيطة به، وباستخدام هذه المدخلات يذهب جمال حمدان إلى أن وحدة العالم الإسلامي أمر لا بد من السعي إليه، ووضع الخطط والتوجهات إليه هو طريق ما أسماه توحيد العقيدة، وأن تستدعي الدول الإسلامية الحد الأقصى من التعبئة الشاملة المكثفة لكل طاقاتها ومواردها وإمكانياتها، ليس فقط من أجل أن يحتفظ العالم الإسلامى بمكانته العالمية وهيبته في السياسة الدولية، بل أيضا لضمان حق الحياة والبقاء في العالم المعاصر، على حد وصفه، كما طالب بضرورة محاصرة العدو الصهيوني سياسيا واقتصاديا، من أجل القضاء عليه وتحرير فلسطين، حتى تتم وحدة العالم الإسلامي سياسيا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: