رؤى

أصول بوكو حرام.. من أين جاءت الجماعة الإرهابية الأشد فتكا في أفريقيا؟ (2)

*أودو بولاما بوكارتي – باحث في «مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية» (SOAS) بجامعة لندن، ومحلل في «معهد توني بلير للتغيير العالمي»

*عرض وترجمة: أحمد بركات

يكشف البحث الاستقصائي للأدبيات المتاحة عن جماعة «بوكو حرام» عن قدر كبير من الارتباك بشأن جميع التفاصيل الخاصة بـ«حلقة كاناما» في عامي 2003 و2004، ولا يُستثنى من ذلك سوى أمرين فقط، هما حقيقة وقوع هذه الأحداث، وتوقيت وقوعها. فيما عدا ذلك، لا تتوقف حدود الاختلاف بين الباحثين عند تفسير الأحداث، وإنما تمتد إلى الحقائق والأرقام، كعدد أفراد المجموعة، والفترة التي قضوها في أطراف كاناما، وغير ذلك.

فعلى سبيل المثال، بينما يزعم «مانويل راينرت» و«أندرو والكر» وآخرون أن المجموعة كانت تضم حوالي 200 شخص، يقدّر ديفيد كوك وآخرون عدد أفراد مجموعة كاناما بـ 800 إلى 1000 عضو. وتتناقض جميع التفاصيل الأخرى على نحو مشابه. ومن ثم، يجد القارئ نفسه أمام مهمة صعبة تتمثل في التوفيق بين مجموعة من الروايات المتنافرة وغير القابلة للتوفيق.

قليل من الأدلة.. كثير من المزاعم

عندما أشارت الصحف إلى مجموعة كاناما في عناوينها الرئيسية، استخدمت عبارة «طالبان نيجيريا» (Nigerian Taleban)، في إشارة إلى ارتباطها بشكل أو بآخر بحركة طالبان أفغانستان (Afghan Taliban) (يوجد هذا الفارق في الهجاء بين كلمة Taliban في الاسمين). فقد ارتأت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها المسيحيون في جنوب نيجيريا أن استخدام هذا الوصف سيكون مفيدا من عدة طرق (وهو ما تبناه لاحقا الإعلام الغربي). فالربط المباشر بين ما يجري في نيجيريا بالحرب العالمية على الإرهاب التي كانت تدور رحاها آنذاك سيسهم في لفت الانتباه إلى هذه المجموعة، ويعجل بدحرها.

لكن هذا لا ينفي وجود دوافع خبيثة أو – على الأقل – تنمطية وراء تعمد هذا الربط؛ إذ لم تكن وسائل الإعلام النيجيرية محصنة ضد الاستقطاب الديني والوقوع في فخ الانقسامات التي ضربت بالبلاد وسياساتها منذ الاستقلال في عام 1960. وقد سعت وسائل الإعلام في جنوب نيجيريا بدأب إلى تصوير الشمال على أنه «شعب إسلاموي غير قادر على التعايش مع الآخرين». وربما كان هذا الربط الإعلامي هو السبب في إطلاق لقب «زعيم طالبان النيجيرية» على زعيم جماعة «بوكو حرام» لدى ظهورها في عام 2009، قبل اعتماد التسمية الحالية.

نتيجة لهذه التقارير الصحيفة، شرعت محاولات أكاديمية في السير في نفس الاتجاه، وربط مجموعة كاناما بحركة طالبان الأفغانية. على سبيل المثال، أشار «ديفيد كوك» في العديد من كتاباته إلى احتمال تواجد بعض أعضاء بوكو حرام في أفغانستان في وقت ظهور مجموعة كاناما (على الرغم من أنه شكك في هذه الإمكانية بعد ذلك). وعلى هدي هذه التقارير، يمضي «فريدوم أونوها» بهذه ’النظرية الارتباطية‘ أبعد من ذلك، حيث يذكر أن مجموعة كاناما احتلت المنشآت العامة لعدة أيام، و«رفعت أعلام حركة طالبان الأفغانية على معسكراتها»، ونقشت حروف «طالبان» على المركبات التي تمكنت من الاستيلاء عليها، وأطلقت على معسكرها اسم «أفغانستان».

وعلى هذا الأساس أيضا، راح بعض الأكاديميين يخمنون أن «بوكو حرام» بدأت فعليا كمشروع تابع لتنظيم القاعدة. كما نظروا إلى حلقة كاناما باعتبارها مجرد معركة بين الشرطة النيجيرية ومعسكر تدريب تابع لتنظيم القاعدة، تم إنشاؤه في شمال نيجيريا بتمويل من أسامة بن لادن. ومن ثم، فقد خلصوا إلى أن القاعدة لعبت دورا محوريا في تأسيس «بوكو حرام».

ماذا حدث فعليا؟

ضمن عمل ميداني مكثف، قمت بمقابلة العديد من المصادر المحلية في قرية كاناما لسؤالهم عما حدث فعليا، وبتجميع الروايات المختلفة يمكن صياغة رواية توافقية أساسية مفادها أنه في مساء يوم الأحد 21 ديسمبر 2003، وصلت مجموعة مؤلفة من 70 شخصا (حوالي 50 رجلا، و20 امرأة وطفلا) إلى أطراف قرية كاناما قامت المجموعة بإزالة الغابات من موقع صغير بين مجريين مياه، بجوار مزرعة باكورنا باردي، حيث قضت ليلتها هناك. وفي اليوم التالي، ذهب حوالي إحدى عشر من أعضاء المجموعة (ثمانية رجال وثلاث نساء) إلى سوق القرية لشراء بعض المستلزمات. وقبل عودتهم إلى مخيمهم، ذهبوا إلى عدد من الأماكن التي يتردد عليها الشباب، ودعوهم إلى ترك «حياتهم الدنيوية القذرة»، والالتحاق بمجتمعهم لممارسة صحيح الدين، وإقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة. ودخلت النساء إلى البيوت ووجهن الدعوة نفسها إلى النساء بالداخل.

وفي الليلة نفسها، هاجم بعض أعضاء المجموعة مخفر شرطة كاناما بالمناجل والأقواس والسهام، ومسدس واحد. وقتلوا ضابطا يدعى «يمان عمر»، من ولاية سوكوتو، واستولوا على بندقيته. ثم انطلقوا من المخفر، حيث هاجموا منزل «الحاج كومفاسا»، رئيس الحكومة المحلية، الذي تسلق السياج، وفر هاربا. استولى أعضاء الجماعة على سيارة دفع رباعي، ثم انطلقوا إلى قرية «جيدام»، التي تقع على مسافة 35 كيلو مترا من كاناما، ونهبوا كل ما وجدوه في أمانة الحكومة المحلية ومخفر الشرطة.

وفي يوم 25 ديسمبر، تم حشد عددا من ضباط الشرطة إلى الموقع الذي تقطنه المجموعة، لكنهم عادوا دون أي خسائر. ويبدو – في واقع الأمر – أنه لم يحدث في ذاك اليوم أي اشتباك بين الطرفين نتيجة عدم تمكن الشرطة من الوصول إلى الموقع المحصن بمجريين مائيين، وإغلاق مدخله الوحيد بأكياس من الرمل، وخندق تحسبا لأي هجوم.

وفي يوم 31 ديسمبر، تم نشر جنود ودبابات من «الكتيبة ريسي 241» في بلدة «نوجورو» (على بعد حوالي 210 كيلو متر من كاناما)، وتمكن الجنود من دخول المعسكر في الساعات الأولى من صباح يوم 1 يناير 2004، ومع شروق الشمس طافت شاحنة تحمل 20 جثة – من بينها جثة «بعلاي»، الذي قيل أنه كان قائد المجموعة، وجثث نساء وأطفال – في جميع أنحاء قرية كاناما. أما المقاتلون الذين تفرقوا في أعقاب هذا الهجوم فقد تم رصدهم من قبل سكان القرية وهو يفرون صوب الغرب والجنوب. وقد مر بعضهم بقرية كاناما حيث تلقوا علاجا لجروحهم الطفيفة (التي حدثت بدرجة كبيرة جراء فرارهم وسط الأشجار) قبل مغادرة المكان. وقد ذكر العديد ممن تم استطلاعهم أن المجموعة، التي دمغت بأنها معسكر تدريب تابع لتنظيم القاعدة، لم تبق في كاناما أكثر من 10 أيام، من 21 ديسمبر 2003 إلى 1 يناير 2004، لم يستغرق القتال خلالها أكثر من ساعات، وهو ما يشير بجلاء إلى ما حدث من تهويل بشأن هذه الحادثة، ويناقض على خط مستقيم ما أكده «أندريا بريجاليا» من استمرار ’حلقة كاناما‘ على مدى سنوات.

وقد ذكر السكان أنهم أفادوا لاحقا بأن المجموعة نفسها كانت قد أسست قبل ذلك مجتمعا صغيرا آخر في أطراف قرية أخرى تسمى تارموا، على مسافة 63 كيلو متر من كاناما. وكان «الحاج كومفاسا» – رئيس الحكومة المحلية الذي داهم أعضاء المجموعة منزله في 21 ديسمبر 2003– قد طلب منهم إخلاء معسكرهم في هذه البلدة. رغم ذلك، يبدو أن الباحثين في جماعة «بوكو حرام»، لا يعرفون شيئا عن تارموا، ويشيرون فقط إلى كاناما، حيث وقعت الاشتباكات العنيفة. ويرجع ذلك إلى اعتمادهم على روايات الصحافة النيجيرية، التي اعتمدت بدورها على مصادر مجهولة وغير موثوقة، أو ربما حدث خلط غير مقصود بين أنشطة المجموعة في تارموا وما حدث في كاناما.

داخل مجموعة تارموا

بحلول عام 2003، برز انقسام أيديولوجي واضح في صفوف المجموعة التي ستصبح فيما بعد «بوكو حرام». أدى هذا الانقسام إلى تشكل معسكرين كبيرين، أحدهما بقيادة «محمد علي»، والآخر بقيادة «محمد يوسف». جاء الانقسام على خلفية الاختلاف حول موضوعين رئيسيين، يتعلق أولهما بجواز أن يعيش المسلم في نيجيريا، التي كانت المجموعة تعتبرها «دار كفر». أما الثاني فيتعلق بتوقيت إعلان الجهاد.

بالنسبة إلى الموضوع الأول، كان «علي» يعتقد أنه لا يجوز للمسلم أن يعيش في نيجيريا، وأكد أنها تمثل «دار كفر» لأن الحكومة لا تطبق الشريعة، وتحكم بغير ما أنزل الله، وذلك بترخيصها الزنا والميسر وشرب الخمر، إلى غير ذلك. ومن ثم، فإن الخيار الوحيد الذي أتيح للجماعة كان هو الهجرة إلى مكان «طاهر»، والإعداد للجهاد.

وعلى النقيض، أكد «يوسف» أنه يجوز للمسلمين أن يعيشوا في أرض الكفر شريطة عدم التقيد بالقوانين الوضعية، والانفصال عن النظام العلماني للدولة (الولاء والبراء). إضافة إلى ذلك، يجب على المسلمين التعبير عن هذا الموقف صراحة والإعلان عنه (إظهار الدين). في هذا السياق أكد يوسف:

يجب عليكم أن تعلنوا صراحة أن هذا النظام زائف، وأن ما عدا الشريعة باطل. فهذا الدستور باطل وكفر، والذين يخدمون الحكومة يخدمون الباطل، والمنظومة العسكرية باطل وكفر، والمنظومة الأمنية باطل وكفر، والعمل في القضاء في هذه الدولة تحت حكم الدستور باطل وكفر. إذا قلتم ذلك صراحة، وعرف الجميع عنكم هذه الآراء، فيمكنكم – في هذه الحالة فقط – أن تعيشوا في هذه البلاد، وإلا فعليكم بالهجرة.

مضى يوسف أبعد من ذلك، حيث أكد أنه من الأفضل لأعضاء المجموعة – على المستوى العملي – أن يبقوا في المدن حتى يمكنهم تجنيد وتعبئة مزيد من العناصر. وأكد أنه من الضروري أن تعارض المجموعة بقوة العلماء المسلمين والسياسيين والموظفين العموميين، خاصة في الجيش والشرطة، الذين يدافعون عن «النظام غير الإسلامي». وبالتماشي مع «الفقهاء السلفيين»، اعتبر يوسف أنه من الضروري «إقامة الحجة» أولا قبل بدء الجهاد، وهو ما اختلف عليه «علي».

أدى هذا الخلاف إلى خلاف آخر حول الوقت المناسب لإعلان الجهاد في نيجيريا. في هذا السياق، أكد «علي» أن نيجيريا مؤهلة للجهاد، وأن جميع الشروط المسبقة التي ذكرها «يوسف» قد تحققت في عام 2003. بالنسبة إلى «علي» كانت المجموعة قد «أقامت الحجة» فعليا، وقدمت ما يكفي لإقناع الناس بالتوبة وتطبيق الشريعة، وبينت أن من لا يفعل ذلك يجب قتاله. لكن «يوسف» رفض هذا الرأي، وأكد ضرورة الحصول على مزيد من الوقت لتجنيد مزيد من العناصر، وحشد مزيد من الدعم على مستوى القاعدة الشعبية، وشراء المزيد من السلاح.

(يُتبع)

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي ومراجع الدراسة من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: