منوعات

زبيدة البواب.. «غادة رشيد» التي تاهت في بحرها «الروايات»

قصتها دراما تراجيدية إغريقية فاقعة، هي بطلة من أبطال الأساطير، حكايتها تبدو وكأنها خرجت من حواديت «ألف ليلة وليلة».. امرأة جميلة فاتنة.. إنها «زبيدة البواب» ابنة رشيد أو غادتها الجميلة التي عشقها الجنرال  الفرنسي «مينو» وتزوجها، وغيّر ديانته من أجلها، ثم ألقاها في شوارع وحواري فرنسا، كقطة ضائعة، لا تعرف لغة، وليس لديها مال.. فقط خادم بائس يذكّرها بالأيام القديمة التي كانت مفعمة بالمجد والثراء العظيم ورغد العيش.

البداية كانت هناك على شاطيء البحر المتوسط، في مدينة رشيد، وبالتحديد في شارع «بدر الدين» حيث ولدت زبيدة ابنة «محمد عبد الرحمن البواب الميزوني»، والذي ينتمي لعائلة من الأثرياء والأعيان. كانت عائلة البواب ثرية تعمل في التجارة، ولديها خدم ووكالة كبري. وفي بيت فخم يتكون من خمسة طوابق، ولدت الجميلة «زبيدة». وتربت كـ«بنت عز» تأمر فتطاع. وفي الثامنة عشرة تزوجت من أحد المماليك الأثرياء وهو «سليم أغا نعمة الله»، لكن لم تستمر هذه الزيجة طويلا، حيث وقع الطلاق بعدها بعام واحد.

وربما – لسوء حظها- كانت زبيدة من أكثر المصريين الذين ربط القدر بينهم وبين الحملة الفرنسية، وقد بدأت الحكاية بعد خروج نابليون بونابرت من مصر، وتركه أمور الحملة الفرنسية لقواده بزعامة كليبر الذي كان يرى ضرورة مغادرة الفرنسيين بعد فشل حملتهم، بينما كان «مينو» من أشد معارضيه، حيث كان يرى ضرورة أن تبقى حملتهم في مصر، وأن يحدث نوع من التقارب بين المصريين والفرنسيس، وكان يرى أن المصريين شعب عاطفي، وبالتالي يمكن له أن يصاهر منه، وسعى مينو في ذلك سعيا حثيثا.

الجنرال الفرنسي «مينو»

في البداية قام «جاك مينو» وقبل أن يصبح القائد الثالث للحملة الفرنسية، بمحاولة مصاهرة إحدى عائلات رشيد، ووقع اختياره على عائلة الشيخ «علي الجارم» كبير وعميد عائلة الجارم العريقة فى الشرف والعلم، لكن الشيخ الجليل استطاع بحنكة أن يهرب من هذه المصاهرة، وأغلق الطريق أمام رغبة «مينو»، فقام بتتزويج ابنتيه إلى اثنين من تلاميذه ليتخلص من مصاهرة الجنرال. لكن «مينو» لم يتوقف، وبدأ البحث عن زوجة أخري جديدة، وهنا ظهرت الحسناء «زبيدة» ابنه محمد عبد الرحمن البواب الميزوني.

كانت زبيدة حينها، مُطلّقة من «سليم أغا نعمة الله»، وقد وافقت عائلة «البواب» وابنتهم على الزواج من الجنرال الفرنسي سريعًا، ودون اعتراض، فقط طلبوا منه إعلان إسلامه، وتم عقد الزواج  في وثيقة بمحكمة رشيد الشرعية فى 25 رمضان 1213هجرية الموافق 2 مارس 1799 ميلادية. وتضمنت الوثيقة أيضًا اعتناق الجنرال للإسلام، وتسمى فى الوثيقة باسم «عبدالله مينو». كما أثبتت وثيقة الزواج من زبيدة إنها أصغر منه بـ 30 عاما.

وحسبما جاء في الوثيقة الأصلية لهذا الزواج، والتي تعد كنزا تاريخيا وهي محفوظة في دار الوثائق القومية، فقد كان صداق زبيدة الذي قدمه لها «مينو» 100 محبوب كل واحد منها بمائة وثمانين نصفها فضة، كما تضمنت في أحد شروطها أن يدفع لها مينو 2000 ريال نظير فراقه لها في حالة الطلاق ،وإن مات وكانت لا تزال في عصمته تأخذ من ماله الألفي ريال. وتؤكد الوثيقة على صدق إسلام «مينو» ونطقه للشهادتين وتسميه «عبد الله»، وكان عقد القرآن بحضور أئمة مصر حيث حضر مولانا العلامة السيد أحمد الخضري المفتي الشافعي، ومولانا الشيخ محمد صديق المفتي الحنبلي، ومولانا السيد محمد المفتي المالكي».

قسيمة الزواج

يشير «كلوت بك» في كتابه عن الحملة الفرنسية إلى أن زبيدة كانت في نظر مينو جميلة الجميلات من أهل بر مصر، فعاملها معاملة الفرنسيات، وقد أفتتن «جاك مينو» بزبيدة وجمالها، وتوجد رسالة يصف فيها «زبيدة» لأحد أصدقائه من رجال الحملة الفرنسية فيقول فيها: «زوجتي طويلة القامة، مبسوطة الجسم، حسنة الصورة من جميع الوجوه، لها عينان رائعتان، ولون بشرتها هو اللون المصري المألوف، وشعرها طويل فاحم، وهي لطيفة الطبع، وجدتها تتقبل كثيرًا من العادات الفرنسية بنفور أقل مما توقعت، وأنا لم ألح عليها بعد في الخروج سافرة على الرجال، فهذا سيأتي شيئًا فشيئًا، ولن أنتفع بما أباحه النبي من الزواج بأربع نساء خلاف السراري، فإن في زوجة واحدة أكثر من الكفاية».

عاشت زبيدة مع مينو، في سعادة كبيرة على ما يبدو، فأنجبت منه ولدًا سمته «سليمان مراد جاك» في 27 نوفمبر عام 1800، لكن هذه السعادة لم تستمر طويلا، فبمجرد أن تسلم «مينو» قيادة الحملة، ظهرت بشائر فشلها الواضحة للعيان، فلم تجلس «زبيدة» بصفتها زوجة حاكم مصر على عرشها، وكان يجب عليهما الاستعداد للمغادرة.

الحرب ضد الحب

تم حصار الجنرال «مينو» فى الإسكندرية، وأجبر الأسطول الإنجليزى الفرنسيين على الرحيل بمساعدة من الدولة العثمانية. وتقول بعض الروايات إنه بعد انتهاء المفاوضات بين قائد الأسطول الإنجليزي وقائد الحملة الفرنسية بالإنابة «ديزيه»، رفضت «زبيدة» مغادرة مصر بغير زوجها، وهو ما جعلها تتخذ قرارا بالهروب بصحبة أخيها «علي» وطفلها «سليمان» من رشيد حتى الرحمانية، ومنها إلى القاهرة، حيث أقامت فى بيت الألفي بك فى الأزبكية، قبل أن تصعد إلى القلعة لتختبئ فيها.

وفي القاهرة استضافها الضابط الفرنسى «ألفران» أحد أعوان «مينو»، الذى أقنعها بالرحيل هى وطفلها إلى فرنسا مع القوات المنسحبة فى التاسع من أغسطس عام 1801م. وقد رحلت مع «مينو» إلى فرنسا، لكن معاناة «مينو» مع المرض كانت قد بدأت وهو في طريقه لفرنسا مع زوجته بحراً بصحبة كبير أطباء الحملة الفرنسية «دومينيك جان لاري»، وعقب تماثله للشفاء  ووصوله لباريس، بدأت ملامح انهيار وتداعي قصة الحب التي جمعت بين مينو وزبيدة،. حيث أصبح مينو حاكما لإقليم فلورنسا، فترك زبيدة مع ولدها الصغير فى مارسيليا.

سكنت زبيدة مدينة مارسيليا، بينما تولى «مينو» إدارة حكم ثلاث مدن خلال خمس سنوات، وهي بييمونتي، وتوسكانا، ومدينة البندقية. ورغم كل مناصبه لم ينس أصله ،فعاشر سيدات واتخذ عشيقات لنفسه أغلبهن من راقصات الحانات التي كان مينو مقيماً فيها ،تاركاً زوجته ونجله. ومع تراكم الديون عليه فضلاً عن سوء أخلاقه، تم طرده من أي خدمة عسكرية في باريس.

كانت زبيدة مقيمةً في منزلها وحدها بصحبة ولدها، ولم يرعهما سوى خادمها «سرور»، وكانت زيارات مينو لها قليلة، وقد أنجب منها ولدا آخر، ثم كانت وقعت الكارثة على زبيدة،، حيث ارتد مينو عن الإسلام، وقرر التوجه لزوجته ليأخذ الولد الثاني ويقوم بتعميده مسيحيًا. فرفضت زبيدة، ثم انطلت عليها حيلة من مينو وفق ما يذكره «رفاعة الطهطاوي» في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، حيث استدعى لها مينو أحد المستشرقين، وقال إن الإسلام لا يمنع تعميد الطفل، لأن الله يقضي بإيمان أهل الكتاب عملاً بقول الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ». وعلى إثر ذلك وافقت زبيدة وتم تعميد ولدها الذي تربى في أسرة فرنسيةٍ فيما بعد.

ويقول رفاعة الطهطاوي عن زبيدة في كتابه :”لا يُعْرَف أي شيء عن نهاية زبيدة على مستوى اليقين، سوى بعض تكهنات المؤرخين أن ولدها الأكبر توفى في ظروف غامضة، ولم تستطع الوصول إلى نجلها الثاني خاصة بعد وفاة مينو سنة 1810  في الستين من عمره، كما أن أهلها لم يتمكنوا من الوصول إليها، حيث عاشت في شوارع مارسيليا تتسكع  في طرقاتها مع شبهات  حول احترافها للبغاء من أجل العيش، لكن الثابت هو أنها ماتت مسيحية”.

 ويشير الطهطاوي أيضًا إلى أن “مينو” ترك زوجته بعد أن سلبها أموالها ومصاغها وحليها التي خرجت بها من مصر، بينما  عاش  هو حياة لهو مع العشيقات، وبسبب ذلك تراكمت عليه الديون بسبب الإسراف والتبذير حتى طرد من الجيش ومات”.

بين التاريخ والأدب

حاول الأدب أن يسد كثيرا من الثغرات التي تمتليء بها حكاية «زبيدة البواب»، بالخيال أحيانًا، وبالشك أحيانًا أخري، فالكاتب الكبير «علي الجارم» كتب قصتها في روايته الشهيرة «غادة رشيد»، وربما يكون هذا عيبًا حدث، فقد اعتمد التاريخ على رواية «الجارم»، وبالتالي صار الخيال هو الحقيقة في محاولة البحث عن سيرتها. ويبدو أن «علي الجارم» اعتمد على حكايات من كبار وعجائز أسرته، حيث يظهر أنها كانت احد أبرز رموز التمدن المصري بشكل غريب نظراً للزمن التي عاشت فيه.

ويذكر الجارم أن زبيدة كانت تحب ابن عمها «محمود» قبل زواجها من مينو، وأن خادمها «سرور» ساعدها في العودة لمصر، ولما رجعت وجدت حبيبها ميتاً وعلى قبره تجلس حبيبته الإنجليزية، وأنها ماتت مع حبيبة محمود حزناً عليه، وهو ما لم يحدث أصلاً.

لكن الثابت من التاريخ أن «زبيدة» عاشت أياما صعبة، غابت شمسها وانحسر ظلها‏ وطال ليلها على أرض الغربة بين اناس يرطنون بلسان أعجمي، بينما ظل بيت أبيها محمد البواب شامخا يروي قصة الحسناء التى تزوجت الجنرال الفرنسي.

نحن  إذن أمام كثير من الروايات عن نهاية زبيدة، وهو ما أكدته الكاتبة «جيهان ممدوح مأمون» في كتابها عن مدينة رشيد، حيث تذكر أن زبيدة رحلت مع مينو إلى فرنسا وتوفيت فيها، كما يذكر المؤرخون الفرنسيون.، وهذا ما يؤكده أيضًا الكاتب «محمد حافظ دياب» الذي أخبرنا  أن زبيدة سافرت مع زوجها إلى فرنسا على سفن الأسطول الإنجليزي، لكن الجبرتي، المؤرخ المصري الشهير يذكر أن زبيدة لم تغادر أرض مصر نهائيًا وبقيت فيها مع ابنها «سليمان» حتى توفيت.

 لا شىء مؤكد إذن في قصة زبيدة أو غادة رشيد، غير أن الثابت أن تلك الفاتنة التي تزوجت حاكم مصر الفرنسي ذات يوم  ولم تجلس على عرشها، ستظل حكاية ترددها الأجيال، وإن بروايات  متباينة.

المصادر-

  • كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوى.
  • رواية «غادة رشيد» للشاعر «علي الجارم»
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: