رؤى

إشكاليات البديل الصوفي ومخاطره المحتملة

ارتبط صعود النزعة الصوفية والتوجهات الروحانية تاريخيا، بأوقات الفتن والأزمات. هكذا كان ظهور أعلامها الأوائل وشيوخ الطريقة من غمرة الفتنة الأولى طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى. وهكذا تصاعد خطابها ودعوتها في العقدين الأخيرين بشكل واضح، كدعوة لطرح التصوف كنمط للتدين، كبديل عن اتجاهات التعصب والتطرف، والتطرف العنيف، الذي بلغ أوجه في الوجه الداعشي القبيح، الذي مثُل حسب الأمم المتحدة، أكبر تهديد إرهابي عبر العالم والتاريخ في العصر الحديث.

 تعدد أطروحات الإسلام الصوفي من قبل الخبراء والباحثين، غربا وشرقا، وسنكتفي بالإشارة هنا لبعض ما كتبه ثلاثة من الباحثين المتميزين، واحد من المغرب الشقيق وهو الباحث الجاد منتصر حمادة، واثنان من مصر هما محمود سلطان وطارق أبو السعد.

 

سؤال البديل الصوفي وضرورته

يحدد الأستاذ محمود سلطان، وهو القائل بشرعية الطرح والمؤيد له حسب مقال له بعنوان «هل الإسلام الصوفي هو الحل؟»، بتاريخ 7 ديسمبر 2019، يحدد سببين اثنين للدعوة للبديل الصوفي عن جماعات الصحوة والتطرف، والتطرف العنيف التي خنقت الروح حسب تعبيره.

 السبب الأول: هو الحاجة لأنسنة الإسلام السني، بعد أن توحش وجه واسع منه بفعل ضجيج وصراخ وممارسات بعض الجماعات المنسوبة إليه، فقد أساءت تيارات ما عرف بالصحوة، للجوهر الروحي للإسلام كما يذكر سلطان، حيث يقول: «إن اقتراح البديل الصوفي لم يكن بدافع الانحياز الأيديولوجي أو المذهبي، وإنما «رأي» من خارج تلك التحيزات، وإن كان آتيا من داخل الحاضنة السنية ذاتها.. رأي أو اقتراح مدفوع بالبحث عن «سلام» أو عن «أنسنة» الإسلام السني، بعد أن اجتهد «جيل الصحوة» في لي عنق جوهره الروحي واختصار الإٍسلام في التاريخ العسكري الإسلامي، وكأن الإسلام إمبراطورية توسعية دموية وليس رسالة سماوية روحية وتوحيدية سامية بالأساس، لضعاف الناس قبل أقويائهم»

ويمكننا أن نضيف هنا أزمة منهجية وأزمة فهم ونظر لدى مختلف مكونات الإسلام السياسي والعنيف، وهي اهماله أبوابا كثيرة من تراثنا الإسلامي، وفي مقدمتها الباب الروحي والإنساني وأدب «التزكية» بشكل كبير، حيث أهتم، لا بتنشيط الإيمان،ولكن بتثويره فقط، كما أهمل أبوابا ملتصقة بطرحها تماما مثل التفكير السياسي الإسلامي نفسه، وتراث الأحكام السلطانية والآداب الشرعية. فلا علاقة  مثلا بين ما كتبه الجويني والماوردي،بما كتبه حسن البنا وسيد قطب ومحمد المقدسي وغيرهم، في هذا الباب

 السبب الثاني: هو التجربة الوحشية لداعش، والتي يرفض محمود سلطان  النظرة  التآمرية والتي تقول  إن الغرب صنع داعش، فهي – كما يقول – صنيعة كثير من خطاباتنا وتكويننا التربوي والمنهجي وجماعات  وخطابات التدين المنقوص العصبوي والعصبي ، وأتفق سلطان في تأكيد هذه المسؤولية، حين يقول: «لم يخترع الغرب «المسيحي» داعش «المسلمة».. صنعها هذا التمركز والتمحور والمعايشة مع التاريخ العسكري الإسلامي «السني» على وجه التحديد.. والمشكلة أن «داعش» المجسدة في «خلافة» استولت على أراض شاسعة من العراق وسوريا.. هي فكرة مستوطنة في عقول حاضنة واسعة من الإسلاميين.. ما زالوا يعتقدون أن «دولة الخلافة» هي الحل، وهي الفكرة التي تظل مصدرًا لإحياء العنف والصدام مع العالم، بكل ما يخلفه من مآسٍ.. ما أنعش تيارًا يتحمس الآن للتقرب إلى «الإسلام الصوفي».

التدين الإنساني والخوف من الطرقية

أما الصديق الباحث المغربي منتصر حمادة فيشير في مقال له بعنوان «ما بعد التصوف الطرقي» بتاريخ 9 فبراير سنة 2019، منشور على موقع أدرار المغربي، إلى أن التصوف نفسه موجود واحتياج متجدد وفضاء واسع من الألوان والأطياف، يمتد من المولوية المسلمة إلى القبالة اليهودية. لأن النزعة الصوفية قديمة ونجدها عند بعض أتباع الأديان الإبراهيمية، إضافة إلى أتباع بعض العقائد الوضعية، ولو أن حديثنا يهم التصوف الإسلامي السني دون سواه». وهو في هذا يناقش ما طرحه الباحث الفرنسي إريك جوفروا متحفظا على طرحهم الذي يتجاهل الطرقية (أي الطرق الصوفية) وكذلك ما أصابها من «آفات مسكوت عنها، طالت العمل الصوفي في نسخته الطرقية أو الحركية، أي العمل الصوفي الذي يُجسد في طرق صوفية، كما هو الحال في العديد من الدول الإسلامية، مثل المغرب ومصر وتركيا والسودان وبلدان أخرى»، كما يتحفظ حمادة على مأسسة السلطة لها في مصر منذ قديم، كما هو في المجلس الأعلى للطرق الصوفية.

 وكذلك يطرح الأستاذ طارق ابو السعد السؤال في مقال له بعنوان «لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟.. ويجيب على هذا السؤال بأن السبب في ذلك، هو صعوبة عودة التاريخ للوراء. ويشير هنا للتجربة الشعبوية في التاريخ، وكيف تحولت مذهبية وجمودا، ثم يضيف: «أرى هذا الطرح ممتلئ بالعاطفة، وينقصه الكثير، وسبب تفكّكه، عدم تفهّم العوامل التي ساعدت على نشوء الإسلاموية، مع فقر معرفي بصور التدين الشعبي وأطواره، إضافة إلى عدم إدراك اللحظات التاريخية، للانتقال من صورة تدين شعبي إلى أخرى، أو كيف يُشبع المجتمع رغبته في الانتماء الديني».

ويؤكد أبو السعد على أهمية إدراك اطوار وعيوب التجربة الصوفية أيضا، من الاتكالية والسلبية والجمود وغيرها، ويشير إلى فشل الصوفية في مواجهة الجماعات الإسلامية، وكيف سحبت منها الأخيرة البساط، فكيف يمكن تُطرح بديلا من جديد؟

ورغم ذلك فإن هذا طرح الصوفية كبديل لايزال ممكنا، فقد ظلت حركات ودعوات صوفية تعمل دائما، ولكن السكونية هي السمت الغالب عليها، وفي كثير من المناطق ظلت الحركات الصوفية غالبة ونجحت طرق كالعشيرة المحمدية في القاهرة والعزامية في الوجه البحري والخلواتية في الصعيد، والبودشيشية في المغرب.ولا تزال الساحة المغربية ساحة صوفية كما ذكر منتصر حمادة في مقاله المشار له سابقا، وكذلك الختمية والتيجانية في السودان، وحركة الخدمة لـ«فتح الله كولن» في تركيا، وجنوب آسيا.. كل هذه الحركات نجحت في البقاء كمنافس اجتماعي وسياسي قوي لحركات الإسلام السياسي المتطرفة والعنيفة.

لكن يبقى ثمة مشروعية لما ذُكر عن أن الجماعات المتشددة، قد جاءت كردّ فعل لمخلفات الطرق الصوفية والمذهبية. فالعقل الخرافي والأساطير، قابله  فكر متشدّد، عقائدياً وسلوكياً ومظهرياً، سواء في عصر ابن تيمية، منشئ الإسلاموية، أو في زمن محمد بن عبد الوهاب؛ مجدد الإسلاموية في العصر الحديث، فكلاهما كانا ردّ فعل على تدهور الطرق الصوفية وفشلها في مجتمعيهما.

إنّ بؤس المذهبية واستبداد الطرائقية، كانا سبباً في نشوء الجماعات السلفية التي استعادت دورها في المجتمع وتلقّاها الكثير من المسلمين كمظهر من مظاهر التدين الشعبي.

 لكن تحفظنا هنا على هذه النقطة المهمة بشأن انتصار الجماعات الإسلامية في فترة ما على التصوف وطرقه، بل وعلى المساجد والمؤسسات الرسمية، هو أن تلك ليست قاعدة دائمة لانتصار فريق ما، فقد انتصر اتجاه ما عرف بالدعاة الجدد في فترة على الجميع ثم اختفى أيضا. كما أن اتجاهات أنماط التدين، تختلف حضورا وتأثيرا -كما اسلفنا- حسب السياقات والبيئات والاستعدادات الفردية. كما أن وضع الجماعات الإسلامية – الآن- المتطرفة والعنيفة ليست كحالها في السابق، فقد كانت في السابق وعدا وتبشيرا ورسالية وتنظيمات وقوى لم يكن ينتبه لها أحد، بل كانت تدعمها بعض الحكومات. أما اليوم فإن هذه الجماعات فقدت جاذبيتها الأولى، وهو ما يعزز ويجدد شرعية الطرح الخاص بالصوفية كبديل إسلامي، وإمكانية التقدم الصوفي أو البديل الصوفي الإنساني.

إنّ الدعوة للطرق الصوفية كبديل إسلامي ،هوارتداد تاريخي واجتماعي لصورة قديمة للتدين الشعبي، جرّبه المسلمون، ثم انفضوا عنه، والتاريخ لا يعود للوارء، وأحسب أنّ المطلوب هو تجهيز المجتمع لتقبّل صورة جديدة من صور التدين الشعبي، التي بدأت إرهاصاتها، وإن لم تكتمل ملامحها بعد. فالطور القادم، هو التدين الإنساني، الذي يجب أن نمهّد له الطريق، عبر إعلاء العلاقة الفردية بين العبد وربه، دون وساطة من أحد، سواء كان عالم المذهب، أو شيخ الطريقة، أو أمير الجماعة والتنظيم،  وذلك عبر التخلي عن الطقوسية، مع تدعيم قيم التسامح والتعايش والتقبل.

 لا أزعم أنّ بنيىة هذا التدين  الإنساني مكتملة، أو أنّ خطابه واضح وصريح، لكنّني متأكد من أنّ طور الطرق الصوفية لم يعد ممكناً، ولا مقبولاً، ولا قادراً على تدعيم العقل العلمي الإنساني، وأحسب أنّ على الباحثين والمفكّرين بذل مجهود ضخم لميلاد هذا الشكل من أشكال التدين الشعبي.

البديل الصوفي وملاحظات منسية

بعد عرضنا الذي أرجو أن يكون وافيا لأطروحات الباحثين الثلاثة، نرى أنه يمكننا طرح النقاط التالية في التعاطي مع مسألة الصوفية كبديل وكفرصة ونمط تدين يمكن أن يكون إنسانيا وبديلا للتطرف المرير وتجاربه، نوجزها فيما يلي:

– أن المقصود في مقولة البديل ليس الطرقية (أي الطرق الصوفية) بالتأكيد فهي كانت وستظل موجودة بأفاتها السلوكية التي أشار لها منتصر حمادة وطارق أبو السعد، لكن المقصود هنا هو التصوف كفضاء إنساني وروحاني حر يتحرر فيه الفرد بإيمانه من سلطة الشيخ والمريد، ومن سلطة الزمن والسمع والطاعة، وإن استرشد به حسب تعبيرات أبي الحارث المحاسبي.

-الطرق الصوفية يمكن أن تكون حركات سياسية، وقج نجح بعضها في إقامة دول قمعية وظلامية عبر التاريخ- وهنا ألتقي مع الزملاء- ونذكر من أشهرها الدولة الصفوية التي بدأت كطريقة صوفية لصفي الدين الاردبيلي، ثم تحولت للتشيع، وتحولت مهدوية عنيفة، كما كانت الحركة الصوفية منصة ومضمارا  لقيام دول كالمرابطين والموحدين في المغرب، والمهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا والإدريسية في الجزيرة العربية  قبل أن تضمها المملكة العربية السعودية في عهد الملك المؤسس عبد العزيز. كما أن سلطنة مثل «بروناي» لم تكن إلا بفضل شيخ صوفي مؤسس لملكيتها ويتناسل أحفاده حكمها حتى الآن.

-المهدوية، وليس فقط الطرقية، خطر كامن في التصوف الطرقي والفردي الزعاماتي المهيمن على وجدانات الأتباع، وكثير من أدعياء وأصحاب هذه التوجهات توجهوا هذه التوجهات، نجحوا أو فشلوا ولكن حدث هذا.

– كثير من الطرق الصوفية تنحو منحى شعبويا وخرافيا ولا تنضبط، وخاصة في المناطق النائية، وتنحرف بلا منهج ولا انضباط، نحو الخرافة، وأحيانا لتقديس السلولية والنسب، وثالثا للتكسب وما شابه، وهو ما أشار إليه منتصر حمادة.

ختاما، نرى أن الحل هو البحث عن التدين الإنساني أو أنسنة الإسلام من جديد وأنسنة التدين وأنماطه، وهذا لن يكونب طرح أو مدخل أحادي، بل بمدخل متعدد ومتكامل، تشترك فيه كل مجالات وأبواب التراث الديني و الأخلاقي والفكري، وآداب السلوك والتزكية والوعي التاريخي.. أي من خلال مشروع متكامل وليس حلا أحاديا ساكنا متمركزا حول شخص أو فكرة وحيدة.. مشروع يحسن الفهم، يمكّن للتسامح ،ويستلهم التاريخ في اتساعه وصحته، ويؤكد على المعنى الحضاري والإنساني للدين- أي دين. أما الطُرقية فتظل خطرا ممكنا، يغري -كما ذكرنا- بالمهدوية، كما كان في الماضي، أو تخرج لنا زعيما يأسر العوام والأتباع ليغير السلطة لا الناس.هكذا خرج حسن البنا نفسه من الطريقة الحصافية، التي ظل ملتزما بكثير من أذكارها وآدابها وتنظيمها الأول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق