فن

بالأغنية والسينما أيضا.. فلسطين تحيا وتقاوم

«يا فلسطينيه
والبندقاني رماكو
بالصهيونيه
تقتل حمامكو في حداكو
يا فلسطينيه وانا بدي اسافر حداكو
ناري في ايديه
وايديه تنزل معاكو
على راس الحيه
وتموت شريعه هولاكو
يا فلسطينيه
والغربه طالت كفايه
والصحرا اّنت م اللاجئين والضحايا
والارض حنّت للفلاحين والسقايه
والثوره غايه
والنصر اول خطاكو »…

تلك بعض كلمات واحدة من أشهر الأغنيات التى ألهبت حماس المقاومة فى فلسطين المحتلة، والتي كتبها أحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام عيسى، وبقيت محفورة فى ذاكرة الشعب العربى، كصرخة مدوية فى وجه الإحتلال الصهيونى.

 طوال مسيرة المقاومة الفلسطينية وصمودها على مدى أكثر من قرن من الزمان، ومنذ إعلان وعد بلفور عام1917، كان الفن دائما أحد أهم الأدوات والأسلحة المهمة فى كل محطات ومسيرة الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال والتهويد وتجريف الحقوق المشروعة لشعب فلسطين.

 وكانت الأغنية حاضرة منذ اللحظة الأولى لانطلاق النضال الفلسطيني، إن اتخذت صورا وأشكالا مختلفة، وشهدت تطورا كبيرا عبر العقود الماضية. فمن الأناشيد الشعبية، التى تسجل بطولات الشعب المقاتل وجرائم الاحتلال، إلى الأغنيات التى تُحفز الهمم وتحشد وتُحرض على إستمرار المقاومة وتحرير الأرض. وفي كل ذلك كانت أغنية المقاومة الفلسطينية، أغنية من الرصاص و الدم لا تتوقف.. تنزف أحيانا وتنتصر أحيانا، لكنها لا تستسلم أبدا.

وكما يقول النقاد بأن الأبداع هو نبت المعاناة والألم، فقد قدمت التجرية الفلسطينية بكل معاناتها وجراحها ألوانا شديدة الروعة من الفنون، بل إنها ألهمت صناع الفن ومبدعيه فى كل الوطن العربى، والذين شاركوا فى دعم المقاومة بالفن.

والمُميز فى مسيرة الفن المُقاوم الذى ارتبط بالقضية الفلسطينية ونضالات الشعب الفلسطيني، هو أن عددا ليس قليل من رموزه ليسوا فلسطينين، ولعل أبرزهم فيروز وماجدة الرومى ومارسيل خليفة، وجوليا بطرس والشيخ إمام، وغيرهم الكثير

بدايات أغنية المقاومة

فى عام 1929، حيث اندلعت اشتباكات بين الصهاينة والفلسطينين على خلفية الاعتداءات على حائط البراق (الذي يسميه اليهود حائط المبكى) قامت قوات الإحتلال البريطاني آنذاك، بإعدام ثلاثة فلسطينيين في يونيو 1930، في سجن عكا و هم «محمد خليل جمجوم، فؤاد حجازي»، فخرجت أغنية تنعي هولاء الشهداء الثلاثة، وتخلد بطولتهم، وكانت هذه الأغنية هي بداية ما بات يعرف حتى الآن بأغنيات المقاومة. تقول كلماتها:

«مِن سجن عكا وطلعت جَنازه، محمد جمجوم وفؤاد حجازي

وجَازي عليهم يا شعبي جَازي، المندوب السامي وربعو عموما

محمد جمجوم ومع عطا الزيرِ، فؤاد حجازي عز الذخيرهِ

انظر المقدَّر والتقادير، بأحكام الظالم تا يعدمونا

ويقول محمد أنا أولكم، خوفي يا عطا أشرب حَسرِتك

ويقول حجازي أنا أولكم، ما نهاب الردا ولا المنونا»

 وتعتبر فرقة «العاشقين» من أوائل الفرق الموسيقية الفلسطينية التى عُرف عنها الغناء للثورة والمقاومة. وكانت الأناشيد الثورية أحد أدوات المقاومة خلال عمر القضيه الفلسطنية، وكانت الموسيقى تمثل صوت البنادق ودموع الشهداء. وقد عبرت كلمات الاغنيات عن حلم الثورة فى الخلاص من المحتل.

في مطلع السبعينيات توحدت الفصائل الفلسطينية تحت قيادة الزعيم الراحل ياسر عرفات، ومُنع الغناء بإسم فصيل بعينه بما فيها منظمة «فتح»، وكتب شاعر الثورة صلاح الدين الحسيني نشيدا وغناه الملحن مهدي سردانة«طل سلاحي».

وقد حقق هذا النشيد انتشارًا واسعًا، كان يُعبر عن وحدة سلاح الثورة والمقاومة وكان يقول:

«طل سلاحي من جراحي

يا ثورتنا طل سلاحي

ولا يمكن قوة في الدنيا

تنزع من إيدي سلاحي

طل سلاحي».

كما قدم الفن الفلسطينى عشرات الأناشيد الثورية التى حفظها ورددها الشعب بمختلف فئاته وأعماره وإنتمائاته السياسية. ولم يتوقف الفن المقاوم عند تلك النوعية من الأناشيد، بل التحق بالمقاومة رموز فنية. ويعتبر مارسيل خليفة أحد أهم رموز أغنية المقاومة، وقد جمعته والشاعر الكبير محمود درويش، أعمال مشتركة، كانت تتحول لصرخة فى وجه الاحتلال. كما مثلّت أغنيته الشهيرة «مُنتصب القامة»، والتى كتبها الشاعر الكبير سميح القاسم، إحدى روائع المقاومة الفنية وصارت نشيدا للثوار..

«منتصب القامة أمشى

مرفوع الهامة أمشى

فى قلبى قصفة زيتون وعلى كتفى نعشى»

كما قدم الفنان اللبنانى «أحمد قعبور» أغنية رائعة من كلمات الشاعر «توفيق زياد» وهي أغنية «أناديكم» التي تعتبر ملحمة غنائية نضالية، تناقلتها الحناجر وشدت من همم المقاتلين، سواء فى الأرض المحتلة، أو فى بيروت خلال الإحتياح الإسرائيلى لها. كما امتد تأثيرها  ليشمل كل البلدان العربية.

«أناديكم … أناديكم

أشد على أيامك

وأبوس الأرض تحت نعالكم

أقول أفديكم»

وكانت الفنانة البنانية «جوليا بطرس» واحدة من أصوات المقاومة، حيث قدمت عشرات الأعمال، لعل من أبرزها أغنية «غابت شمس الحق» عام 1984 والتى صنعت شهرتها خاصة كمغنية ملتزمة. ثم قدمت بعدها عددا كبيرا من أغنيات المقاومة.

وتبقى أغنيات السيدة فيروز عن فلسطين فى مكانة إستثنائية لدى الجمهور العربي، حيث قدمت عشرات الأعمال التى حفرت مكانها فى وجداننا، ومن أبرزها «زهرة المدائن» و«القدس العتيقة» و«يافا» و«سلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة» و«أنا لا أنساك فلسطين» و«جسر العودة». كما قدمت الفنانة اللبنانية «ماجدة الرومى» عددا كبيرا من أغنيات المقاومة المتميزة..

ولم يتوقف الأمر عند الفنانين الفلسطينين واللبنانيين، بل إمتدت روح المقاومة إلى عدد كبير من الفنانيين العرب، خاصة مصر، حيث قدم معظم المطربين المصريين أعمالا تتغنى بالمقاومة والجرح الفلسطينى.

 سينما المقاومة.. توثيق المعاناة والتمسك بالحلم

وعلى الصعيد السينمائي، كانت لسينما فلسطين دور مهم تسجيل وتوثيق معاناة الشعب الفلسطيني، ومرارة الإحتلال، والتمسك بالأمل والقدرة على المقاومة والصمود في مواجهة المحتل الصهيونى. وقد إستطاعت السينما أن تتجاوز حدود جغرافيا الوطن العربى، وأن تخلق تأثيرا وتعاطفا واسعا مع القضية الفلسطينية العادلة

كانت بداية السينما الفلسطينية على يد السينمائي الفلسطيني الأول «إبراهيم حسن سرحان» عام 1935؛ وذلك عندما قام بتصوّير فيلم تسجيلي قصير مدته 20 دقيقة، عن زيارة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود لفلسطين، وتنقله فيما بين عدة مدن فلسطينية منها القدس ويافا، برفقة أمين الحسيني، مُفتي الديار الفلسطينيّة

ثم جاءت سينما الثورة الفلسطينية مرافقة لانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلّحة المعاصرة، التي أعلنت عن نفسها 1965. وكانت الفنانة «سُلافة مرسال» التي تخرّجت من المعهد العالي للسينما في القاهرة – قسم التصوير، تقوم بذلك، في منزلها، على نحو سرّي وفردي. وفى عام 1968 كان أول فيلم سينمائي تنتجه الثورة الفلسطينية، بعنوان «لا للحل السلمي»، وهو فيلم تسجيلي مدته (20 دقيقة) جاء نتيجة عمل جماعي لمجموعة من السينمائيين الفلسطينيين، نذكر منهم: صلاح أبو هنّود، هاني جوهرية، وسُلافة مرسال.

 بعدها تم إنشاء «وحدة أفلام فلسطين» التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني وهى البداية الحقيقية للإنتاج السينمائي الفلسطيني، والتى قدمت مئات الأفلام خلال العقود الماضية. وقد تميزت سينما البدايات، خاصة التى كانت تقدمها الفصائل الفلسطينينة، بالتركيز على الجانب الوثائقى والتسجيلى بقدر كبير، بينما شهدت مرحلة الثمانينيات وما بعدها ولادة حقيقية لسينما روائية ترصد المعاناة التى يعيشها شعب محتل وتتمسك بالأمل فى الحرية والخلاص.

ومن أبرز الأعمال التى جسدت المقاومة وصنعت تأثيرا عالميا واسعا، ما قدمه المخرج الفلسطينى الشهير «رشيد مشهراوى» من أعمال، من أهمها «حتى اشعار آخر» 1994، وفيلم «تذكرة إلى القدس» عام 2002، ثم فيلم «إنتظار» عام 2005، وجميعها أعمال تستلهم النضال الفلسطينى.

فى عام 2002 يقدم المخرج محمد بكري فيلم «جنين. جنين»، وهو فيلم وثائقي يقع في 54 دقيقة، ويوثّق أحداث معركة مخيّم جنين التي وقعت في نفس العام خلال اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربية فيما سمّي آنذاك بعملية «السور الواقي». وبالإضافة لتصويره حقيقة الأحداث التي جرت أثناء المعارك بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال، يوثّق الفيلم كم الخراب والدمار الذي لحق بالمخيّم، وأيضًا، يوثّق شهادات مباشرة لضحايا هذه المعركة من سكان المخيم.

ويعد المخرج «إيليا سليمان»، أحد أبرز مخرجي السينما الفلسطينية، الذي وثقت أعماله الكثير من معاناة والام الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. كان أول أفلامه في عام  1996، وهو فيلم «سجل احتفاء» والذى حاز على جائزة «لويجي دي لاورينتيس» في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في نسختها الأولى والتي تمنح لأفضل عمل أول. ثم جاء فيلم «الزمن الباقى» عام 2009، والذي يعدُّ أكثر أفلامه ذاتيّة وسوداوية مضحكة.الفيلم من إنتاج  فرنسي، إيطالي، بلجيكي وبريطاني مشترك، ويقع في 109 دقائق، وقد عرض الفيلم ضمن فعاليات المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي عام 2009، ومهرجان تورنتو السينمائي الدولي  في نفس العام.

وفيلم «الزمن الباقي» هو من أفلام السيرة الذاتية، وهو يروي سيرة إيليا سليمان وعائلته في الأراضي المحتلة لعام 48، ابتداءً بوالده ووالدته وانتهاءً بعودته من الخارج. ويجري هذا السرد الذاتي السينمائي في ظلّ حالة استعمارية لاتزال مستمرة، أثّرت بشكل مباشر على حياة العائلة الفلسطينية ولا تزال حتّى اليوم.

وفى نفس العام أي عام 2009، قدمت المخرجة الفلسطينية «شيرين دعبس» المقيمة في الولايات المتحدة فيلمها «عمر» والذي يروى قصة امرأة فلسطينية مطلقة من رام الله، ولديها ولد مراهق، يستطيعان في لحظة ما السفر والعيش في الولايات المتحدة. الفيلم عبارة عن دراما اجتماعية، وهو من إنتاج مستقل أمريكي كويتي، وقد حصل على جائزة النقاد فى مهرجان كان السينمائي 2009.

وسيبقى الفن والابداع عموما – كما كان دائما -، رواية وغناء وسينما، سلاحا مهما في يد المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، يدعم صموده، ويخلد بطولاته وتضحياته، وينعش ذاكرته بصمود الأجيال السابقة من هذا الشعب في المحتل الغاصب، ويبقى حلما العودة إلى فلسطين حيا ويقظا في قلوب وعقول الفلسطينيين في داخل أرضهم وفي الشتات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق