رؤى

قراءة في بيان مؤتمر الأزهر للتجديد

حسنا فعل الأزهر بعقده مؤتمرا عالميا «للتجديد في الفكر الاسلامي»، مما يضاف إلى جهود فضيلة الإمام شيخ الأزهر أحمد الطيب في بناء جسور للحوار حول قضايا جوهرية تمس وجود المسلم بل والإسلام نفسه.

وقد جاء المؤتمر مثيرا خاصة عبر النقاش الذي دار بين رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت وبين فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب حول معنى التجديد ومناطه وقيمة التراث والمطلق والنسبي فيه. وللأسف خرج الحديث عن جوهر مسألة التجديد إلى أبعاد سياسية أخرى لها أهميتها، لكن هذا النقاش – رغم تجاوزه قضية التجديد – القى حجرًا في المياه الراكدة، وهو ماسيكون له أثره على المدى البعيد، وهذا مما يحسب للأزهر وشيخه أيضا، وأنا هنا لن أتناول فحوى هذا النقاش بل سأقصر مقالي لضيق المقام على تحليل بعض البنود التي وردت في البيان الختامي للمؤتمر، لبيان درجة التجديد فيها.

الاجتهاد بين النصوص الظنية والقطعية

جاء في البند الثاني من البيان أن «النصوصُ القطعيةُ في ثبوتها ودلالتها لا تجديدَ فيها بحالٍ من الأحوال، أمَّا النصوص الظنيَّةُ الدِّلالة فهي محل الاجتهاد، تتغير الفتوى فيها بتغير الزمان والمكان وأعراف الناس، شريطةَ أن يجيءَ التجديدُ فيها على ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها العامة، ومصالح الناس». هذا المبدأ الذي أكد عليه البيان يقصر التجديد على النصوص ظنية الدلالة التي لم يتفق عامة المفسرين على معنى واحد لها، وهذا أمر جيد بلا ريب، خاصة أنه يربط الاجتهاد بما يحقق مصالح الناس، ولكن رغم ذلك لا يخلو هذا القصر من تقييد للعقل الإسلامي من التفكير في مقاصد ومآلات النصوص قطعية الدلالة، فهي وإن كانت دلالاتها اللغوية قطعية، فقد تختلف رؤية الإنسان لمقصدها باختلاف الزمان والمكان، ولعل أوضح مثالين على ذلك هما رفض الخليفة عمر لدفع سهم المؤلفة قلوبهم، مع أن الآية في ذلك قطعية الدلالة، إلا أن عمر نظر لمقصدها وتحقق مغزاها، والمثال الثاني هو الوصية الواجبة في الميراث لابن الولد المتوفى في حياة أبيه، والتي أخذ بها القانون المصري، ولا أعلم رفضا لها من الأزهر وعلمائه، مع أن آيات الميراث قطعية الدلالة في توزيع الفروض، وسأتعرض لنفس النقطة في البند الختامي.

كما نص البند السادس على «إسناد الحكم إلى البشر، والاعتداد بما يصدر عن أهل الحل والعقد من الأحكام الاجتهادية التي مردُّها إلى الله، ونتذكر هنا قول ابن حزم «إن مِن حُكمِ الله أن جعل الحكم لغير الله»، وذلك في مثل قوله تعالى ((فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا)) وعلى هذا يجب تصحيح ثقافة الناس حول مفهوم الحاكمية…، وبيان أن الحكم البشري المنضبط بقواعد الشرع لا يتعارضُ مع حاكمية الله، بل هو منها». ويحسب للأزهر هنا أنه نقل عملية الحكم من الإلهي إلى البشري، ووضع حدا لإشكالية الحاكمية، التي أدت لايجاد تيارات متطرفة شوهت صورة الإسلام في الداخل والخارج، كما أنها أوجدت كثيرا بلبلة في صياغة الدستور خاصة مادتي السيادة وسلطة التشريع، ولكن رغم ذلك يبقى أن البند استدعى مصطلح «أهل الحل والعقد» من الفكر السياسي في التراث الإسلامي دون توضيح لماهيته، مما يبقى إشكالية تحديد من لهم التشريع قائمة.

الدولة في الإسلام

 أما البند الثاني عشر من البيان فقد نص على أن «الدولة في الإسلام هي: الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة…. وكما يرفض علماء الإسلام مفهومَ الدولة الدينية فإنهم يرفضون -بالقَدْرِ نَفْسِه- الدولة التي يقوم نظامها على جحد الأديان وعزلها عن توجيهات الناس». ولأن قضية الدولة قضية مركزية في الفكر الإسلامي السياسي فسأتعرض لها بشيء من التفضيل: يوحي استخدام عبارة «الدولة في الإسلام» في البيان بأن تاريخ الإسلام عرف كلمة الدولة بالمعنى السياسي الحالي، مع أن الفقه الإسلامي السياسي لم يعرف مصطلح الدولة بمعنى «شعب متعدد الديانات والأعراق، يعيش في أرض ذات حدود»، فمصطلح الدولة كان يستخدم دلالة على الأسرة الحاكمة مثل الدولة الأموية والدولة العباسية، والكلمة مشتقة من الدوران والتعاقب أي التداول، بمعنى أن الأسر الحاكمة تتداول الحكم فيما بينها، ويؤيد ذلك المعنى قوله تعالى: «وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ» (آل عمران، آية 140)، وكذلك قوله سبحانه بشأن عدم تداول المال بين الأغنياء فقط: «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ» (الحشر، آية 7).

في هذا السياق يرى المفكر السوري عزيز العظمة في كتابه «أسلمة الإسلام» الصادر بالألمانية أن كلمة «دولة» في التجربة الإسلامية كانت تعني نوعا خاصا من الترابط الوراثي، أي ملكية السلطة والقوة داخل أسرة واحدة(ص 63)، أي أن لفظ الدولة يعني الأسرة الحاكمة نفسها أو فترة حكمها، وعلى هذا النحو تفهم عبارة «حكم الإسلام» أو«الحكم الإسلامي»، فلم يكن الإسلام هو من يحكم، بل حكام مسلمون، فالإسلام هنا وصف لديانة الحكام، وليس لسلوكهم ولا لنظرية حكم معينة.

 في ذات السياق يرى الكاتب المغربي عبد المجيد الصغير في كتابه «المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية» أن وصف كثير من الحكام أنفسهم بألقاب ربطوها بالدولة مثل معز الدولة، عضد الدولة، ركن الدولة، سيف الدولة الخ، يشير إلى ربط لفظ الدولة بالقوة وبالشوكة أكثر من ارتباطه بالأمة أو الجماعة أو وحدة النظام والإدارة.(ص 117).

كما أن الفقه الإسلامي يقوم على فكرة وحدة «الدولة» التي تحكم العالم الإسلامي كله أي الخلافة، ومن ثم تجاهل الفقه وضع أي قواعد تنظيمية لعلاقات الدول الإسلامية مع بعضها البعض، وقسّم الأرض إلى «دار إسلام» و«دار حرب»، انطلاقا من «أمة» رابطها الوحيد هو العقيدة الإسلامية دون وطن جغرافي محدد. كما أشار المفكر والفقيه القانوني والدستوري عبد الرزاق السنهوري في كتابه «فقه الخلافة» (ص 247)، إلى أن مفكري الاسلام لم يتناولوا الدولة كإشكالية نظرية، ولم يبحثوا عن ماهيتها السياسية في الاجتماع الوطني، وانشغلوا فقط بالحديث عن علاقتها بالدين وبالأمة.

وبالعودة للبند نفسه نجده يستخدم مصطلحات حداثية مثل الدستور والديمقراطية، والتي يسرى عليها ما قيل في الدولة عاليه، لكن يمكن تجاوز ذلك على اعتبار أن المقصود هو قبول الإسلام لهذا الشكل من الحكم. بيد أن وصف الدولة على هذا النحو يطرح تساؤلا عن توصيفها في نظرية الدولة، فما هي الدولة التي تقوم على دستور يساوي بين كل مواطنيها المتمتعين بالمواطنة الكاملة كما جاء في البند 15، بغض النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم، والتي لا تنكر الأديان أو تحاربها، بل تتيح لها فرصة توجيه أتباعها حسب قناعاهم الدينية؟ أليست هي الدولة العلمانية؟! فهل أراد الأزهر بذلك أسلمة مفهوم الدولة العلمانية هذا؟ هذا ربما  يحتاج لتوضيح دقيق من الأزهر.

وفي سياق مسألة الحكم أيضاً نص البند الثالث عشر من البيان على أن: «الخلافة نظام حكم ارتضاه صحابة رسول الله وناسب زمانهم،… ولا يوجد في نصوص الكتاب والسنة ما يلزم بنظام حكم معين، بل كل نظام من أنظمة الحكم المعاصرة تقبله الشريعة مادام يوفَّر العدلَ والمساواة والحرية». وهنا أكتفي بالإشارة إلى أن هذا البند الذي يراه الأزهر الآن من صلب الإسلام، هو ذاته ما قال به الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (ت 1966) في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» عام 1925 ،ورفضه الأزهر آنذاك رفضا باتا، وصدر حكم بعزل الشيخ من منصب القضاء، وإخراجه من زمرة العلماء، أي أن الأزهر احتاج إلى قرابة القرن من الزمان حتى يقر بفكرة تجديدية اجتهد فيها أحد أبنائه، وأنا هنا إذ أحيي الأزهر على هذا الإقرار أدعو إلى إعادة الاعتبار لعلي عبد الرزاق وتاريخه.

صفات ومسؤوليات الحاكم

أما ما ورد في البند الرابع عشر وصفا للحاكم بأن «من واجباته العمل على مصلحة رعيته» فمن شأنه التعارض مع مبادئ مثل الديمقراطية والمواطنة والدستور، لأن مصطلح «رعية» – رغم روعته تاريخيا لأنه يعبرعن علاقة أبوية أسرية بين الحاكم والمحكومين، كما أن له دلالات قبل إسلامية في الإسقاط على المسيح ووصفه بالراعي الصالح ، إلا أن دلالاته فقدت كثيرا من إيجابياتها عبر الزمن، خاصة أنه بات يوحي بقصر الحكم على فئة معينة، وبقية المحكومين رعية لها حق حسن الرعاية نعم، ولكن ليس  حق لها المشاركة في الحكم، ومن ثم فهو يتعارض مع مفهوم المواطنة التي تقوم على المساواة بين الحاكم والمحكوم، وأن الحاكم موكل من طرف المحكومين بإدارة ممتلكاتهم، وأن كل محكوم يمكنه أن يكون حاكما، ولذا كان ذكر الرعية في البيان  مناقضا  لمغزاه كله.

أختم  بالبند الختامي الرائع الذي يقول: ” يجب تعويض المشترك في تنمية الثروة العائلية، كالزوجة التي تخلط مالها بمال الزوج، والأبناء الذين يعملون مع الأب في تجارة ونحوها، فيُؤخذ من التركة قبل قسمتها ما يعادل حقهم؛ إن عُلِم مقداره، أو يتصالح عليه -بحسب ما يراه أهل الخبرة والحكمة-إن لم يُعلم مقداره.” وأتساءل ألا يعد ذلك البند – الذي يراعي حكمة الشريعة في تحقيق العدل – تجديدا في ثوابت الميراث وفروضه الواردة في نصوص قطعية الثبوت والدلالة؟ إن كان ذلك  كذلك ، فهو ربما يستوجب  مراجعة قضية علاقة التجديد بالنصوص قطعية الدلالة.

 وفي الختام ورغم أي تحفظات  ورغم  كل ما قيل ،فلا يفوتني الثناء على الأزهر وشيخه  على هذا البيان الهام، الذي اشتمل على إقرارات واضحة في صالح العقل البشري.

 

 

الوسوم

عاصم حفني

أستاذ الدراسات الإسلامية والحضارية بجامعتى الأزهر وماربورج (ألمانيا)

مقالات ذات صلة

إغلاق