مختارات

لماذا فشل الإخوان في الحكم؟

يسأل الناس عن أسرار فشل جماعة الإخوان فى حكم مصر، والحقيقة أن ذلك تم عبر سلسلة من الأخطاء الإستراتيجية الفادحة، فقد وقعت جماعة الإخوان المسلمين فى جملة من الأخطاء الإستراتيجية أدت إلى ما آلت إليه حالتها اليوم من التمزق والتفرق والتشتت والسجون ومجموعة متلاحقة من الهزائم، فسنن الله لا تحابى أحدا ولا تجامله، فمن أخذ بأسباب النصر انتصر حتى لو لم يكن مسلما ومن أخذ بأسباب الهزيمة انهزم حتى ولو كان مسلما أو مؤمنا.

ويمكن تلخيص هذه الأخطاء الإستراتيجية فى النقاط الآتية:

أولا: نسيان الجماعة للقاعدة الذهبية الإستراتيجية التى تقول «لا تستطيع أى جماعة مهما كانت قوتها أن تبتلع دولة، ولكن يمكن للدولة أن تبتلع أى جماعة وتهضمها «وعندما تحاول أى جماعة ابتلاع أى دولة ففى العادة يحدث لها انسداد معوى، وهذا ما حدث للإخوان حينما حاولوا ابتلاع الدولة المصرية بعد ثورة 1952 وبعد ثورة يناير 2011 فلم تستطع هضم هذه الوجبة الدسمة وأصيبت بانسداد معوى واضطراب شديد فلم تحافظ على الجماعة ولم تستطع إدارة الدولة.

ثانيا: عدم قدرة جماعة الإخوان على الانتقال من مرحلة الجماعة وفقهها بعد نجاح ثورة يناير وبعد تسلمها للسلطة العليا فى مصر واستحواذها على معظم السلطات الأخرى التشريعية والتنفيذية، فللجماعات فقهها وللدول فقهها، وكلاهما يختلف عن الآخر جذريا.

وقد اعتاد رجالات الجماعة على فكر وفقه وطريقة إدارات الجماعات، وهى فى الأصل جماعات معارضة لم تجرب يوما فقه الدولة وطريقة إدارتها، وانتقال الإنسان من فقه الجماعة إلى فقه الدولة بعد أن قضى معظم عمره وهو بين أحضان الجماعات صعب وشاق وعسير.

ولذلك كان الانتقال صعبا، وقامت الجماعة بإدارة الدولة بفكر وفقه وطريقة الجماعة، فضاع الاثنان.

حاولت الجماعة أن تدير الدولة لا عن طريق مؤسساتها السيادية المعروفة ولكن عن طريق مكتب الارشاد فحدث الازدواج الذى تعانى منه إيران الآن بين سلطة المرشد والرئيس، والجيش والحرس الثورى، والمؤسسات الإيرانية الرسمية وبين الميليشيات المسلحة التابعة للإمبراطورية فى كل مكان، وخطاب الدولة الرصين وخطاب الميليشيات التابعة للإمبراطورية العشوائى الفوضوى.

ثالثا: عدم القدرة على الانتقال من ضيق التنظيم إلى سعة الدولة، ومن سعة الدولة إلى رحابة الإقليم ثم العالم ثم الرغبة فى إسعاد الإنسانية جمعاء، فقد أخطأت الجماعة بدورانها المستمر حول التنظيم والجماعة حتى بعد الوصول إلى حكم الدولة، وهذا أضاع الدولة والجماعة معا.

رابعا: صك شعار «الشرعية أو الدماء» وهو أخطر شعار أضر بالجماعة والوطن معا، فضاعت شرعية الإخوان فى الحكم وأريقت الدماء من أبناء الوطن جميعا، فالحكم والمناصب لا تستحق أن تبذل من أجلها الدماء التى هى أعظم ما فى الوجود.
وقد أدى عدم الاستنان بسنة الحسن بن على رائد الصلح والعفو الذى تنازل عن الخلافة حقنا للدماء وجمعا للشمل إلى كل الكوارث التى لحقت بالإخوان والوطن.

خامسا: قد تملك بعض التنظيمات والحركات الدينية أو الميليشيات القفز على السلطة فى غفلة من الزمان، ولكنها لا تملك خطة محكمة لإدارته وتسيير أمور الدولة واستقرارها وأمنها ونشر السكينة فى ربوعها، كما كانت تتحدث من قبل أو تشرح فى ندواتها ومحاضراتها، لأن الجماعات والتنظيمات تربت على المعارضة والنقد فقط ولم تدخل يوما دواليب الدول، ولم تساهم يوما فى إدارتها، وفى معظم أوقاتها تكون فى حالة عداء مع الحكام مما يورثها لا شعوريا عداء مع الدولة، فضلا عن حالة العداء شبه المستمرة بينها وبين المؤسسات السيادية نتيجة للصراعات الطويلة بينهما.

فإذا استلمت الحكم صارت فى محنة وأزمة وحيرة، إذ كيف تتجاوز هذه الصراعات السابقة مع مؤسسات الدولة السيادية، فيعرض كل منها عن الآخر، وتحاول هذه التنظيمات أو تضطر تحت وطأة هذا الفكر أن تقود الدولة بطريقة وعقل وفكر الجماعة فتفشل فشلا ذريعا فى الحكم رغم نجاحها السابق جزئيا فى المعارضة.

سادسا: عندما تقوم الثورات وتقفز هذه الجماعات إلى السلطة أو قريبا منها يتلبسها الفكر الثورى العاطفى والعشوائى والفوضوى فتريد هدم الكون والدولة ثم إعادة بنائها على النمط الذى تريده وترغبه، وعادة ما تنجح فى هدم الدول ولكنها لا تستطيع بناءها على أى نسق.

والهدم أثناء وبعد الثورات سهل ولكن البناء صعب وشاق وعسير,وحرق المؤسسات ومبانى الإدارات سهل ولكن إعادة بنائها صعب ويكون عادة من أموال الشعوب.

سابعا: رهان الإخوان الخاسر على الحشود والمليونيات وما يحدث فيها من خطابات عاطفية وحماسية وتهييج للمشاعر وخلط للحقيقة بالخيال ودغدغة المشاعر، وعدم رهانهم على مؤسسات الدولة السيادية العريقة ومحاولة كسبها وجذبها إلى صفهم، ولذلك نجحت هذه المؤسسات فى البقاء والاستمرار كما نجحت فى إزاحة الإخوان.

ثامنا: الخطأ الأكبر الذى حدث من الإخوان خاصة ومن الثوار عامة أنهم لم يفهموا أن تغيير الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغييرا جذريا مفاجئا وقلبها رأسا على عقب فى عائلة صعب جدا ويحتاج لأزمان طويلة فما بالنا بالدول الكبرى مثل مصر.

تاسعا: خطاب الجماعة يقوم فى الأصل والأساس على الولاء والبراء الدينى والتوافق العقائدى والمذهبى وهو يختلف عن خطاب الدولة، الذى يبنى على فقه المواطنة والحريات العامة وخاصة حرية العقيدة وعلى التوافق السياسى والمجتمعى مع جميع أطياف المجتمع.. وعلى العدل السياسى والاجتماعى الذى يشمل الجميع.

عاشرا: فشل الجماعة فى تصدير خطاب جيد فى أحرج فتراتها وهى فترة الحكم وفترة ما بعد أحداث ثورة 30 يونيه، وهذا واضح فى النقاط التالية:

ركزت الجماعة فى خطابها فى معظم فتراتها على ثقافة «البديل الإسلامى عن الواقع الجاهلى» ويعنى أنها هى البديل الجاهز والجيد عن الآخرين فى القضاء والأمن والجيش والدبلوماسية بل والعوام، ناسين أن الفساد فى كل العصور مدا وجزرا وقربا وبعدا، ومن بين عوام المسلمين من هم أعظم إيمانا وتقوى وتجردا من بعض أبناء الحركات الإسلامية، فعلى أبناء الحركة الإسلامية ألا يحتقروا إيمان العوام وأن يحذروا من رؤية النفس والعجب بها، وعلينا أن ندرك أن إيمان العوام هو أفضل إيمان لأنه وليد الفطرة والبساطة والتلقائية دون كثير أدلجة وحذلقة.. وقديما مدح الفقهاء هذا الإيمان حتى قال حجة الإسلام الغزالى وغيره «ليتنى أموت على ما ماتت عليه عجائز نيسابور».

تبنى الجماعة وحلفائها للخطاب الحربى العدائى وخاصة بعد أحداث 30 يونيه:

كان خطاب تحالف الشرعية الذى أسسه الإخوان خطابا حربيا يستلهم تارة مفردات الحجاج بن يوسف الحاكم الطاغية ونحن فى القرن 21.. فيهدد بقطع الرءوس التى أينعت وحان قطافها.

كما كان خطاب رابعة على سبيل المثال لا الحصر أعظم نموذج واقعى يمثل الخلط المعيب بين العقائدى الثابت والسياسى المتغير.. وبين الغيبى الذى لا يعلمه إلا الله.. والبشرى الذى يخضع لأسباب الدنيا، وكان خطابا تكفيريا شديد الحدة.

اقرأ أيضا:

نقلا عن: الشروق
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق