فن

صورة المعلم في السينما.. من هالة القداسة إلى قمة السخرية

في شتى الحضارات ومختلف الثقافات، وفي الموروث الشعبي التليد للأمم العظيمة، يحظى المعلم بمكانة لا تدانيها مكانة، فهو صانع الحضارة، ومنشئ العقول، ورائد العظماء، وباعث النهضة، وصاحب يد الجود على الجميع. يدين له الكرام بالولاء اعترافا بفضله وتقديرا لعلمه وإعلاء لمنزلته، فهو مخرج الأجيال من الظلمات إلى النور. ولا عجب أن يحاط في كثير من الثقافات بهالة قداسة؛ وإن كان من البشر من يستحقها بعد الرسل والانبياء؛ فلا شك أنه الأحق والأولى دون منازع.

«سأل الطالب الفتى أستاذه الشيخ: ما بال المعلم في بلادنا فقير مهان ليس له في المجتمع وزن ولا قيمة؟ فأجابه الشيخ: إذا ارتفع قدرُ المعلم في المجتمع عَظُمَ العلم في أعين الناس فاقبلوا عليه وإزدادوا فهما وميَّزوا بين الحق والزيف، وهو ما يتجنبه الطغاة ويتحاشونه، لذا يعمدون إلى ازدراء المعلمين والحط من قدرهم خوفا من وعي الناس، وفي وعيهم حريتهم.»

الأستاذ حمام

من الغريب أن يرد الحوار السابق عن وضع المعلم في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن الماضي.. ويبدو أن الأمر أقدم مما نتصور. فحتى الصورة البائسة الباعثة على السخرية والإشفاق في آن، والتي قدمها الفنان الراحل «نجيب الريحاني» للمعلم عام 1949، في فيلم «غَزَل البنات» لم تكن هي أول «قصيدة الكُفر». لقد جسَّد «الريحاني» شخصية المعلم «الأستاذ حمام» بحيث جعله جامعا لأسباب الشقاء: رث الثياب والهيئة، لا يجد ما يسد الرمق، يعلوه قدرا، السُّعاةُ ومرافقو الكلاب، وهو مع ذلك ضيق الأفق سليط اللسان متهكم، لا يكاد يميز بين أقدار الناس، وما إن امتدت إليه يد الإحسان حتى وقع في غرام تلميذته، دون حكمة أو حسن تقدير.. وما لبث «حمام» بعد مغامرته الفاشلة أن عاد إلى سيرته الأولى وهيئته الرثة مستسلما لمصيره المحتوم.

لم تكن هذه هي المرة الأولي التي يبدع فيها «الريحاني» في تشويه صورة المعلم والحط من شأنه فيما قدَّم من أعمال فنية، إذ قدّم في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي مسرحية بعنوان «الجنيه المصري» من تمصير «بديع خيري» عن رواية «توباز» للكاتب الفرنسي «مارسيل بانيول».

ويبدو أن فكرة العمل التي تقوم على إظهار فاقة المعلم وانسحاقه أمام قسوة ظروفه الاجتماعية، ما يدفعه للتخلي عن عمله ومبادئه ليعمل في وظيفة مختلقة تسهل لآخرين الاستيلاء على المال العام، قبل أن يثوب إلى رشده في النهاية – قد استهوت الكثيرين فأعادوا تقديمها في أربعة أعمال فنية هي على الترتيب: فيلم «الأستاذ شرف» 1954، بطولة وإخراج «أنور وجدي»، وفيلم «المدير الفني» عام 1965، بطولة فريد شوقي، ومسرحية «السكرتير الفني» 1968، ثم مسلسل «الدنيا لما تلف» 1977، والعملان من بطولة فؤاد المهندس، الذي ظهر أثناء أدائه لدور المعلم بملابس، لا تليق إلا بالمتسولين.

صورة المعلم عندنا وعندهم

«يا معلم القاذورات، يا كناسة قشاشة ورق الامتحانات» بهذه الألفاظ الخارجة خاطب الريحاني في دور «سلامة» جاره المعلم «بيومي أفندي مرجان» في فيلم «سلامة في خير» من إخراج نيازي مصطفى إنتاج 1937، وقد أدى دور المعلم الممثل محمد كمال المصري «شرفنطح»، بطريقة رسخت صورة شديدة السلبية للمعلم، الذي ظهر شخصا مشاكسا يؤذي جيرانه، ويتتبع أخبارهم، وهو إضافة إلى ذلك حقود لا يحب الخير لأحد، ولا يمتنع عن التزلف والاستجداء إذا لزم الأمر.

مهنة المعلم مهنة تعيسة وغير محترمة.. هات لي عيلة محترمة ترضى تجوز بنتها لمعلم، بتحب إيه في مدرسة المعلمين؟! عايز أعرف إيه أمارات الحُسن اللي فتنتك بيها، ولا أنت من اللي بيحبوا «الرِمامة»؟!… بهذه الكلمات التي تقطر جهلا وانحطاطا وخسة حاول السيد «أحمد عبد الجواد» إثناء ابنه «كمال» عن الالتحاق بمدرسة المعلمين العليا في مشهد شهير في فيلم «قصر الشوق» الذي تم إنتاجه عام 1966، قبيل النكسة.. والقصة والسيناريو والحوار لـ «نجيب محفوظ» والإخراج لـ «حسن الإمام». ولا ندري في أي سياق يمكن قبول هذا السخف، ولو فرضنا أن المؤلف كان يريد إلصاق تهمة احتقار المعلم بالعصر البائد، فلا شك أنه وقع هو وطاقم الفيلم فيما هو أسوأ من ذلك بالتأكيد على هذه النظرة الدونية للمعلم.

في العام التالي1967، يؤسس المحارب القديم «جيمس كلافيل» تأليفا وإخراجا لنظرة الغرب للمعلم في فيلم بالغ الروعة والعذوبة هو «إلى أستاذي مع حبي»، وقد أسند دور البطولة للنجم الأسمر «سيدني بواتييه»، الذي جاء أداؤه شديد العمق بالغ الصدق. اهتم «كلافيل» برسم أدق التفاصيل في شخصية المعلم، فهو مكافح ذو ثقافة موسوعية، مبدئي ولديه قدرة على مواجهة التحديات صبور وحنون يتكلم بلغة راقية، يجيد الاقتراب من طلابه مع المحافظة على مسافة لا تسمح لهم برفع الكلفة.. حتى عندما يوجهون له الأسئلة المحرجة التي تتعلق بحياته الشخصية، لا يجد غضاضة في الاعتراف بفقره الذي حال بينه وبين الزواج، ولا ينكر أنه تعلم ليكون مهندسا؛ لكنه اضطر لقبول وظيفة معلم حتى لا يبقى عاطلا.. يؤكد «كلافيل» على مفهوم طالما تعاملت معه الأفلام المصرية بشكل معكوس، فالظروف القاسية عند «كلافيل» تصنع معلما عظيما متفهما لمعاناة طلابه، ملهما لهم ودافعا لتجاوز العوائق في بيئة فقيرة تموج بالعنف والعنصرية والمشكلات، أما في أعمالنا الفنية فيوجد شبه إجماع على أن الخلاص من المهنة «التعيسة» وخلع قميص المبدأ القويم؛ هو السبيل الوحيد للنجاة من الفاقة والعوز.

لقد اتخذت السينما الأمريكية من هذ العمل مثالا ونموذجا عملت على محاكاته في كثير من الأعمال بعد ذلك، نذكر منها: فيلم «جمعية الشعراء الموتى» من بطولة «روبن وليامز» إنتاج 1989، وفيلم «رجل بلا وجه» عام1993، من بطولة وإخراج «ميل جبسون» وفيلم «عقول خطرة» للمخرج «جون سميث» وبطولة النجمة «مشيل بفايفر» عام1995 وفيلم «موسيقى القلب» بطولة «ميريل ستريب» إنتاج1999، وفيلم «رد الصنيع» من بطولة «كيفين سبايسي» و«هالي جويل» إنتاج2000، وفيلم «ابتسامة الموناليزا» لـ «جوليا روبرتس» إنتاج2003 وفيلم «كُتَّاب الحرية» للمخرج «ريتشارد لاجرافينيز» 2007. وفي نفس العام يقدم «دينزل واشنطون» من بطولته وإخراجه فيلما بالغ الروعة مستوحى من قصة حقيقية بعنوان «المناظرون الكبار» جسّد فيه دور أستاذ جامعي مناهض للعنصرية، ومناضل من أجل الحريات والحقوق النقابية.. وغيرها من الأفلام العظيمة التي تصلح كمراجع لإعداد المعلم الملهم الفاعل والمؤثر بشكل إيجابي في طلابه.

مدرسة المشاغبين الكارثية

لقد كان فيلم «إلى أستاذي مع حبي» بمثابة جرس تنبيه أيقظ الغرب وحفَّزه لكثير من الإجراءات التي من شأنها إعادة الانضباط إلى المؤسسات التعليمية، ورد الاعتبار للمعلم، الذي يمثل خط الدفاع الأول لأي أمة ترى الحفاظ على شبابها من أهم الأولويات.. وكان من المفترض أن يمتد ذلك الأثر الإيجابي إلينا فنحقق قدرا من الاستفادة؛ لكن ما حدث كان خلاف ذلك بما يمكن وصفه بالكارثة.

فبعد مرور نحو ست سنوات على عرض الفيلم قدمت فرقة الفنانين المتحدين عرضا مسرحيا بعنوان «مدرسة المشاغبين» من تأليف الكاتب المسرحي علي سالم، ومن إخراج «جلال الشرقاوي». وقد أعلن الكاتب حينذاك أن المسرحية مستوحاة من الفيلم الشهير، لكن «شتان بين الثرى والثريا»، فعلى مدى أكثر من أربع ساعات قدم نجوم العرض صنوفا من سوء الأدب والتطاول على معلمتهم، في استعراض بالغ الوضاعة لأسوأ السلوكيات التي لا يتصف بها حتى أطفال الشوارع. وقد سرت تلك الأفعال الشائنة والتصرفات الشاذة بين الطلاب كالنار في الهشيم؛ فصارت الغالبية العظمى من تلاميذ المدارس المصرية تحذو حذو طلاب «مدرسة المشاغبين» في محاولات النيل من مكانة المعلم وإهدار هيبته. ويبدو أن النجاح التجاري للعمل المسرحي هو ما دفع المخرج «حسام الدين مصطفى» إلى إخراج فيلم بنفس الاسم ونفس القصة في نفس العام 1973، مع كثير من التوابل السينمائية، فجاء الفيلم أكثر سوءا من العمل المسرحي، ومع ذلك لم يلق النجاح المنتظر.. لكن هذا الفشل لم يمنع من إعادة التجربة عام 2002، على يد المخرج «جمال التابعي» والمؤلف «خالد عبد المنعم» في فيلم بعنوان «عودة مدرسة المشاغبين»، وقد جاء الفيلم نموذجا للاستخفاف، وكان مصيره الفشل الذريع.

آخر المعلمين المحترمين

ربما يقف فيلم «آخر الرجال المحترمين» الذي قدمه المخرج «سمير سيف» عام 1984، من تأليف «وحيد حامد» منفردا وسط غابة من الأعمال الرديئة التي تناولت شخصية المعلم المصري بالقدح فيما يشبه «التار البايت». ففي هذا العمل لعب دور البطولة «نور الشريف» فأبدع في تجسيد شخصية المعلم الواعي الذي يحاول بشتى الطرق استعادة تلميذة اختطفت منه أثناء رحلة إلى القاهرة؛ قبل أن تندلع نيران الفتنة بين أهل قريته في الصعيد على خلفية أحداث قديمة.

وبعد ذلك بست سنوات يقدم النجم «احمد زكي» في فيلم «البيضة والحجر» نموذج المدرس صاحب المبدأ ذا الثقافة العالية،  الذي يُفصل من وظيفة بعد اعترافه في التحقيق الذي أجري معه بأنه «صاحب مبدأ» ليلجأ بعد ذلك لاحتراف مهنة مشعوذ، مستغلا قدراته في خداع البسطاء، إلى أن يصل إلى أعلى طبقات المجتمع بعد أن يصبح فاحش الثراء.

 ويستمر هزلنا في موضع الجد حتى نصل إلى عام 2008، ليخرج علينا الممثل «محمد هنيدي» بشخصية «رمضان أبو العلمين» التي قدمها في فيلم بنفس الاسم، ينتقص من قدر المعلم ويزدريه، لدرجة تصويره في مشهد ساقط، وهو «يبول» في ملابسه بعد أن حبسه طلابه في حجرة بمنزل أحدهم.ولم يكتف «هنيدي» بما أسرف فيه من امتهان لمكانة المعلم في الفيلم، فإذا به في 2011، يتحفنا بمسلسل يستكمل به نفس القصة وبدرجة أعلى من الإسفاف والاستظراف.

ليس من قبيل حرية الإبداع أن نهدم صورة المعلم على هذا النحو السافر، لأننا بذلك نهدم قيم مجتمع بأكمله، ونفتح الباب واسعا لانحراف النشء ونزق الشباب، دون ضابط ولا رابط. فإن كنا جادين في العمل على إصلاح منظومة التعليم، فمن الواجب أن تتغير صورة المعلم في الأعمال الفنية بعيدا عن المبالغة.. وبعيدا جدا عن الاستخفاف المزعوم الذي ينعتونه زورا بـ «الكوميديا».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: