رؤى

الكتب المؤسسة للفكر المتشدد (1): «الفريضة الغائبة».. البيان التأسيسي المبكر للسلفية الجهادية

تقديم أصوات أونلاين:

يأتي هذا المقال عن كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج، مستهلا لسلسلة من المقالات، التي يخص بها الدكتور كمال حبيب الباحث والأكاديمي والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، موقع «أصوات أونلاين»، وفيها يسلط الضوء على مجموعة من الكتب، التي يمكن وصفها بأنها المؤسسة للفكر السلفي الجهادي المتشدد. المقصود هنا هو تلك الكتب التي مهدت ووفرت الغطاء والمسوغ العقائدي والفكري، لنشوء هذا التيار المتشدد، معتمدا على ما جاء فيها من أفكار.

«أصوات أونلاين»

نص المقال

 كتيب «الفريضة الغائبة»، وهو عبارة عن نص بسيط وقصير لا يبلغ مبلغ الكتاب، هو الذي أسس للسلفية الجهادية التي عولمت الجهاد واقتحمت دهاليز سياسة الأمم والعالم، ومزجت بين السلفية والجهادية، وفتحت الباب واسعا لصراع لم يتوقف حتي اليوم بين العالم الإسلامي والغرب.

ألف هذا الكتاب المهندس «محمد عبد السلام فرج» عام 1981، وتم طبع أعداد قليلة منه لم تبلغ الخمسمائة، كان يتم توزيعها علي المنتمين لتنظيم الجهاد ،الذي بدأ في التكوين مطلع عام 1980، ونسخة الكتاب الأصلية المصورة والمضبوطة  ضمن وثائق قضية «اغتيال السادات» يخلو غلافها من اسم للمؤلف، ولا يوجد عليها سوي اسم الكتاب «الفريضة الغائبة».

تأثير «بن رجب الحنبلي»

يبدو الكتيب وكأن مؤلفه كان يخطب متعجلا، أكثر من كونه يكتب مدققا متريثا، وبدا المؤلف جامعا لما كتبه شيخ الإسلام «ابن تيمية» في كتابيه «مجموع الفتاوي» و«الفتاوي الكبري» عن الجهاد، دون أن يضيف هو شيئا واضحا، وقد تأثر المؤلف أيضا بكتيب صغير كان منتشرا في أوساط الشباب الجهادي في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، بعنوان «الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي بعثت بالسيف بين يدي الساعة» لابن رجب الحنبلي الدمشقي. فقد صدّر مقدمة الكتاب بحديث «بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتي يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار علي من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم»، ويقول: ابن رجب قوله «بعثت بالسيف يعني أن الله بعثه بالسيف إلي توحيد الله بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب للتوحيد بالقرآن والحجة والبيان، دُعي بالسيف». ونقل عنه أحاديث فتح رومية، وأن الإسلام سيبلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها  فهناك بلاد لم يفتحها الإسلام بعد وسوف يفتحها إن شاء الله – وفق المؤلف.

القياس الخاطئ

يقارن المؤلف بين ديار المسلمين اليوم، والتي هي ديار كفربعد سقوط الخلافة سنة 1924م، وبين الديار التي حكمها التتار إبان حكم المماليك للعالم الإسلامي في القرنين السابع والثامن الهجري، فكما اتخذ حكام التتار «الياسق» الذي وضع لهم سياساته ملكهم جنكيزخان، فصار شرعا متبعا عندهم، فإن حكام العالم الإسلامي يحكمون بدساتير وضعها لهم الغرب، ومن ثم فهم في ردة أسوأ من تلك التي كان عليها التتار.

هنا تكمن مشكلة الكتاب والمؤلف الرئيسية، وهي أنه ذهب إلي عصر لم يعشه، ولا يعرف السياق الذي أصدر فيه «ابن تيمية» أحكامه علي هؤلاء التتار، وانطلق يقيس حكام اليوم علي حكام التتار مباشرة، رغم الهوة التاريخية بين العصرين، فهناك فرق زمني يبلغ سبعة قرون تقريبا بين المعيار الذي اتخذه المؤلف للقياس، وبين العصر الذي عاش فيه وكتب له، وهو العقد قبل الأخير من القرن العشرين.

 إن مسألة تجاوز التاريخ والسقوط في فخ اللاتاريخانية يحيك شباكا من الخداع في القياس والاستنتاج، كما أن تجاهل ما نطلق عليه «الفروق الاجتماعية» بين الممالك والأمم، وبين العصور والأزمان، توقع في شباك التوهم وسقطات الخداع.

ربما يكون ما بدا معبرا عن المؤلف هو انتقاده للتيارات الإسلامية الأخري التي تخالف تيار القتال والاقتحام الذي يعبر عنه بالجهاد، فقد انتقد الجمعيات الخيرية والصوفية وتيارات العمل السياسي والحزبي، وتيار التربية الإخوانية طويلة النفس والأمد بالوصول إلي المناصب والمراكز كالطبيب المسلم والمهندس المسلم، كما انتقد تيار التغيير من أسفل بتكوين القاعدة العريضة من الشعب المسلم كما يقول القطبيون، والهجرة كما تذهب جماعة التكفير، والتركيز علي العلم كما يفعل السلفيون. وفي النهاية يدعو إلي القتال والجهاد والخروج علي الحكام باعتبارهم لا يحكمون بالشريعة.

العدو القريب والبعيد

استخدم محمد عبد السلام فرج مصطلح العدو القريب والعدو البعيد، واعتبر أن قتال العدو القريب وهم الحكام، أولي من القتال في الجيش ضد العدو الصهيوني، حيث يقول: «هناك قول بأن ميدان الجهاد هو تحرير القدس، ولكن المسلم يقدم الحلول الحاسمة الجذرية فقتال العدو القريب أولي من قتال العدو البعيد، والقتال يجب أن يكون تحت راية مسلمة وقيادة مسلمة ولا خلاف في ذلك». وهو يري أن الإسلام انتشر بالسيف لكن في وجه أئمة الكفر الذين حجبوه عن البشر.

كما يري المؤلف أن آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )، نسخت مئة وأربعا وعشرين آية في أربع وخمسين سورة في الصفح والإعراض والصبر علي الأذي والدعوة والجدال بالتي هي أحسن، وهو أمر غير معقول أو مقبول أن ترفع آية واحدة أحكام أكثر من مئة آية، والقتال لحظة زمنية في المعركة، بينما آيات الصفح والعفو والرحمة والإحسان والتذكير وعدم الإكراه ممتدة في الزمن، كخلق وسلوك لا يرتبط بلحظة أو موقف زمني محدد.

وينتهي المؤلف إلي القول – مخالفا بذلك الفقه الإسلامي باعتبار أن القتال والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الأمة سقط عن الباقين – ليقول: «وبالنسبة للأقطار الإسلامية فإن العدو يقيم في دارهم، بل أصبح العدو يمتلك زمام الأمور، وذلك العدو هم هؤلاء الحكام الذين انتزعوا قيادة العالم الإسلامي ومن هنا فجهادهم فرض عين فليس هناك استئذان للوالدين في الخروج».

فقر التصور السياسي

لا يعبأ المؤلف بالنتائج المترتبة علي ما يتصوره إقامة للدولة الإسلامية فيقول: «هناك قول بأننا نخشي أن نقيم الدولة ثم بعد يوم أو يومين يحدث رد فعل مضاد»، ويرد: «نحن لسنا مطالبين بالنتائج، وبمجرد سقوط الحكم الكافر سيكون كل شئ في يد المسلمين مما يستحيل معه سقوط الدولة». وهو يتحدث حاشدا أحكام القتال الفقهية ليجيب عن أسئلة تتعلق بالتخطيط العسكري التكتيكي والاستراتيجي ،فيتساءل عن أسلوب قتال المسلم في العصر الحديث، ويستشهد بأحاديث تدخل في فقه الجهاد وأحكامه، وهو ما يشير إلي غياب التمييز بين أحكام الفقه وقضايا الواقع، وبين أحكام الدين ومسائل العلوم العسكرية والاستراتيجية في ذهن المؤلف.

فهو يعنون مثلا عنوانا «مخادعة الكفار فن من فنون القتال في الإسلام»، وجواز الإغارة علي الكفار ليلا وقتل ذراريهم، وجواز قطع أشجار الكفار وحرقها. وتحت عنوان «تنظيم الجيش المسلم» تحدث عن الأوقات التي يستحب فيها الخروج للغزو، والدعاء عند لقاء العدو والإخلاص في الجهاد.

رد مفتي مصر

أثار كتاب «الفريضة الغائبة»، هذا  الكتيب التأسيسي للسلفية الجهادية قبل أن تُعرف وتصبح تحديا للعالم، اهتماما كبيرا  وردودا كثيرة، ربما كان أهمها تقرير مفتي الجمهورية المصرية آنذاك الشيخ «جاد الحق علي جاد الحق»، والذي طلبته محكمة أمن الدولة العليا التي ترأسها القاضي عبد الغفار محمد وحاكمت تنظيم الجهاد – من دار الإفتاء، وقد تلخص ردها علي الكتيب بالآتي:

1-لا يحل تكفير مسلم بذنب اقترفه، سواء أكان الذنب ترك واجب مفروض أم فعل محرم منهي عنه، وأن من يكفر مسلما أو يصفه بالفسوق يرتد عليه وصفه إن لم يكن صاحبه علي ما  وصف.

2-الجهاد ليس منحصرا شرعا في القتال، بل إن مجاهدة الكفار تقع باليد والمال واللسان وبالقلب، وكل أولئك سبيله الدعوة إلي الله، والجهاد كان فرض عين علي من دعاه النبي للقتال في عصره، أما بعده فهو فرض كفاية إذا دعت الحاجة وحديث «رجعنا من الجهاد الأكبر إلي الجهاد الأصغر ألا وهو جهاد النفس» هو حديث صحيح، وخبر «لقد جئتكم بالذبح» أي بمعني الهلاك أو التطهير من الشرك والكفر الذي تقيمون عليه فمعني الذبح التطهير، ولا يمكن أن يكون معناه المعني الأصلي للذبح لتعارضه مع آيات القرآن الكريم «لا إكراه في الدين» «إن عليك إلا البلاغ».  

3-آيات الحاكمية، فالقصد بها من لم يحكم بشئ مما أنزل الله «أي من ترك أحكام الله نهائيا وترك شرعه بالكلية، أو أنها يراد بها اليهود» فتكفير الحاكم لتركه بعض أحكام الله وحدوده دون تطبيق لا يستند إلي نص في القرآن والسنة، وإن كان عليه إثم المخالفة لكنه لا يخرج عن الإسلام.

4-أحكام الكفر لا تعلو مصر، فالصلاة تؤدي والمساجد مفتوحة والزكاة يؤديها المسلمون، ويحجون بيت الله وحكم الإسلام ماض في الدولة إلا في بعض الأمور كالحدود والتعامل بالربا، وهذا لا يخرج الأمة والدولة عن أنها مسلمة وشعب مسلم، وكلنا حكاما ومحكومين نبتغي حكم الله وشرعة الله ونعمل به في حدود استطاعتنا.

5-الإسلام لا يبيح الخروج علي الحاكم المسلم وقتله مادام مقيما علي الإسلام ويعمل به حتي ولو بإقامة الصلاة فقط وعلي المسلمين إذا خالف الحاكم الإسلام أن يتولوه بالنصح والدعوة المستقيمة، فإذا لم يقم الحاكم حدود الله وينفذ شرعه تماما فليست له طاعة فيما أمر من معصية أو منكر.

6-آية السيف ليست ناسخة لغيرها، وهي خاصة بالمشركين العرب، ولا تمتد إلي غيرهم من المشركين من أهل الكتاب، الذين أباح الإسلام البيع والشراء والزواج والطعام معهم، والأولي أن لا تمتد إلي المسلمين، فلا يستباح قتل المسلم الذي يصلي ويزكي ويتلو القرآن باسم آية السيف.

7-التتار الذين تحدث عنهم ابن تيمية كانوا وثنيين، اقتحموا عالم الإسلام وأسقطوا دولته، واستباحوا مساجد سمرقند وهدموا مساجد بخاري وبلخ، وتكلم عن فظائعهم ابن الأثير، فهل هؤلاء يقارنون بمصر وأولي الأمر فيها؟،.. فهذا الكتيب يروج لما يقوله المستشرقون من نشر الإسلام بالسيف، ولا وجه للمقارنة بين التتار وجيش مصر الذي انتصر وعبر بهتاف الله أكبر في شهر رمضان ورجاله صائمون، مصلون يؤمهم العلماء، وفي كل معسكر مسجد وإمام.

8-القتال ليس هدفا في ذاته ولكنه وسيلة لحماية الدين والبلاد، وبعد تدوين الدواوين لم يعد هناك مجال لبيعة علي القتال خارج صفوف جيش الدولة، وإلا كان المتبايعون خارجين على جماعة المسلمين، ويحل قتالهم ويؤخذ علي أيديهم.

9-الأصل في الإسلام التعامل مع الناس جميعا، المسلم وغير المسلم فيما لا يخالف نصا صريحا من الكتاب والسنة، أو حكما أجمع المسلمون عليه.

ويخلص مفتي مصر تقريره في الرد علي كتيب «الفريضة الغائبة»، إلى أن مضمون هذا الكتيب ومورده في جملته هو أفكار طائفة الخوارج، ولا ينبغي أن يُطلق علي من يتخذه منهجا وصف الجماعة الإسلامية، وأن الجهاد ماض ليوم القيامة، وهو قد يكون قتالا، أو مجاهدة للنفس، وهو الجهاد المستمر الذي ينبغي علي كل إنسان كما لا يكون الجهاد بتكفير المسلمين، أو بالخروج علي الجماعة أو النظام الذي ارتضته في نطاق أحكام الإسلام.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق